تولستوي.. فيلسوف روسيا الأعظم!

أميمة سعودي


"الجميع يفكر في تغيير العالم، ولكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه" هكذا يرى ليو تولستوي فيلسوف روسيا الأعظم، وأيقونة الأدب الروسي. يعد تولستوي من روّاد المدرسة الواقعية، بل كبير الواقعيين في مختلف الأزمنة. في مقولة للروائي الروسي الشهير ديستوفسكي: "الفنان يجب أن يدرك الواقع الذي يغوص في أدق تفاصيله، ولذلك ليس لدينا حسب رأيي سوى فنان واحد، هو الكونت "ليو تولستوي". كان تولستوي روائياً ومصلحاً اجتماعياً وداعية سلام ومفكراً أخلاقياً، وقد أضمر هذا المفكر بحنكته احتراماً خاصاً للأدب العربي، والثقافة العربية.

 

تولستوي وعظماء الفكر:

ولد الكونت ليف نيكولايفيتش تولستوي في عهد الإمبراطورية الروسية في 9 سبتمبر عام 1828 في قرية ياسنايا بوليانا، بولاية تولا جنوب موسكو من أسرة نبيلة وثرية، انتقَلَ تولستوي فِي عمر الخامسة عشرة إِلى مدينة قازان والتحقَ بجامعتها، ودَرسَ العُلومِ واللُّغاتِ الشرقية، وتعلم اللغتين العربية والتركية، كان مهتماً بأدب الشرق، فأدرك أن الأدب أغنى وأصدق مرجع لمعرفة أحوال الناس وشؤونهم، ومرآة لكل زمان ومكان، ولكن تولستوي لم يكمل دراسته، ولم تعجبه طريقة التدريس، وعاد إِلى بلدته ليعلم ويثقف نفسه بنفسه، ويطّلع على مَا تفتقت عنه قريحة الكبار وعظماء الفكر في العالم، ومنهم جان جاك روسو، ديكنز، بوشكين، هوجو، فولتير، غوته، ترجنيف وشيلر، ثم قرر الالتحاق بالجَيشِ الروسي مثل أخيه، وكان في سن الثالثة والعِشرِين، حيث خاض معركة القرم، وبَعدَ انتِهاءِ فترة عمله العَسكَرِي ارتبط بالزواج من صوفي ابنة طبيب ألماني، وأَنجَبا ثَلاثَةَ عَشَرَ طِفلًا، توفي خَمَسةٌ مِنهُم فِي الصِّغَر.

الواقعية في أدب تولستوي:

لاقىَ الأدب الروسي استحساناً في العالم كله، واستولى على وجدان القراء ومشاعرهم، وحرك في الوقت نفسه أذهانهم بأفكار جديدة مختلفة كلياً عمّا اعتادوه في غيره من الآداب، ويعكس الأدب الروسي واقع المجتمع في روسيا بشكل واضح وقوي، ونلمس من خلاله الكثير عن ملامح الحياة والثقافة والتاريخ في روسيا، ولهذا خلد التاريخ الأعمال الأدبية للكاتب الروسي الكبير تولستوي، وهي أعمال حققت وجودًا وحضورًا خارج حدودها القومية، وحققت إقبالاً عالميًا؛ لأن المنظومة السردية عند تولستوي تتميز بالحيوية الديناميكية، إذْ إنَّ أشخاص تولستوي في حالِة صراعٍ دائم مع الذات والعالَم، وفي حالةِ حَرَاكٍ وتبدُّلٍ مُطَّرِدٍ، وتطوُّرٍ أخلاقي وسلوكيٍّ مستمر، وهذا الحَرَاك والتبدُّل سِمةٌ ظاهرة في سلوك تولستوي، وكذلك في سلوك أبطاله الذين عكسوا كثيراً من جوانب شخصيته ورُؤاه الآيديولوجية والأخلاقية.

