
أول ما يرى القادم نحو أطلال مدينة أفاميا الأثرية جنوب مدينة حماة السورية ذلك التل الجاثم على يسار الطريق الصاعد إليها، بجلال وروعة، متسامياً يشد الناظر رغم جمال اللوحة الطبيعية الأخّاذة المحيطة به في سهل الغاب، وعلى هذا التل تتربع قلعة المضيق التي تقف حارساً صامتاً على أنقاض مملكة أفاميا القديمة إحدى أعظم المدن اليونانية الرومانية في العالم الكلاسيكي.
وسُميت قلعة المضيق بهذا الاسم لأنها تُطل على مضيق يقع بين التل الذي بنيت عليه وجبل شحشبو الذي يقابله. وهي القلعة الوحيدة في سوريا التي لا تزال مأهولة بالسكان رغم أهميتها الاستراتيجية، وتحولت إلى نقطة تماس في سنوات الحرب مثلما كانت في القرون الماضية.
وتغري القلعة من الخارج المشاهد بزيارتها والتطلع إليها لما تحويه من جمال أخّاذ؛ نظراً لارتفاعها عن مستوى الأرض وشدة انحدار أطرافها وشكلها المخروطي المقطوع. إضافة لجمال أبراجها المربعة الشكل، وقطع أعمدتها المتداخلة في جدرانها للربط فيما بينها وتماسكها.

وتتخذ القلعة شكلاً مستديراً مقدار قطره (250 م)، ويؤكد طابعها الهندسي والعسكري أنها أقيمت في عهد نور الدين زنكي والأيوبيين حكام حلب الشهباء. وقد كان يحيط بها سور شاهق له شكل مضلع غير منتظم، تتخلله الأبراج الكبيرة والكثيرة ذات الشكل المربع.
خلال العصر الإسلامي المبكر خلال الفتوحات، أصبح الموقع جزءاً من الخلافة الأموية، ثم العباسية، ليصبح معقلًا إقليمياً. وبفضل موقعه، ظلّ نقطة محورية في الحملات العسكرية ومراقبة الحدود.
وفي القرن الثاني عشر، احتل الصليبيون المنطقة مؤقتاً، لكن القادة المسلمين، بمن فيهم السلالة الأيوبية التي أسسها صلاح الدين الأيوبي، طردوهم لاحقاً. عزز الأيوبيون أسوار وأبراج القلعة، معززين إياها كموقع عسكري رئيسي في معركتهم ضد الغزوات الصليبية.
وبعد حكم الأيوبيين دخلت تحت حكم المماليك. وفيها جمع الملك الظاهر بيبرس عام 1267م جيوشه لاستعادة أنطاكية. هذا وقد بنيت أسوار القلعة وأبراجها وعقودها بأسلوب معماري عربي، والمرجح أن أسوار القلعة وأبراجها الحالية حلت محل القلعة العباسية التي دمرها زلزال عام 1157م. وتحمل بعض الأبراج اسم الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب 1207م.

براعة البنّائين السورييّن:
ويحيط قلعة المضيق خندق وسور تتخلله أبراج كبيرة مربعة تتوالى في كل الجهات، وبفعل نوائب الأيام تهدم أكثرها، وتحوّل قسم منها إلى مساكن لفلاحي القرية. وللقلعة باب وحيد فوقه قنطرة وحوله برجان مربعان متقابلان لحراسته، ولها قاعة كبيرة مقببة وجامع صغير يعود تاريخ بنائه إلى عهد الاحتلال العثماني، وعلى الأبراج يلاحظ الزائر كتابات عربية تؤكد أن بناء القلعة عربي صرف.
وتتماشى الجدران الخارجية للقلعة مع المنحنى الطبيعي للتل، موفرةً إطلالات خلابة ودفاعاً قوياً. رُممت بعض الأقسام، بينما احتفظت أقسام أخرى بأعمالها الحجرية الأصلية، مكتملةً بفتحات السهام وأبراج المراقبة.
