الأسطورة العربية.. كمرآة للمستقبل!

هناء متولي


مُنذُ أول مرة وقعت عيناي على صفحات ألف ليلة وليلة، شعرت أنني دخلت مدينة لا تنام. لم يكن مجرد كتاب تزينه الحكايات، بل عالمًا فسيحًا تتوالد فيه القصص كما تتوالد الأرواح. كل حكاية فتحت أمامي بابًا جديدًا، خلفه أفق أوسع مما توقعت. في طفولتي كنت أظن أن شهرزاد مجرد شخصية تحكي لتنجو، لكن حين كبرت أدركت أنها كانت تُنقذ الخيال العربي كله من الموت. بالنسبة لي، ألف ليلة وليلة ليس فقط أهم ما كُتب بالعربية، بل هو النص الذي برهن أن الحلم جزء من حقيقتنا، وأن الحكاية لا تعكس الواقع فقط، بل تعيد تشكيله.


الأساطير لم تكن يومًا غريبة عن وجداننا، بل عاشت معنا في تفاصيلنا اليومية: في الحكايات الشعبية التي كانت الجدات يتهامسن بها، في الأمثال التي تتردد بين الناس، وفي الشعر الذي حمل صورًا تتجاوز الواقع.

الغول، على سبيل المثال، لم يكن كائنًا عابرًا، بل رمزًا للخوف من المجهول، من الصحراء الممتدة بلا نهاية. السعلاة، التي تغيّر ملامحها لتفتك بالمسافرين، تجسد الخديعة والتحوّل. الجساسة، التي ظهرت في إحدى الروايات عن الدجال، تمثل مخاوف الجماعة من الفتن الكبرى. الجن الذين يسكنون الخرائب والوديان ظلوا عبر القرون مادة خِصبة للسرد الشعبي، وحتى للتفسيرات الدينية والفلسفية.

عنترة نفسه تحوّل من فارس تاريخي إلى أسطورة بطولية، وصارت سيرته تُروى على المقاهي كملحمة. شهرزاد، التي وقفت بين الموت والحياة، أعادت اختراع اللغة كسلاح للبقاء. لم تكن هذه الحكايات مجرد خيال، بل وسيلة لفهم العالم، وإعادة توازن القوى بين الإنسان والطبيعة، وبين الفرد والجماعة.

حتى كبار المفكرين سجّلوا حضور الأسطورة. الجاحظ كتب عن ميل النفوس إلى الغريب والمستحيل، وابن خلدون أقرّ بأن العجائب جزء من تكوين المجتمعات. كل هذا يكشف أن الأسطورة ليست زينة مضافة لثقافتنا، بل ركيزة أساسية في وعي العرب..

الأدب بلا خيال يبقى مجرد تسجيل للواقع. أما الأدب الذي يفتح أبوابه للأسطورة والرمز، فيتحول إلى تجربة كونية. نجيب محفوظ كان يرى أن الأدب لا يكتفي بعكس المجتمع، بل يجب أن يتجاوزه. وآينشتاين قال: "الخيال أهم من المعرفة؛ لأنه يحيي المعرفة".

عالميًا، كثير من الأدباء جعلوا الخيال صلب مشروعهم. ماركيز في مائة عام من العزلة لم يكتب فقط عن كولومبيا، بل عن أسطورة العائلة والقرية والزمن الدائري. كافكا صاغ أساطيره الخاصة ليكشف اغتراب الإنسان الحديث، وبورخيس حوّل المكتبة إلى متاهة أسطورية تحوي كل المعاني.

في السياق العربي، ظل الخيال حاضرًا بطرق مختلفة. السير الشعبية ضخّمت صورة الأبطال إلى ما يشبه الخارقين. الحكايات الصوفية مزجت بين الواقعي والغيب، والشعراء وظّفوا الرموز الأسطورية لتفسير العلاقة بالوجود. حين يجرؤ الأدب العربي على استخدام الخيال، يتحول إلى أفق جديد لا يقل عن أعظم التجارب العالمية.

الغرب أدرك مبكرًا أن الأسطورة ليست ملكًا للماضي، بل مادة لبناء المستقبل. سوبرمان إعادة إنتاج لهرقل القديم، وثور يستدعي الفايكينغ بطريقة حديثة. لورد أوف ذا رينغز وغيم أوف ثرونز نسجت من الميثولوجيا الإغريقية والإسكندنافية بالكامل.

العرب، في المقابل، ظلوا يحصرون أساطيرهم في خانة التراث الذي يُعرض في المتاحف أو يُستدعى في جلسات الحكي. لكن الأسطورة لا تحتاج فقط أن تُروى، بل أن تُعاد صياغتها.

هنا تبرز محاولات كسر الجمود:
◅ إبراهيم الكوني جعل الصحراء مسرحًا لأساطير جديدة، حيث يتحول الجن والريح والرمال إلى كائنات حية تُحاور الإنسان.
◅ رجاء عالم في طوق الحمام صاغت مكة مدينة تتجاور فيها الأرواح والجن، لتصبح أسطورة قائمة بذاتها.
◅ علي قطب في البند السادس من قانون التضحية ابتكر فانتازيا عربية معاصرة تستند إلى المخيال الشعبي، لكنها تُطل على المستقبل بأسئلته الوجودية.

تحويل الأساطير العربية إلى رموز معاصرة ليس مجرد إعادة سرد الحكايات، بل إعادة تشكيلها لتتجاوب مع تحديات العصر. الغول يمكن أن يصبح مجازًا للتهديدات التكنولوجية، والجن رمزًا للصراعات النفسية والاجتماعية، وشهرزاد رمزًا للمقاومة الفكرية والثقافية في مواجهة ضجيج الإعلام. حتى عنترة وفارسية الأبطال يمكن تحويلها إلى صورة لمواجهة العنف والظلم الاجتماعي والسياسي.

إعادة قراءة هذه الأساطير توفر مساحة للتجريب الأدبي، حيث يمتزج الواقع بالرمز والفانتازيا لتقديم رؤى نقدية حول المجتمع واستشراف المستقبل. بهذا الشكل، تصبح الأسطورة أداة للتأمل والتحليل، وتحافظ على أصالتها الثقافية والرمزية، مع تمكين الأدب العربي من المنافسة في حقل الفانتازيا العالمي.

الأسطورة قادرة على أن تكون مرآة للمستقبل العربي. يمكن أن نُعيد تخيّل الغيلان كرموز للتقنية الخارجة عن السيطرة، وعنترة فارسًا يقاتل العنف الجمعي، وشهرزاد رمزًا لمقاومة الصمت وسط فوضى الإعلام. الأسطورة ليست بقايا، بل أدوات للخيال السياسي والثقافي.

الأساطير ليست مجرد حكايات قديمة، بل مرايا تعكس قيم وهوية المجتمعات. في العالم العربي، تحمل الشخصيات الأسطورية رسائل عن الشجاعة، العدالة، الحيلة، والصمود في وجه الظروف القاسية. الغول أو الجن لم يكونوا مجرد كائنات خرافية، بل جسدوا مخاوف المجتمع وتجسيدات للشر والقدرة على التغيير. عنترة، فارس المحبة والشجاعة، يعكس صراع الفرد من أجل الاعتراف بالذات ضمن المجتمع، وشهرزاد تجسد الذكاء والمقاومة في مواجهة القهر.

إعادة قراءة هذه الأساطير اليوم تتيح لنا التفكير في هُويتنا العربية بطريقة نقدية ومعاصرة. يمكن للكاتب أو الفنان أن يستفيد من هذه الرموز ليطرح أسئلة عن الانتماء، التنوع الثقافي، والصراعات الداخلية في المجتمع العربي الحديث. الروايات الفانتازية الجديدة تستخدم الجن أو الغول كرموز للقوى السياسية أو التحديات الاجتماعية، مما يجعل القارئ يعيد النظر في القيم والتقاليد التي تشكل هويته.

بهذا الأسلوب، تتحول الأسطورة من مادة للتراث إلى أداة فكرية، تمكن القراء من إعادة اكتشاف جذورهم وفهم حاضرهم، بل وحتى تخيل مستقبل عربي متجدد. الأسطورة بهذا المعنى تصبح جسرًا بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين الخيال والواقع، وبين الفرد والجماعة.

حين أعود إلى ألف ليلة وليلة، أدرك أن الحكايات التي صاغتها شهرزاد لم تكن مجرد تسلية للملك، بل محاولة لصناعة مستقبل مختلف. كل حكاية وعدًا بالحياة، ودليلًا أن الخيال قد ينقذ. نحن بحاجة اليوم لإعادة هذا الدرس: أن الأسطورة ليست ماضيًا غابرًا، بل مختبر مفتوح لتخيّل الغد.

السؤال الحقيقي ليس: هل لدينا أساطير؟ بل: متى سنجرؤ أن نحلم بها مرة أخرى؟

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها