تشارلز بابيج؟!

رائد الإصلاح العلمي الذي لُقب بـ"أبو الكومبيوتر"

د. همدان دماج


حاول أن يمشي على الماء في طفولته، وناضل من أجل أن يطور مفاهيم العمل والتعليم في بريطانيا في القرن التاسع عشر، ومات حزيناً حين لم يستطع إكمال بناء آلاته الحاسبة الطموحة، والتي شكلت، منذ وقت مبكر، اللبنات الأولى لأهم الاختراعات الإنسانية المعاصرة: الكومبيوتر.
 

إن محاولة توصيف العاِلم والرياضي الإنجليزي تشارلز بابيج (Charles Babbage) صعبة للغاية؛ ذلك أنه على الرغم من شهرته بكونه "أبو الكومبيوتر" (Father of Computer)، وما تحمله هذه الصفة من أهمية كبيرة في عالم اليوم، إلا أنه كان أيضاً فيلسوفاً، واقتصادياً، ومصلحاً تعليمياً وسياسياً مرموقاً.

كان بابيج نموذجاً للعالِم المتعدد المواهب الذي سبق عصره، فأفكاره الطموحة في الحوسبة مثلاً لم يُتَح لها أن تتحول إلى واقع ملموس؛ ليس لأنها لم تكن قابلة للتطبيق، بل لأن العلم، والتقنيات في شتى الحقول الهندسية في القرن التاسع عشر، لم تكن قد وصلت إلى المستوى الذي يمكن أن يساعد هذه الأفكار على النجاح. أضف إلى ذلك أن معظم أفكاره الإصلاحية في مجال العلم والاقتصاد لم يُلتفت إليها تماماً إلا بعد مرور أكثر من مائة عام على وفاته، إذ قوبلت حينها بالمعارضة والتجاهل من قبل السياسيين والطبقات الحاكمة.
وبسبب محاولاته الدؤوبة لاستخدام الرياضيات البحتة في الاكتشافات والاختراعات التي واكبت الثورة الصناعية، أصبح بابيج من أهم من ساهموا في انتقال المجتمع البريطاني الزراعي إلى عالم التصنيع والتجارة العالمية، ومن جعلوا العلوم التطبيقية ضمن اهتمامات المجتمع البريطاني، وفي قلب العملية التعليمية، حتى أصبح استخدام الرياضيات اليوم في تصاميم وإنتاج الاختراعات الحديثة أمراً أساسياً، من الكومبيوترات والهواتف الذكية والسيارات إلى الآلات الطبية والطائرات والأقمار الصناعية.
وعلى الرغم من كل هذا، كان إنجازه الأكثر أهمية، والذي سيرتبط باسمه لقرون كثيرة، هو أنه كان أول من حاول، قبل أكثر من قرنين من الزمن، أن يصنع آلات حاسبة ميكانيكية بمفاهيم حوسبية متقدمة، شكلت اللبنات الأولى لعلم الكومبيوتر كما نعرفه اليوم.


 نشأته

ولد تشارلز بابيج في لندن، في 26 ديسمبر 1791. في الثامنة من عمره كادت الحمى أن تفتك به؛ مما اضطر أسرته إلى أن تعيده من المدرسة التي كان قد أُرسل إليها إلى المنزل، ليبدأ دراسته المنزلية على يد مدرسين خصوصيين. التحق في السابعة عشرة بأكاديمية "هولمود" في شمال لندن، وفي مكتبتها بدأ عشقه للعلوم والرياضيات، وبدأ نبوغه وحبه للاختراعات في الظهور؛ ففي ذلك العمر حاول صناعة آلة تمكنه من المشي فوق الماء، وكاد أن يغرق وهو يختبر فاعليتها(1).