وقد ألف تولستوي أعظم رواياته في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، ومن أهم أعماله روايتي "الحرب والسلام"، و"آنا كارنينا"، وهما يتربعان على عرش الأدب الواقعي، ويعطيان صورة واقعية للحياة الروسية في تلك الحقبة الزمنية عن تحوُّلات المجتمع الروسي إبَّان الغزو الفرنسي، وتتناول رواية "الحرب والسلام" التي وصفت بأنها إلياذة العصر الحديث - تيمناً بإلياذة هوميروس - الأحداث في أوروبا في الفترة ما بين 1805 و1820م، واجتياح نابليون لروسيا عام 1812م. وتندد الرواية بفكرة الحرب، وتكشف عن رغبة تولستوي النبيلة في حياة هادئة طبيعية بعيداً عن المعاناة والتفرقة، وقد ظهر تيار الواقعية في الأدب الروسي في أربعينيات القرن التاسع عشر، وعمل أصحابه على إعطاء صورة صادقة عن الحياة والمجتمع والناس دون مثالية أو مبالغة، وتميز هذا التيار الأدبي بالتركيز على الحياة الواقعية والدقة في الوصف والتعبير والتفاصيل الدقيقة، وجرد بيئاته وشخصياته من الرومانسية والمثالية، ودعا في نفس الوقت إلى الإصلاح الاجتماعي.

أما رواية تولستوي "آنا كارنينا"؛ فتعد من أكثر الروايات إثارة للجدل حتى اليوم، فقد عالج فيها قضايا اجتماعية وأخلاقية وفلسفية في شكل حكاية عاطفية (1875-1877م)، وهاجم تولستوي الحب الرومانسي، وشجع بدلاً من ذلك الإحساس بالواجب الأخلاقي وحب الأسرة، كما ناقش فيها إحدى أهم القضايا الاجتماعية التي واجهت المجتمع الأوروبي بعد الثورة الصناعية، وما نتج من اهتمام بالمادة، وما ظهر من أمراض تتعلق بالمال لدى الطبقات الأرستقراطية آنذاك، ويبدأ تولستوي رواية آنا كارنينا بالجملة المأثورة: "كل العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة".

أما روايته "موت إيفان إيليتش"؛ فإنها تصور موت البطل من الصفحة الأولى في الرواية على عكس المعتاد، حيث يموت البطل في نهاية الرواية دائماً، وتأثرت رواية "موت إيفان إيليتش" بشكل مباشر بحياة الكاتب الشخصية، وتغير توجّهاته الفكرية التي شرحها بالتفصيل في كتابه "تأملات"، الذي روى فيه قصة تحوله من اللامبالاة والشك في الدين إلى الإيمان الكامل، كذلك كتب تولستوي كتابه "اعتراف"، حيث اعترف علانية بمعتقداته المسيحية، ومن كتاباته أيضاً: الطفولة والصبا والشباب، البعث، القوزاق، الحاج مراد، إنجيل تولستوي وديانته، سوناتا كرويتزر، وما الفن؟

كتب تولستوي "مملكة الرب بداخلك"، حيث اعتنق الأفكار السلمية الرافضة للعنف وظهر ذلك في كتابه، وكان لهذا الكتاب تأثيراً واضحاً على مناضلين عظام في القرن العشرين، تصدوا لقضايا أوطانهم وعلى رأسهم زعيم الهند المهاتما غاندي، فقد كان تولستوي إصلاحياً وفيلسوفاً عظيماً يدعو إلى السلام.

ومن أقواله: "أيسر على المرء أن يكتب في الفلسفة مجلدات عدة من أن يضع مبدأ واحداً في حيز التطبيق"، كذلك قال "قبل أن تصدر الحكم على الآخرين احكم على نفسك".

وقال: "اعمل الخير لأصدقائك يزيدوك محبة، واعمل الخير لأعدائك ليصبحوا أصدقاءك".

كان يرى: "إن أعلى مقامات الحكمة الإنسانية هو أن تعلم البشرية أنها لا تعلمُ شيئاً"، وأيضاً رأى أنه: "لا يوجد إنسان ضعيف، بل يوجد إنسان يجهل موطن قوته".

تولستوي والأدب العربي:

كل من صادفته حكايات الأدب العربي وقرأها أغرم بها وعلقت بذاكرته، وهو ما حدث لروائي روسيا الكبير، فقد تعرّف تولستوي على الأدب العربي في سن صغير وشغف بحكاياته الشعبية ومنها، قصة "علاء الدين والمصباح السحري"، "ألف ليلة وليلة"، "علي بابا والأربعون حرامي" وحكاية "قمر الزمان بين الملك شهرمان"، وقد ذكر أن هذه الحكايات تركت في نفسه أثراً كبيراً، ويقال إن علاقة تولستوي الأولى بالأدب الشعبي العربي ترجع إلى عام 1882، حيث نشر في ملحق مجلته التربوية (يا سنايا بوليانا)، بعض الحكايات العربية الشعبية.

انسجام شريعة محمد مع العقل والحكمة:

تصدى الروائي الروسي للدفاع عن الدين الإسلامي، وكتب كتابه "حِكَم النَّبي محمد" دفاعًا عن الحق، ورداً على التزوير والتلفيق اللذين لَحِقَا بالدين الإسلاميِّ والنبي محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، فقدَّم تولستوي الحُجَّة، وأقام البرهان على المدَّعين فاختار مجموعة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقام بإيرادها بعد مقدِّمة قال فيها: إنَّ تعاليم صاحب الشريعة الإسلاميَّة هي حِكم عالية، ومواعظ سامية تقود الإنسان إلى سواء السبيل، وإنَّ محمدًا هو مؤسِّس الديانة الإسلاميَّة ورسولها، في الكرة الأرضية. وقد أرسل محمد عبده، مفتي الديار المصرية وأحد رواد النهضة الفكرية الحديثة، إلى تولستوي خطابين يُثني عليه فيهما، ويشكره على تلك المواقف التي هي أقرب للحق والفطرة السليمة، يقول في أحدهما:
أيها الحكيم الجليل مسيو تولستوي "لم نحظَ بمعرفة شخصك، ولكننا لم نحرم التعارف مع روحك، سطع علينا نور من أفكارك، وأشرقت في آفاقنا شموس من آرائك، ألفت بين نفوس العقلاء ونفسك، هداك الله إلى معرفة سر الفطرة التي فطر الناس عليها، ووقفك على الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم، ويثمر بالعمل"، ورد عليه تولستوي بمثلها، والرسالتان محفوظتان بمتحف «تولستوي» في روسيا.

ومن مظاهر اهتمامه بالإسلام تواصل تولستوي مع شخصيات دينية في روسيا، وكانت مراجع مكتبته الخاصة تعج بالكتب الدينية، واهتم بمعاني القرآن الكريم، وشغلت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حيّزاً كبيراً من بحثه.

رحيل قطار العمر:

قضى تولستوي الكثير من عمره في معرفة الناس والمجتمعات وأحوال أهلها، واجتمع له من التجربة ما استعان به على إدراك الواقع وتحليل حوادثه، ومن القدرة الإبداعيَّة ما مكّنه من نقد الواقع وإرهاصاته، ووافته المنية في 20 نوفمبر عام 1910م، متأثراً بالبَردِ في محطة قطار قرية استابو عن عمر 82 عاماً، ودفن في حديقة ضيعة ياسنايا بوليانا، ومن أقواله عن الحياة والموت: "الشخص الذي لديه فكرة خاطئة عن الحياة، ستكون لديه دوماً فكرة خاطئة عن الموت"، وبالطبع لا أحد يستطيع أن يعلم هل كانت فكرته خاطئة أم لا.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها