التكنولوجيا الروحية

د. الدكتورة ربيعة بورقبة

لا جدال في أن العصر الذي نعيشه اليوم عرف وما يزال يعرف تطوراً تكنولوجياً مثيراً، يتجلى ذلك في ظهور اختراعات في مجالات عدة، لم نكن ننتظر ظهورها. هذا الأمر يستدعي التوقف عنده لإثارته بغية بيان مدى تطور الذكاء البشري في اختراع أشياء مثيرة لم يكن العقل البشري يحلم رؤيتها، وللاقتراب أكثر من هذا الموضوع نتوقف مع المخترع راي كيرزويل الذي وُصف بأنه خليفة توماس إديسون.

 


ري كيرزويل Ray Kurzweil


إن القرن الحادي والعشرين سيكون مختلفاً، سوف يستطيع الجنس البشري بمساعدة تكنولوجيا الكمبيوترات التي ابتكرها حل مشكلات قديمة قدم الدهر، مثل الفقر، وربما الرغبة، وستكون لديه القدرة على تغيير طبيعة الموت في مستقبل ما بعد الكائنات الحية. وهنا يرى راي كيرزويل أن نهاية القرن المقبل، لن تظل الكائنات البشرية هي أكثر الكائنات ذكاء ومقدرة على كوكب الأرض1.

إن الكمبيوترات حسب كيرزويل قد تخطت الآن الذكاء الإنساني في مجموعة متنوعة من مجالات الذكاء التي ما زالت محدودة مثل لعب الشطرنج، وتشخيص بعض الحالات الطبية، وشراء الأسهم وبيعها، وتوجيه صواريخ كروز. يقول كيرزويل: "ويظل الذكاء الإنساني بصورة عامة أكثر طواعية ومرونة بكثير، وما تزال الكمبيوترات عاجزة عن وصف الأشياء على مائدة مطبخ مزدحمة، أو عن كتابة ملخص فيلم، أو ربط أربطة الأحذية، أو تحديد الفوارق بين الكلب والقطة"2. لكن هذه المهارة ممكنة حالياً بواسطة الشبكات العصبية الحديثة، وهي النسخة الكمبيوترية من الخلايا العصبية البشرية.

ويرى كيرزويل أن هناك عدد هائل من السيناريوهات التي يمكن الاعتماد عليها للوصول إلى الذكاء البشري في الآلات، وسوف يكون بوسعنا إنشاء وتدريب نظام يجمع بين الشبكات العصبية المتوازنة وغيرها من النماذج الأخرى على فهم اللغة وتوصيف المعرفة، بما في ذلك القدرة على قراءة وفهم الوثائق المكتوبة، مضيفاً أنه "ومع قدرة الكمبيوترات الحالية على استخراج وتعلم المعرفة من وثائق اللغة البشرية محدودة تماماً، فإن قدرتها في هذ المجال تتطور بسرعة. في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ستكون الكمبيوترات قادرة على القراءة بنفسها، وفهم وتوصيف ما تقرؤه"3.

وبمجرد أن يصل الكمبيوتر إلى مستوى الذكاء البشري، فإنه سيصبح باستطاعته تجاوزه، وقد فاقت الكمبيوترات منذ ظهورها القدرات العقلية البشرية في قدرتها على تذكر ومعالجة البيانات، فالكمبيوتر يستطيع أن يتذكر مليارات بل تريليونات البيانات بالكامل، في حين أننا نجد مشقة كبيرة في تذكر بضعة أرقام هواتف، كما أن الكمبيوتر يستطيع في أجزاء من الثانية أن يبحث بسرعة في قاعدة بيانات بها مليارات من المعلومات. ويرى كيرزويل أن الكمبيوترات تستطيع بسهولة أن تتبادل قواعد المعرفة، والمزيج من الذكاء الذي يعادل الذكاء الإنساني والتفوق الطبيعي للكمبيوترات في السرعة والدقة والقدرة على تبادل المعلومات سيكون مزيج مخيفاً.

علاقة بذلك يقول كيرزويل: "تعد الخلايا العصبية لدى الثدييات إبداعاً هائلاً، لكننا ما كنا لنصنعها بنفس الطريقة؛ فمعظم ما بها من تعقيد مخصص لدعم عملياتها الحيوية الخاصة، وليس لقدراتها على معالجة المعلومات، هذا إلى جانب أن الخلايا العصبية بطيئة للغاية، والدوائر الإلكترونية تفوقها في السرعة مليون مرة على الأقل. وبمجرد أن يصل الكمبيوتر إلى المستوى البشري في القدرة على إدراك المفاهيم المجردة، وتمييز الأنماط، إلى غير ذلك من خصائص الذكاء البشري، سيصير بإمكانه استعمال هذه القدرة على قاعدة معرفية تضم ما اكتسبه البشر والآلات من معرفة"4. وهنا يرى كيرزويل أن أحد ردود الفعل الشائعة على فرضية أن ذكاء الكمبيوترات سوف ينافس الذكاء البشري، هو رفضها على أساس إمكانيات الكمبيوترات الحالية، فأنا –حسب كيرزويل- عندما أتعامل كمبيوتري الخاص يبدو ذكاؤه محدوداً وهشاً، هذا إن بدا لي ذكياً في الأصل، ومن الصَّعبِ أن أتصور أن يكون لدى الكمبيوتر الشخصي روح الدعابة، أو يكون له رأي، أو يتصف بغير ذلك من الصفات البشرية المحببة.