في 1810 التحق بابيج بكلية "ترينيتي" بجامعة كامبريدج. ولأنه كان قد سبق له أن درس بنفسه بعضاً من الرياضيات المعاصرة، شعر بخيبة أمل من المستوى التعليمي للرياضيات وطرق تدريسها في الجامعة، فقام مع أصدقائه بتأسيس "الجمعية التحليلية" (Analytical Society)، التي كانت تعنى باكتشاف مشاكل الرياضيات وفهم التطورات العلمية في أوروبا للاستفادة منها وتطبيقها في بريطانيا. بعد فترة قصيرة أصبح أبرع طالب رياضيات في الجامعة؛ لكنه رغم ذلك لم يتخرج مع مرتبة الشرف، بل حصل عام 1814 على شهادته بدون امتحانات.

خلال فترة الدراسة الجامعية تأسست مفاهيمه الخاصة حول السياسة والليبرالية والإصلاح الاجتماعي والعلمي. كما تمكن، خلال هذه الفترة من الاطلاع على الإسهامات العلمية المتقدمة للدول الأوروبية، وخاصة فرنسا وألمانيا. وكان يـحزّ في نفسه تخلف بريطانيا في هذا المضمار.

◄ حياته المهنية

بعد الانتهاء من الدراسة، انتقل بابيج للعيش في لندن، وهناك، وبسبب شهرته وما أحرزه من تقدم في العلوم، قام بإلقاء محاضرات في الفلك بـ"المعهد الملكي". ولم يمض وقت طويل حتى انخرط في المجتمع العلمي اللندني. وتم انتخابه في عام 1816 زميلاً في "الجمعية الملكية" (Royal Society)، التي تعتبر أهم هيئة علمية في بريطانيا منذ القرن السابع عشر؛ لكنه لسنوات لم يكن موفقاً في الحصول على وظائف أكاديمية.

في عام 1819، قام بابيج، مع صديقه عالم الرياضيات والفلك جون هرشيل، بزيارة باريس، وهناك التقيا بكبار علماء الرياضيات والفيزيائيين الفرنسيين، وعاد من زيارته تلك بأفكار جديدة حول أهمية الإصلاح في المؤسسات العلمية والتعليمية البريطانية، خاصة بعد أن انبهر بفكرة المدارس التقنية (Ecoles Polytechniques)، والمعاهد والكليات الخاصة التي تقوم بتأهيل حرفيين ماهرين، من مختلف الطبقات الاجتماعية، والذين انخرطوا في قلب الصناعات الجديدة في فرنسا آنذاك، حيث لم يكن هذا النوع من المدارس معروفاً في بريطانيا، فقد كان نظام التعليم فيها منحصراً على أبناء ذوي الامتيازات، الذين لم يكونوا يحصلون إلا على نزر يسير جداً من التعليم العلمي.

بعد سنوات من زيارته إلى فرنسا، قام مع زوجته، عام 1823، وعلى نفقته الخاصة، بزيارة عدد من المصانع في إنجلترا واسكتلندا، في محاولة لفهم آلية عملها اليومية، وإمكانية استخدام التقنيات الحديثة لحل مشاكلها. وفي عام 1825 نشر، مع هيرشيل، أبحاثاً في الديناميكا الكهربائية، استفاد منها وطورها لاحقاً العالم الشهير مايكل فاراداي.

 الثورة الفرنسية ورحلته الأوروبية

في نهاية القرن الثامن عشر كانت بريطانيا، كغيرها من الدول الكبرى، تتغير، وبدأت الاختراعات الحديثة ترسم معالم الحياة الجديدة، فقد تغير نظام الإنتاج ونمط أعمال الإنسان. كانت استفادة رجال الأعمال كبيرة جداً، فالعمالة كانت رخيصة، والضرائب في حدها الأدنى، وأصبحت السكك الحديدية وسيلة أساسية لنقل وتوزيع البضائع، وسرعان ما انتعشت الرأسمالية وازداد عدد السكان بسبب التقدم الذي أحرزه الطب في إنقاذ حياة الملايين من الأطفال وزيادة معدلات الأعمار.

كانت الثورة الفرنسية عاملاً أساسياً في هذا التغيير، وهي الثورة التي انقسم حولها المجتمع البريطاني بين مؤيد ومعارض. كان بابيج من المؤيدين للثورة الفرنسية والأفكار التي استند إليها قادتها الأوائل، رغم استنكاره للعنف الثوري الذي رافقها، وكان قبل هذا وذاك من مؤيدي الرأسمالية الجديدة ومجتمع التصنيع، ومن المؤمنين بأن الحرية ستعزز من ازدهارهما.

بعد وفاة والده عام 1827، ورث بابيج ثروة كبيرة، بلغت ما قيمته اليوم 8 ملايين جنيه استرليني، مما حقق له استقلالية مالية كبيرة. لكن في العام نفسه توفي أحد أبنائه، ثم بعد أشهر قليلة توفيت زوجته. كل ذلك كان له أثرٌ بالغٌ في حياة بابيج، وأصابه بالاكتئاب، فقرر أن يقوم برحلة علمية في أوروبا للاطلاع على التطورات الصناعية والتكنولوجية التي كانت تشهدها بعض الدول الأوروبية، ولاسيما ألمانيا وهولندا والنمسا وفرنسا وإيطاليا.

خلال رحلته الأوروبية تمكن بابيج من زيارة عشرات المصانع، وقابل العديد من العلماء والمخترعين والمهندسين، وناقش معهم المشاكل العملية التي تواجه الصناعة في أوروبا، وكيفية تحسين جودة الإنتاج والتوسع في الأسواق وزيادة الاستهلاك عن طريق استخدام الآلات الحديثة، ورفع مهارات العمال في المصانع.

أصبح بعد رحلته تلك على يقين تام بأهمية استخدام الآلات في النهضة الصناعية والإنسانية عموماً، رغم ما كان ينطوي عليه هذا من إجحاف بحق العمال. فاستخدام الآلات، من وجهة نظره، كان هو السبيل الوحيد لزيادة الإنتاج، وبالتالي انخفاض أسعار المنتجات، وتوفرها لعدد كبير من المستهلكين من مختلف الشرائح الاجتماعية، وفي نطاق جغرافي أوسع، إضافةً إلى ما سيترتب على ذلك من ازدياد رقعة العمل وخفض مستوى البطالة. آمن بابيج أيضاً بأن تطبيق الاكتشافات العلمية في الصناعة لا بد وأن يكون في قلب عملية التطور الصناعي، وأن بريطانيا كانت آنذاك تفقد زمام اللحاق بأوروبا ومواكبة تطوراتها الصناعية، خاصة ألمانيا وفرنسا، وأنه لا بد من القيام بشيء ما حيال هذا الأمر.

في أبريل 1828 قطع بابيج رحلته الأوروبية عندما بلغه خبر إنصافه أخيراً وتعيينه أستاذاً في جامعة كامبريدج، فعاد إلى بريطانيا ليمارس عمله في الجامعة.

◄ إصلاح التعليم

كان بابيج يملك رؤية فطرية واضحة للأشياء، وعقلاً نقدياً بامتياز، وهو ما مكنه من رؤية القصور الذي ينطوي عليه كل ما كان يقوم بدراسته وتحليله، فقد كان مغرماً بوضع حلولٍ ترفع من مستوى كفاءة الأشياء وتطورها. كما لم يكن له أي ميول للتعصب الديني أو القومي، وهو ما ساعده على تقدير إنجازات الآخرين ومحاولة الاستفادة منها. فعلى سبيل المثال، بينما كان يُنظر في بريطانيا إلى كل ما هو فرنسي بعين الريبة، كان بابيج يدرك مكامن التفوق في النظام المتري المستخدم في فرنسا حينه، إذ وجده أكثر منطقية وملاءمة لقياس ووزن الأشياء، وحاول جاهداً أن يتم تبنيه في بريطانيا، لكنه فشل، وكان على بريطانيا أن تنتظر مائة عام حتى يتم اعتماد النظام المتري فيها.

في عام 1830، كتب بابيج كتاباً مهماً بعنوان "خواطر حول انحدار العلوم في إنجلترا، وبعض أسبابه"(2)، بيّنَ فيه حجم الركود العلمي الذي أصاب المجتمع الإنجليزي منذ موت نيوتن عام 1727، مشيراً إلى أن ذلك كان نتاج انعدام الاهتمام المجتمعي بالعلوم، وغياب مفكرين عظام قادرين على تحقيق إنجازات علمية كبيرة. كما لام فيه بشدة "الجمعية الملكية" التي تدهورت في عصره وأصبحت نادياً للأرستقراطيين أكثر من كونها مجمعاً فكرياً للعلماء، حسب رأيه، ولم تعد لها إسهامات بارزة في الاكتشافات والاختراعات العلمية.

انتقد بابيج أيضاً النظام التعليمي في إنجلترا، وطرق التدريس في المدارس والجامعات، ولامبالاة الأغنياء وصنّاع القرار بالعلوم، منوهاً بتجارب الدول الأوروبية التي ربطت بوضوح بين العلماء والمفكرين وبين الاختراعات العملية في الصناعات المختلفة، مقدماً العديد من الاقتراحات العلمية لإصلاح المؤسسات التعليمية وتغيير مناهج الدراسة.

 في اقتصاد الآلات والتصنيع

في 1832 نشر بابيج أفكاره المتعلقة بالتجارة والصناعة في كتابه المعنون: "في اقتصاد الآلات والتصنيع"(3)، وهو الكتاب الذي عكس موهبته الفريدة في الجمع بين العلوم التطبيقية وفهم الإشكالات العملية للصناعة. كان الكتاب نتاجاً لمئات الزيارات التي قام بها للمصانع في بريطانيا وأوروبا، وبيعت بسرعة جميع نسخه، كما تم خلال عام ترجمته إلى الألمانية والفرنسية والإيطالية، وأعيد طبعه أربع مرات. تضمن الكتاب أيضاً أفكاراً حول الاقتصاد السياسي والتصميم الرشيد في المصانع، وتقاسم الأرباح.
ورغم أن ما دعا إليه الكتاب من أهمية تطبيق العلوم والتكنولوجيا في حل المشاكل الصناعية تم تجاهله تماماً على المستوى العملي، إلا أن مجمل آرائه كان لها أثر كبير على عدد من مفكري الاقتصاد السياسي، أمثال جورج سكروب، وكارل ماركس، الذي استخدم أفكار بابيج وطورها في ما يخص مفهوم التجارة وإنتاجية نظام المصانع المعتمدة على تقسيم العمل بين العمال والآلات.

◄ بابيج السياسي

قرر بابيج خوض غمار الانتخابات البرلمانية، ورشح نفسه في دائرة "فينزبري" شمال لندن مرتين، الأولى عام 1832 والثانية عام 1834. جاء قراره بعد صدور قانون الإصلاح العظيم (Great Reform Act) عام 1832، الذي وسَّع رقعة الناخبين من الذكور لتشمل كل الراشدين الذين يدفعون إيجاراً قيمته 10 جنيهات أو أكثر، كما أقرَّ إجراء تغييرات في حجم وشكل الدوائر الانتخابية، وهو ما نتج عنه مشاركة أوسع للطبقة الوسطى وطبقة المستأجرين، التي كانت تنمو بشكل كبير في المدن. كان بابيج من دعاة هذه الإصلاحات؛ لكنه لم يفز في أيٍّ من الانتخابات.

 في اللاهوت الطبيعي

نشأ بابيج في بيئة بروتستانتية محافظة، وظل حتى آخر أيامه متديناً. في عام 1837، نشر، مع عدد من المؤلفين، أطروحة بعنوان: "عن قوة الله، وحكمته وخيره، كما تتجلى في مخلوقاته"(4). في هذا العمل أكد أن الله يملك القدرة الكلية والبصيرة على الخلق كمشرّع إلهي، متناولاً الآراء المختلفة التي تفسر العلاقة بين العلم والدين، موضحاً أنه لا يوجد تصادم بين نصوص الكتاب المقدس والحقائق الطبيعية، وأن قراءة النصوص لا ينبغي أن تكون حرفياً من الناحية العلمية".
في كتاب سيرته الذاتية "محطات في حياة فيلسوف"(5)، أوضح بابيج أن قدرة الإنسان على الملاحظة تقع ضمن حدود ضيقة جداً، وأن "القيمة الحقيقية للدين المسيحي لا تكمن في اللاهوت التأملي (Speculative Theology)، بل في مبادئ العطف والخير، التي يدعو إليها الدين ويفرضها، ليس فقط من أجل صالح الإنسان وحسب، بل وكل مخلوق عرضة للألم أو السعادة".

◄ أبو الكومبيوتر

على الرغم من أن بابيج كان له عدد من الاختراعات التقنية التي نجحت، وما يزال بعضها يستخدم حتى الآن، مثل نظام الإشارات للفنارات، ونظام توزيع البريد؛ إلا أن إسهامه الأهم كان في تلك الاختراعات التي لم تكتمل، ألا وهي بناء الآلات الحاسبة بمفاهيم حوسبية متقدمة ساهمت في وضع اللبنات الأولى لعلم الكومبيوتر الحديث.

بدأ الأمر عندما استطاع بابيج أن يقنع الحكومة البريطانية بتبني مشروعه في بناء آلة حاسبة قادرة على إنتاج جداول رياضية خالية من الأخطاء، وفي أقل وقت ممكن، فقد كانت عملية إنتاج هذه الجداول يدوية ومعقدة للغاية، وتستغرق وقتاً طويلاً، وكانت الحكومة تعتمد على هذه الجداول في حسابات نفقاتها وضرائبها، وتسيير تجارتها البحرية، وكان ينتج عن الأخطاء في هذه الجداول خسائر كبيرة قدرها بابيج بملايين الجنيهات آنذاك.

وعلى الرغم من وجود عدد من المحاولات التي سبقت بابيج في بناء آلات حاسبة في ذلك الوقت، إلا أن بابيج أكثر طموحاً، وكانت الآلات الحاسبة التي أراد تطويرها أكثر دقة، وقادرة على تنفيذ عمليات حسابية، وحل معادلات رياضية أكثر تعقيداً، وبشكل أتوماتيكي وسريع – وهي الآلات التي ستصبح شغله الشاغل طيلة حياته.

بدأ بابيج العمل في تصاميم هذه الآلات منذ عام 1821، وكان في البدء يقوم بصناعة أجزائها المعدنية وتروسها بنفسه؛ لكن عندما تطورت الآلات وأصبحت أكثر تعقيداً اضطر إلى الاستعانة بحرفيين وخبراء. ولأنه كان يخاف أن تُسرق أفكاره، فقد كان يقوم بإرسال تصاميمه إلى مهندسين وفنيين مختلفين، ثم يقوم بنفسه بتجميع القطع المختلفة وتشغيلها.

◄ آلة الفرق

في 1822 تمكن بابيج من امتلاك نموذج مكتمل من الآلة التي أرادها، وحصل على أول منحة مالية من الحكومة البريطانية مكنته من توظيف حرفيين يساعدونه في بناء الآلة. كان سعيداً بحصوله على المنحة، ولم يكن يعلم أنه سيقضي بقية عمره في تطوير هذه الآلة وتحسين أدائها، وأنه سيموت قبل أن يتمكن من إكمال بناء أيٍّ من إصداراتها المتعددة.
قام بابيج بتسمية هذه الآلة بـ"آلة الفرق" (Difference Engine)، والتي استعان في صناعتها بحرفيين ماهرين شكل عملهم في بنائها قفزةً حقيقية في عالم هندسة الأدوات الدقيقة التي استخدمت في صناعة آلات الإنتاج المختلفة في بريطانيا في ذلك الوقت. غير أن العمل في تطوير هذه الآلة توقف عام 1833، وكان مرد هذا لأسباب كثيرة، منها: ارتفاع التكلفة المالية للمشروع، وخلافات بابيج مع المهندسين من جهة، ومع الحكومة البريطانية، التي فقدت اهتمامها بإنجاز الآلة، من جهة أخرى. هذا إلى جانب انعدام التقنيات الخاصة في ذلك الوقت لصناعة بعض القطع المهمة التي كانت محركات الآلة تحتاجها.