ويضم قلب القلعة ساحاتٍ وغرف تخزين وأحياءً سكنية، يُحتمل أن يكون القادة والجنود وعائلاتهم قد استخدموها. في بعض الأجزاء، لا تزال الأسقف المقببة والأبواب المقوسة سليمة، كاشفةً عن براعة البنائين السوريين في العصور الوسطى.

نظام المياه والصهاريج:
ومن أكثر جوانب القلعة إثارةً للاهتمام نظام جمع المياه القديم. بفضل الصهاريج المنحوتة في الصخر ونظام قنوات مياه الأمطار، استطاعت القلعة الصمود في وجه الحصار لفترات طويلة. تُبرز هذه البراعة الهندسية التفكير الاستراتيجي لمهندسيها المعماريين.
ويمنح هذا التراث الحي الموقع طابعاً مختلفاً يمزج بين الماضي والحاضر. ورغم أن بعض المباني تُعدّ إضافات حديثة، إلا أنها لا تمحو جوهرها التاريخي، بل تُضيف بُعداً جديداً إلى عمر القلعة الطويل الذي يعتقد أنه يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد.
(أكروبول) أفاميا:
وللتعرف أكثر على هذه القلعة نُقلّب صفحات التاريخ لنقرأ أن قلعة المضيق شُيّدت في مكان حصن قديم مهدوم، كان مأهولاً منذ عصور ما قبل التاريخ. ويؤكد هذه الفرضية الحفريات التي أُجريت في القلعة وتم العثور فيها على مخلفات بشرية ترقى إلى العصر الحجري الوسيط وما بعده. وهي تتموضع على الأكروبول والسفح الشمالي للأخدود المواجه، بالإضافة إلى انتشار نشاط زراعي أصيل يرقى إلى العصر الحجري الحديث، الذي دلت عليه المكاشط والأزاميل والمناجل التي أظهرتها الأسبار المتتابعة إلى النور.
كما أظهرت حفريات أخرى أجريت من قبل بعثة سورية برئاسة الباحث الأثري "عبد الرزاق زقزوق" عام 1970 في أرضية القلعة، أن هناك مستوطناً ذي طبقات متعاقبة يرقى إلى العصر البرونزي (2500 ق.م) وهذا ما أكدته اللُقى الفخارية العديدة والمدافن الفنية المكتشفة فيها.
ومع إنشاء مدينة أفاميا شكلت القلعة أكروبولها (مركزها الديني)، وكان يحيط بها خندق كبير وسور على هيئة مضلع غير منتظم، وظل أكثر هذا السور سالماً إلى يومنا هذا، وقد ركبت عليه أبراج كبيرة مربعة الشكل تتوالى في كل الجهات.
ويؤكد الباحث (فان برشيم) أن بناء قلعة المضيق عربي صرف، وبقيت بعد زوال مدينة أفاميا تحمل اسمها ألف عام أو يزيد. فيما يذهب العالم الأثري (دوسو) إلى القول إن "مدينة أفاميا القديمة اختفت باكراً، والقرية التي عاشت في العهد العربي باسم أفاميا انحصرت في القلعة".
وورد ذكرها بهذا الاسم في ذيل ابن القلانسي وهو يروي عن معركة حصلت في السهل المجاور بين البيزنطيين والمسلمين، وقد تُرك ممر إجباري للبيزنط الهاربين وهو يتسع لخيّال واحد، وكان في الخلف جنود كامنين يقتلون كل من يجتاز المضيق من العدو في تلك المعركة.

نوائب الأيام:
وإذا كانت القلعة قد ورثت مجد أفاميا، وظلت محافظة على وجودها، فهي لم تسلم من تقلبات الأزمان ونكبات الطبيعة وكوارث الأيام. ففي عام (488 هـ-1095م) بدأت أولى جحافل الصليبيين تتدفق على المشرق العربي.
وبعد مرور عام كانت الحملة الصليبية الأولى، والتي تمكن أحد قوادها (بوهيموند الأول) من تأسيس إمارة صليبية في أنطاكية عام (492-1098م)، وكان من الطبيعي أن تجتذب قلعة المضيق اهتمامه، فقام بمهاجمتها، وقاتل أهلها أياماً، وأفسد زروعهم في سهل الغاب، ثم رحل عنها إلى حلب ومرعش. ثم عاد خلفه (تانكريد) إلى احتلالها ثانية عام (499هـ 1106م) وملكها واستقر فيها، وجعلها من أولى المعاقل الأمامية لإمارة أنطاكية وأبرزها، وطفق يناوش منها مسلمي شيزر وحماة، وبقيت القلعة في يد الصليبيين حتى عام (544هـ 1129م). وفي هذا العام أيضاً (1129م) سار إليها نور الدين محمود الزنكي وحررها من الصليبيين وملكها، وحصّنها بالرجال والذخائر. وقد اجتمع الصليبيون في الشام، وساروا بحملة لاستعادة القلعة، لكنهم لم يفلحوا في ذلك.
قناطر متناظرة:
بعد خروج الصليبيين من البلاد كلها عام (690 هـ 1291م) وزوال الحاجة إلى الدفاع، لم يبق للقلعة مكانتها الحربية، فتحولت إلى قرية مزدحمة يعتصم أهلها من هجمات الأعراب والأشقياء أيام فوضى الأحكام في عهود المماليك والعثمانيين.
وفي سنوات الانتداب الفرنسي تحولت القلعة إلى قرية تكتظ بالبيوت الصغيرة المتواضعة بعضها فوق بعضها الآخر، في حين توزعت الأزقة الضيقة في كل الاتجاهات، ومن العناصر المعمارية لقلعة المضيق اليوم القناطر المتناظرة في المدخل الرئيس، وبرج مربع الشكل، جميل البناء، في جداره القبلي كتابة تحوي اسم الملك الأيوبي الظاهر غازي وتاريخها عام (602هـ-1205).
على أن القلعة بوضعها الحالي تحتاج ليد تقوم على ترميمها، لتعيد لها عبق الحياة من جديد، ويتركز في أسفل القلعة مسجد عثماني الطراز بني في عهد السلطان سليمان القانوني الأول، ويعود تاريخه إلى القرن الـ16. وبحسب لوحة رخامية مثبتة على أحد جدران المسجد الذي يطلق عليه اسم مسجد التوحيد؛ فإنه بني بأمر السلطان العثماني سليمان القانوني ليكون مع الخان محطة للمسافرين على طريق الحجاج، بين استنبول والحجاز، وذلك في أوائل القرن العاشر 16م، وتم اختيار موقع المسجد في منطقة وسط بين الخان والقلعة، حتى لا تنقطع الصلاة، ووضع مخطط البناء سنان باشا على الطراز العثماني، وأشرف على بنائه حينها والي حماة "محمد آغا قزلار"، وتعرضت بعض أقسامه للإهمال والتخريب بعد الحرب العالمية الأولى والـ"سفر برلك" ورممته دائرة الآثار عام 1979.
كما بنيت في الفترة ذاتها مدرسة، وكذلك خان يقع جنوب القرية كان يُستخدم في الأصل للحجاج المسافرين على الطريق من إسطنبول إلى مكة، أما اليوم فقد تحول إلى متحف.
وهكذا تبقى قلعة المضيق أكثر من مجرد معلم أثري؛ إنها سجلّ حيّ يختزن في حجارتها آثار أفاميا القديمة، وأصداء الصراع بين الصليبيين والأيوبيين، وملامح العمارة الإسلامية والعثمانية، وصولًا إلى حاضرها البسيط. إنها بحقّ أكروبول أفاميا وحارسها الأبدي.