لكن أحدث التكنولوجيات في مجال الكمبيوتر في تطور مستمر، وتتمتع الكمبيوترات اليوم بقدرات كنا نحسبها خيالاً منذ عقد أو عقدين من الزمن، ومنها قدرة الكمبيوتر على أن يدون بدقة الكلام البشري الطبيعي المتصل، وقدرته على فهم اللغة الطبيعية المنطوقة والاستجابة بردود ذكية، وقدرته على تمييز الأنماط في الإجراءات الطبية مثل مخططات كهربية القلب واختبارات الدم بدقة تتحدى دقة الأطباء البشريين، وقدرته بالطبع على لعب الشطرنج على مستوى أبطال العالم. وفي العقد المقبل يذكر كيرزويل أننا سنرى هواتف ترجمة تتيح ترجمة الحديث في الحال من لغة إلى أخرى، ومساعدين شخصيين كمبيوتريين أذكياء يستطيعون التحاور والبحث السريع وفهم قواعد المعرفة العالمية، وعدداً هائلاً من آلات أخرى ذات ذكاء يزداد اتساعاً، يقول في ذلك: "في العقد الثاني من القرن المقبل، سوف تزداد صعوبة التمييز بين قدرات الذكاء البشري وذكاء الآلات، وستتضح مميزات ذكاء الكمبيوترات من ناحية السرعة والدقة والسعة، وستزداد من ناحية أخرى صعوبة تمييز مميزات الذكاء الإنساني"5.

هذا التطور إذن، يُنظر إليه على أنه مسلسل استمر مليار سنة، وكان أعظم إبداعاته: الذكاء البشري، وسيكون ظهور نوع جديد من الذكاء في بداية القرن الحادي والعشرين، وقدرته على أن ينافس الذكاء البشري ويسبقه في النهاية بشوط كبير تطوراً أعظم أهمية من أي حدث من الأحداث التي شكلت التاريخ البشري، ولن تقل أهميته عن أهمية خلق الذكاء الذي أبدعه، وستكون له آثار عميقة على كل جوانب الأنشطة الإنسانية، بما في ذلك طبيعة العمل، والتعلم، والحكومة، والحرب، والفنون ومفهومنا عن أنفسنا. يقول كيرزويل: "هذا الشبح لم يظهر بعد، ولكن مع ظهور كمبيوترات تنافس المخ البشري منافسة حقيقية وتفوقه في التعقيد، ستظهر قدرات الآلات على فهم الأفكار المجردة والتفاصيل الدقيقة، ويبدو أن السبب في التعقيد الذي تبدو عليه الكائنات البشرية يرجع جزئياً إلى تضارب أهدافنا الداخلية، فالقيم والمشاعر تمثل أهدافاً كثيراً ما تتعارض بعضها مع بعض، ويعد هذا نتيجة حتمية لمستويات التجريد التي نتعامل معها ككائنات بشرية، وعندما تصل الكمبيوترات إلى مستوى مماثل من التعقيد، ثم تتجاوزه، وعندما يزداد الاعتماد في تكوينها -على الأقل جزئياً- على نماذج من الذكاء الإنساني، فسوف يكون لها أيضاً بالضرورة أهداف ذات قسم ومشاعر ضمنية، مع أنها لن تكون بالضرورة نفس القيم والمشاعر الموجودة لدى البشر"6.

أمام هذا الوضع التكنولوجي، يرى كيرزويل أنه سوف تظهر مجموعة من القضايا الفلسفية: هل تفكر الكمبيوترات؟ أم أنها تجري حسابات فقط؟ والعكس بالعكس، هل تفكر الكائنات البشرية" أم أنها تجري حسابات فقط؟ من المفترض أن المخ البشري يتبع قوانين الفيزياء، لذلك لا بد أنه آلة، غير أنه آلة بالغة التعقيد. هل هناك اختلاف جوهري بين التفكير الإنساني وتفكير الآلة؟ ولطرح السؤال بطريقة أخرى: عندما تتماثل الكمبيوترات مع المخ البشري من حيث التعقيد، وتتساوى معه في دقة وتعقد التفكير، فهل نعتبرها واعية؟ سؤال كهذا يراه كيرزويل صعب حتى في طرحه، ويراه بعض الفلاسفة سؤالا بلا معنى، في حين يعتقد آخرون أنه السؤال الوحيد الذي له معنى في الفلسفة، والواقع أن هذا السؤال يعود إلى زمن أفلاطون، لكن مع ظهور الآلات التي يبدو أن لديها إرادة ومشاعر حقيقية، سوف تصبح القضية ملحة أكثر فأكثر.

أخيراً وليس آخراً، وانطلاقاً مما سبق يمكننا القول إن المستقبل من الأكيد أنه سيحمل إلينا مفاجأت مدهشة، لم نكن يوماً من الأيام نفكر في رؤيتها، كل هذا وغيره سيغير وجه العالم، لنصل في الأخير إلى عالم يمكن تسميته بعصر الآلات الروحية.


الهوامش
1 - عصر الآلات الروحية: راي كيرزويل، ترجمة: عزت عامر، الناشر كلمات عربية للترجمة والنشر، الطبعة الثانية 2010، ص: 16.
2 - عصر الآلات الروحية: راي كيرزويل، ص: 17.
3 - نفسه، ص: 18.
4 - عصر الآلات الروحية: راي كيرزويل، ص: 18.
5 - عصر الآلات الروحية: راي كيرزويل، ص: 19.
6 - عصر الآلات الروحية: راي كيرزويل، ص: 20.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها