أنا من أولئك الذين يجدون في أفلام الإثارة والخيال العلمي الأمريكية أكثر من مجرد متعة بصرية عابرة؛ إذ تبدو لي -وهو رأي لا يُلزم أحداً- في كثير من الأحيان كأنها رسائل مُشفّرة يبعث بها المستقبل إلى الحاضر. ومن هذا الأفق شاهدت فيلم Mercy، في حبكة تبدو، للوهلة الأولى، مجرد بناء هوليوودي محكم الإيقاع، مشدود الأعصاب، سريع النبض. غير أن الفيلم، في عمقه، كان أشبه بمرآة باردة تُرغم المتلقي على التحديق في ملامح زمنه وهو يتآكل بصمت، كما لو أن السرد السينمائي لا يعرض أحداثاً بقدر ما يكشف اهتزازاً خفياً في بنية الواقع نفسه.
لقد وجدتني، وأنا أتابع المحقق كريستوفر رافن (Chris Raven) مُكبَّلاً إلى كرسيه أمام قاضية لا قلب لها لأنها بلا جسد، أفكر في أمر يتجاوز السينما نفسها: لم يكن المشهد يبدو كخيال علمي بعيد، بل كاستعارة واقعية لعصرٍ تتسلل فيه الخوارزميات إلى أكثر المساحات إنسانيةً وحميمية. شعرتُ أن الفيلم لا يعرض المستقبل بقدر ما يفضح الحاضر؛ ذلك الحاضر الذي نقبل فيه، بطمأنينة مدهشة، أن تُعاد صياغة حياتنا كل يوم عبر "تحديثات تلقائية" تهبط على هواتفنا بصمت، فنضغط زر "موافق"، كما لو أننا نوقّع بإصرار غير مشروط الوقف على تنازلٍ تدريجي عن إنسانيتنا نفسها.
ثمة مفارقة عميقة في تاريخ التشريع الجنائي؛ فمنذ شريعة حمورابي إلى آخر التحديثات والإصدارات، ظلّ القانون الجنائي دائماً ابنَ التأخّر، أو مولوداً فوق النضج كما يحلو لي تسميته. فهو يأتي بعد حدوث الجريمة، يتكئ على التأمل، ويستدعي الجدل؛ لأنه يُقرّ ضمنياً بأن الحقيقة الإنسانية شبكةٌ معقدة من الالتباس، وأن التسرّع في إصدار الحكم ليس إلا شكلاً من غطرسة تُسطّح ما لا يُختزل.
غير أن العقود الأخيرة أفرزت مجتمعاتٍ مثقلةً بضغط الجريمة المتنامية، أنظمة قضائية بطيئة الإيقاع تُرهقها الملفات المتكدسة، ورأي عام يطالب بعدالة فورية، نقية، قابلة للاستهلاك الإعلامي السريع. وفي هذا الفراغ الذي يتسع بصمت، لم يعد الذكاء الاصطناعي يدخل بوصفه أداة تقنية محايدة، بل بوصفه وعداً خلاصياً سيرمم ما عجز عنه البشر.
لهذا لا يبدو العالم الذي يرسمه فيلم Mercy مجرد مبالغة سينمائية. تدور الأحداث في لوس أنجلوس سنة 2029، حيث بلغ التضخم الإجرامي مستوى جعل المحاكم التقليدية عاجزة عن الاستمرار، فتم إنشاء محكمة هجينة تُدعى “Mercy Court”، تديرها قاضية ذكاء اصطناعي تحمل اسم "مادوكس"، تمتلك صلاحيات واسعة من قبيل النفاذ السلس إلى سجلات الهاتف وكاميرات المنازل ومنشورات مواقع التواصل وتسجيلات الكاميرات.... وبعد تسعين دقيقة فقط، يُصدر الحكم. لذا، يعتبر المتهم مذنباً ما لم يثبت براءته بنسبة تتجاوز 92%، لا استئناف، لا محامٍ، ولا حتى ذلك البطء البشري الذي كان تاريخياً يشكّل هامشاً ضرورياً لتسريب الشك وإعادة النظر في اليقين القضائي.
غير أن أكثر ما يمنح الفيلم ثقله ليس هذه التقنية ذاتها، بل المفارقة التي يبني عليها حبكته: فالمحقق كريس رافن، الذي آمن بالعدالة الرقمية وساهم في تصميم النظام، يجد نفسه لاحقاً جالساً أمام اختراعه ذاته، متهماً بقتل زوجته بنسبة إدانة بلغت 98%، بينما يتمثل "الدليل" الأساسي ضده في كونه حزيناً ومضطرباً. هنا يطلّ الدرس الأشد قسوة: الأنظمة لا تنهار لأنها تحمل داخل بنيتها آثار من صمّموها. فالشرطية جاك ديالو، التي بدت وفية لرافن، كانت قد حذفت دليلاً يبرئ متهماً في أولى قضايا “Mercy”، فقط لضمان نجاح النظام أمام الرأي العام. لذا؛ فالخلل لم يكن تقنياً، بل أخلاقياً؛ فالنظام اشتغل كما ينبغي، لكنه اشتغل داخل بنية بشرية قادرة على الكذب والتلاعب وإعادة تشكيل الحقيقة وفق منطق المصلحة وإدارة الصورة العامة.
ومن هنا تحديداً، يصبح النقاش أوسع من مجرد فيلم خيال علمي عابر. فالتسارع الرقمي ليس مجرد تطور تقني، بل هو -بتعبير عالم الاجتماع الألماني Hartmut Rosa - شكل من "التسارع الاجتماعي" الذي يعيد صياغة علاقتنا بالزمن والسلطة والمعنى1. وفي قلب هذا التسارع، يبدو القانون كشيخٍ تجاوز المئة ونيف يهرول للحاق بقطار فائق السرعة. فالإنترنت أفرز جرائم لم تكن موجودة سابقاً، والذكاء الاصطناعي بات قادراً على إنتاج محتوى مزيف بسرعة تفوق قدرة المؤسسات القانونية على التكيّف، بينما تعيد البيئات الافتراضية تعريف مفاهيم المكان والهُوية والمسؤولية الجنائية والمساهمة والمشاركة وظروف التخفيف... كما هو معلوم فإن القانون الجنائي التقليدي قائم على ثلاث ركائز: النص، والسلطة التقديرية للقاضي، وضمانات المحاكمة العادلة. غير أن الواقع الرقمي يهدد هذه الركائز دفعة واحدة؛ فالنصوص تُصاغ ببطء فيما تتغير طبيعة الجريمة كل بضعة أشهر، وضمانات المحاكمة تصطدم بعالم تُجمع فيه بيانات الفرد قبل أن يعلم حتى أنه صار موضع اشتباه.
ولعلّ أكثر ما يثير القلق في هذا السياق هو ذلك الوهم الراهن الذي يُسوّق للذكاء الاصطناعي باعتباره كياناً ملائكيا، منزهاً عن الأهواء البشرية. ففي أحد أكثر مشاهد الفيلم كثافةً، يُجادل كريس رافن القاضية مادوكس في استنتاجاتها، فتجيبه ببرود: "نسبة إدانتك ارتفعت إلى 98%". وحين يسألها عن السبب، ترد: "لأنك صرّحت بأن زوجتك كانت تخونك، وذلك يشكّل دافعاً قوياً للقتل". هذا المشهد يؤكد بأن الذكاء الاصطناعي لا يفكّر أخلاقياً، بل يُرتّب الاحتمالات انطلاقاً من أنماط سابقة. وإذا كانت البيانات التي تدرّب عليها تحمل تحيزات اجتماعية أو طبقية أو عرقية أو غيرها؛ فإن ما يُقدَّم بوصفه "حياداً تقنياً" ليس سوى تحيز بشري أُعيد إنتاجه بلغة رياضية مضمرة.
ومن ثمّ، لم يعد السؤال الحقيقي هو: "هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحكم بعدالة"؟ بل: "حين تُخطئ الخوارزمية، من يتحمّل المسؤولية"؟ هل يُحاسَب المبرمج؟ الشركة؟ المؤسسة القضائية؟ أم تتحول الأخطاء إلى مجرد "أعطاب تقنية" تُعالج بتحديثات لاحقة؟ في الفيلم بدا الحل درامياً وواضحاً: أُغلق النظام واعتُقلت المتورطة. أما في الواقع، فإن الأخطاء الخوارزمية غالباً ما تُدفن داخل تقارير تقنية غامضة، ثم يُستأنف العمل كأن شيئاً لم يكن.
وبينما نفتح أذرعنا بثقة عمياء لملاقاة هذا الأفق، تبدو بعض الأسئلة أكثر جدية مما تبدو عليه: حين تُدينك خوارزمية وأنت بريء، هل ستصدر الشركة المطوّرة اعتذاراً أخلاقياً، أم ستكتفي بإشعارك عبر رسالة نصية بأنها ستقوم بـ"تحسينات في الإصدار القادم"؟ وإذا أصبحت كل الكاميرات والهواتف والحسابات الرقمية متاحة للقضاء الآلي، فهل ستتحول الخصوصية إلى مفهوم متحفي يُدرَّس ضمن تاريخ الأفكار المنقرضة، وإذا صار إثبات البراءة مشروطاً بنسبة مئوية، فهل سيُضاف مستقبلاً إلى القانون الجنائي بندٌ جديد ينص على "حق المواطن في استئناف خطأ الخوارزمية"؟ وأمام أي جهة يُقدَّم الطعن في الأحكام والقرارات؟ هل هي محاكم الاستئناف والنقض، أم ستكون هناك واجهة تقدم خدمة دعم تقني تُعيد تشغيل العدالة كما يُعاد تشغيل تطبيقات الهواتف النقالة؟
غير أن السؤال الأكثر إزعاجاً يظل ذاك الذي يطرحه الفيلم بصمت: إذا كانت "مادوكس" لا تملك مشاعر، فهل يُعدّ ذلك ضماناً للحياد؟ أم أن العدالة التي تُجرَّد من التعاطف الإنساني لا تعود عدالة، بل مجرد عملية محاسبة باردة، تشبه فاتورة الهاتف والماء والكهرباء تُحتسب بالدقيقة؟
عزيزتي القارئة، عزيزي القارئ، لا تدعو هذه القراءة إلى رفض التكنولوجيا داخل منظومة العدالة، فالأدوات الرقمية، من تحليل البصمات إلى قواعد بيانات الحمض النووي، رفعت من فعالية التحقيقات بشكل يصعب إنكاره. غير أن الخطر يبدأ حين تنتقل التقنية من موقع الأداة إلى موقع الحاكم؛ حين نُفوّض الخوارزمية سلطة تقدير الشك واليقين وتقييم الأدلة الظرفية وترتيب القرائن، وننتظر من معادلة رياضية أن تستوعب التعقيد الأخلاقي والنفسي للإنسان بما يحمله من تناقضات وحدود رمادية. وفيلم Mercy لا يطرح سؤالاً أخلاقياً جديداً بقدر ما يعيد صياغة سؤال قديم بلغة راهنة: ماذا يتبقى من إنسانية العدالة، حين يصبح القاضي كياناً لا يعرف الندم؟
