أنا مسكون بالرحيل، بفعل السقوط في قطرات المطر، بانهمار دموع الفراق من عيون العاشقين، بالاندماج في المناديل السود لأم الشهيد، بآخر كلمة من أغنية الحب، وبكلمات الوداع. لا أطيق السكون، ولا أحب انتظار الأيام السّعيدة، أفضل الموت على حياة لا تأتي، وأفرح بالحلم المتكثف أكثر من واقع هش.
أشتهي فوات الأوان، ولا أطيق منتصف الوقت، لا شيء يدفعني لأمل كاذب، ولا يخيفني إلا الجمود.
فليمضِ الوقت، ولتفنى الذّكريات، كلنا راحلون، وإلى النهاية سائرون، فلمَ ننظر إلى الخلف، ونتصنع أننا أحياء؟!
رهبة الأشياء هي العبودية للإنجاز، وسجن الأجسام هو توق الغد القادم بدل الرحيل إليه.
ما أجملَ طريق السفر، وما أحلى رياح الحرية، وانحدار الغيوم، وسقطات النّجوم، وأذيال الشهب، وهي تسعى ببساطة الجواهر من منطلق ذائب إلى مستقر أبدي.
هذه هي جماليات الرحلة، وركوب الأهوال، والابتعاد عن الخشية بامتطاء الطريق، ولو كان بلا أمل.
حين تنتعل جروحك أوعية لخياطة المستحيل، يغدو الواقع مسخاً، وأنت بلا أصنام، حراً كطفل في الثالثة من عمره، لا يأبه بثنايا الكبر، وخوف التدرج المهني، والخطط الدرسية، والترقي الوظيفي، ومزايا الانتهازية، واعتلاء المناصب، والتقاعد المريح.
كل شيء في هذه الدنيا آت من اختلاف زوايا النظر، ووجهات الالتقاء، وكل التقاطعات تحدث لمرة واحدة في الاتجاه عينه، وبعد ذلك تفقد ألقها، ولو عاكست الاتجاه فأنها تذوي كوردة داستها كل ليالي الشموس الباردة.
هل ستصل أيها المسافر إلى نهاية الرحلة؟
ليس هذا هو السؤال الصحيح، بل هل لديك رحلة في اتجاه القلب، وهل تملك مؤونة السفر، والقدرة على مغادرة كل أولئك القاعدين، ولو كانوا أحباباً.
ما قيمة الرحيل إن لم تغادر حبيباً في أوله، وتخاصم صديقاً في منتصفه، وتفنى عند أعتاب المشتهى في آخره؟
ما قيمة الدُّنيا كلها بلا امتطاء حقيبة سفرك، وتقليب صفحات كتابك، وتمزيق أشرعة سفنك في مهب رياح الجمر والرماد، وأن تشهدَ اختلاف البحارة، وسقوط الرّبان، واندثار الأوهام على قارعة مفارق الياسمين، وأطباق القرنفل والزنبق؟!
تكاد الحياة ذاتها، أن تكون هروباً من خيبة النظرة الأولى، والحب المستحيل، وامتزاج الصدف، ولحظات الولادة غير المنتظرة، وإجهاض الرغبات، لنجد أنفسنا كلنا بلا أمل، وبلا مستقبل.
وحده الطريق يصنع شيئاً له قيمة، وحدها الخطوات ترسم الدروب، وحدها الأغاني تحفظ الهُويات، وحدها الغربة ترعى قيمة الأوطان الضائعة، والمستحيلات الميتة.
ها هنا عند القبور، تنتفض الحيوات في أرواح الأمم المبتلية بالسبات، وكلما تجمدنا في أروقة الضلال والكذب، بحثنا عن رحيل آخر.
ها هي العيون الشائهة، والقلوب الشائخة تمسك بأعنّة الخيول الهرمة، وتتلحف بصرخات المهزومين.
وحده المضي إلى شيء ما ولو كان وهماً يصنع الحقيقة، وليس القبول بالأمر الواقع الذي أثقلنا، ودمَّر ذلك الرضا الذي رغبناه، وتلك السكينة في جلسات الأهل، تحت ظل النجوم، في تلك الثمانينيات المنسية، في حزيران آخر، لا زال يعرف طريقه إلينا كلما شاء.
الرحيل ليس خياراً، ولا اختياراً، هو قدر منسي، هو لقيا الضوء المخبأ تحت عروش ممالكنا المندثرة تحت حور كرومنا، على أطراف الهضاب الخضر، وفوق الجبل المتصدع، وتحت طمي العاصي المتجفف، وأعماق بحيرة السن الصغير الغزير.
ها هي ذواتنا تبحثُ عن أجسادٍ بعدما فقدت شعورها بالحياة، هي تبحث عن مسجّى الرّيح فلا تجِد مأمناً، كلّ الزّوايا صارتْ مُربعاتٍ للسلاح الصدأ، وملجأً للخيانات بجموعها السالمة، المؤنثة والمذكرة.
لم ينجُ أطفالنا، ولم نبقَ نحن شباباً، ومع ذلك نصرُّ على البقاء الحيوي والمرموز!
أي جهل هذا يجعلنا نفضل انتظار طلوع القمر بعد خسوف الأمس، بدل صعود الريح للقاء لحظات النسيان فوق مروج المستقبل؟
لم يعد للخضرة معنى، بعد أن تحول سجادنا إلى مداس للغرباء، ومواضع ركوعنا وسجودنا إلى رغبة بالاستسلام.
يا أيها النائمون، والغارقون، والحالمون، والواهمون، لم يعد في أوراق روزنامة هذا العام والعام المقبل، وما تبقى من سنين إلا أوراق ثلاثة لا يصلح أيّا منها لكتابة موعد!
إن كان الغد لناظره قريباً، فلنعجل بالذهاب إليه، ففي هذا الشرق الحزين لم يبقَ إلا الفجر ما يستحق أن نسعى إليه، ورائحة البرتقال آخر عطورنا، وشيء من الماء قبل جفاف النبع الأخير.