◄ الآلة التحليلية

في عام 1834، أعلن بابيج رغبته في بناء ما يمكن أن نعتبره أول حاسب آلي قابل للبرمجة، سمَّاه "الآلة التحليلية" (Analytical Engine). لم تكن هذه الآلة الجديدة، التي بسببها اكتسب بابيج لقب "أبو الكومبيوتر"، مجرد آلة حسابية، بل كانت متعددة الوظائف، وتبنت مفاهيمَ حوسبية تشبه المفاهيم التي يستخدمها الكومبيوتر الحديث، فقد كانت قابلة للبرمجة عن طريق استخدام البطاقات المثقبة (Punched Cards) في إدخال البيانات والأوامر، كما كانت قادرة على القيام بأكثر من عملية حسابية في الوقت نفسه، وكان لها ذاكرة لتخزين النتائج واستخدامها لاحقاً في العمليات الحسابية التي يمكن تكرارها لعدد غير محدود من المرات.

 كانت هذه الأفكار متقدمة جداً في ذلك الوقت، وهو ما لم يكن متوقعاً تحقيقها بواسطة آلة ميكانيكية. غير أن المفاهيم التي حاول بابيج تطبيقها في "الآلة التحليلية" شكلت نقلة نوعية في علم الكومبيوتر، وكان على الإنسانية أن تنتظر مائة عام على الأقل لتطبيق هذه المفاهيم، وظهور الكومبيوتر الإلكتروني كما نعرفه اليوم.

◄ صراع مع الحكومة

لم يتمكن بابيج من إكمال بناء "الآلة التحليلية" خلال حياته، وكان لهذا الأمر تأثيرٌ كبير على معنوياته، وشعر بالإحباط والحزن والهزيمة، خاصة عندما رفضت الحكومة الاستمرار في تمويل بناء آلاته التي وجدتها طموحة أكثر من اللازم، ومكلفة وغير قابلة للتطبيق. في لقاء عاصف حاول بابيج أن يقنع رئيس الوزراء حينها، روبرت بيل (Robert Peel)، بأن من المفيد والأوفر أن يتم بناء آلة جديدة متطورة بدلاً من تعديل الآلة الأولى. لكن رئيس الوزراء، الذي لم يكن متحمساً لمشاريع بابيج منذ البداية، رفض طلبه، معلقاً بسخرية: "إن آلة بابيج ستُستخدم لحساب الوقت الضائع في صناعتها". وكنوع من التعويض المعنوي والمراضاة عرض بيل على البرلمان أن يمنح بابيج رتبة البارونية تقديراً لجهوده؛ لكن بابيج رفض ذلك، مكرراً مطالبته بتمويل المشروع بدلاً من ذلك.

منذ ذلك الحين اضطر بابيج أن يمول مشاريعه من حسابه الخاص، مستعيناً بتشجيع الكثيرين ممن آمنوا بأفكاره ونجاحه، ومنهم والدته التي كتبت له رسالة حثته فيها على الاستمرار في بناء الآلة، قائلة له: "ولدي العزيز، لقد قطعتَ شوطاً كبيراً، وأنت قادر على إكمالها، لهذا استمر حتى لو اضطررت أن تعيش على قليل من الخبز"(6).

التقى بابيج خلال هذه الفترة بالشابة "آدا لافليس" (Ada Lovelace)، ابنة الشاعر الإنجليزي "لورد بايرون"، والتي ستُعرف لاحقاً بكونها أول مبرمجة كومبيوتر في التاريخ. أظهرت آدا اهتماماً كبيراً بالآلة التحليلية، فقامت بترجمة أبحاث عنها من الإيطالية إلى الإنجليزية، مضيفة لها الكثير من التعليقات وبعض الخوارزميات لتشغيلها. لم تتوقف آدا عند هذا الحد، بل أظهرت أن الآلة يمكن أن تتعامل مع الرموز إلى جانب الأرقام، وأنها قادرة على تأليف مقطوعات موسيقية علمية وموسعة بأي درجة من التعقيد أو المدى". لقد مثلت فكرة وجود آلة يمكنها أن تتعامل مع كيانات غير كمية، مثل تعاملها مع الأرقام الانتقال الأساسي من مفهوم الحساب إلى مفهوم الحوسبة، وكانت آدا هي أول من عبّر بوضوح عن هذه الفكرة، التي استلهمتها من الآلة التحليلية، وقدراتها المختلفة التي اعترف بابيج بنفسه بعدم معرفة بعضها.

قبيل وفاته بقليل تمكن بابيج من تصنيع جزء من الآلة عام 1871، كما قام ابنه هنري ببناء جزء آخر سنة 1910، وكان هذان الجزءان كافيين لإظهار مبدأ عمل الآلة، التي لو قدر لها أن تكتمل لكانت بارتفاع خمسة أمتار وعرض ستة أمتار، ولكانت احتوت على آلاف القطع المعدنية المتحركة بوزن عدد من الأطنان.
 

◄ دماغ في المتحف

قضى بابيج سنواته الأخيرة وحيداً ومكتئباً، رافضاً كل الألقاب التقديرية التي كانت تمنح له من قبل الحكومة، التي شعر أنها خذلته؛ لكنه لم يتوقف أبداً عن العمل على تطوير آلاته الحاسبة حتى آخر أيام حياته. في 18 أكتوبر 1871 توفي بابيج في لندن، عن ثمانين عاماً.
واعترافاً بعبقريته وتقديراً له تم الاحتفاظ بنصف دماغه لدى متحف هنتيريان في الكلية الملكية للجراحين في لندن، والنصف الآخر عُرض في متحف العلوم بلندن، فقد كان من المتبع خلال القرن التاسع عشر الاحتفاظ بأدمغة العلماء والعباقرة، لدراسة العلاقة بين الدماغ والوعي.

◄ اسم فوهة على القمر

لقد استطاع بابيج أن يترك تأثيراً كبيراً في معظم المجالات العلمية والفكرية والسياسية التي اشتغل عليها. وكم كان سيشعر بالسعادة لو أنه عرف أن كل سنوات جهده العلمي والفكري لم تذهب سدى، وأن التطور العلمي والتكنولوجي الهائل الذي شهدته الإنسانية بعد أكثر من قرن من موته اعتمد في مواضع كثيرة جداً على أفكاره الإصلاحية واختراعاته العلمية! كم كان سيشعر بالسعادة لو أنه عرف أن آلاته الحاسبة بمفاهيمها الحوسبية ستشكل الأسس الأولى لاختراع أهم جهاز عرفه الإنسان في تاريخه المعاصر، ألا وهو جهاز الكومبيوتر! وبالتأكيد كم كان سيغمره الافتخار لو عرف أن اسمه سيطلق على إحدى فوهات القطب الشمالي للقمر!

في غمرة استيائه من عدم تقدير عمله في الآلة التحليلية، كتب بابيج قائلاً: "عصر آخر لا بد أن يكون هو الحكَم على إنجازاتي". وكان محقاً في ذلك، فبعد أكثر من مائة عام على رحيله تم الاعتراف به كأحد أهم رواد الهندسة الميكانيكية. وإذا كان من الصعب إطلاق صفة "أبو الكومبيوتر" على عالـِم بعينه، لكون الكومبيوتر كاختراع ساهم فيه عدد كبير من العلماء، وفي فترات زمنية متوازية، إلا أن بابيج من بين عشرات عباقرة الكومبيوتر، كان هو الوحيد الذي انفرد بجدارة بهذه الصفة العظيمة، واستحقها دون منازع.


:: الهوامش ::
(1)  .Neil Champion, “Charles Babbage”, Groundbreakers, Heinemann Library, 2000
(2)  .Charles Babbage, “Reflections on the Decline of Science in England, and on Some of Its Causes”, B. Fellowes, London 1830
(3)  .Charles Babbage; “On the Economy Of machinery and manufactures”, fourth edition, John Murray, London 1846
(4)  .Chalmers, Whewell, Babbage, et al, "The Bridgewater Treatises On the Power Wisdom and Goodness of God As Manifested in the Creation", Set: 9 vols. 13, John Murray / Pickering, 1837
(5)  .Charles Babbage, "Passages from the Life of a Philosopher", London: Longman, Roberts & Green, pp. 488,1864
(6)  .Lucy May Simister, “Charles Babbage from the Beginning”, Moorside Publications, April 2015

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها