عطفاً على تتبعي المتواتر للزاوية اليومية التي تكتبها الأستاذة عائشة سلطان في جريدة (البيان)، وصلت إلى قناعة راسخة بأنها تمتلك ناصية الكتابة السردية البوليفونية، من خلال مفرداتها القاموسية الصادحة بالمعاني والمغاني، وكذا الإحالات الـ"ميتافورية" المُركَّبة، بالإضافة إلى الاستطرادات الرشيقة على الإنشاء الوصفي والتعبيري. لكن هذه المقدمات كانت أقرب إلى رأس جبل الجليد في معادلة الكتابة الرائية، فالعربية دون غيرها من لغات العالم تتميز بما أسميه الخاصية الانشطارية، سواء لجهة توليد المعاني من المعاني، أو لمركزية الإضمار في معادلة البناء الكتابي، أو لتعددية المتطابقات، فالمترادفات في العربية يمكن تجييرها على المعنى الواحد العام، إلا أنها في ذات الوقت موازية لتعددية الخصال، فلا الأسد كالليث، ولا الهزبر كالقسْوَرة، ولهذا تعددت مُسميات الكائن الواحد بتعدد الخصال، فالحصان والأدهم والجواد والفرس هم ذات الكائن، وليسوا في ذات الوقت..
والشاهد على ذلك ما ذهب إليه ذلك الأعرابي الذي عاد إلى البادية من بغداد الرشيدية، بعد أن استمع إلى جمع من المتأدِّبين، وعندما سُئل: ماذا رأيت في بغداد الرشيد؟
قال: رأيت قوماً يتحدثون بكلامنا من كلامنا وليس من كلامنا! والحال فإن لغة الكلام مجازية ما ورائية حيناً.. سريالية خيالية حيناً آخر، وواقعية أيضاً.. غنائية ومنطقية في ذات الوقت. وأعتقد أن هذه العناصر سنجدها في أول مجموعة قصصية للساردة عائشة سلطان، ولعل البُعد الواقعي ميَّز زمنها السردي بجملة كتابية مقرونة بواقعية لا ضفاف لها، كما كان يقول الرائي الراحل الكبير روجيه جارودي، وكما ذهب المفكر الإيطالي أنطونيو جرامشي الذي كان يعتد بالمثقف الانتمائي العضوي المقيم في زمانه ومكانه دونما جفاء لدهر التحولات والمُغالبات والحيرة، حتى وإن حلق في طُوبى المِثال، وتقلبات الأيام.
المسافة السردية القصيرة التي قدمتها الرائية تشبه قارئها تماماً؛ لأنها لم تتطيَّر في مبالغات القول، بل انتصرت لدواعي الدراما الحكائية، وتعاملت بسخاء مع البنية الهيكلية.
تماهت ذاكرة الطفولة مع سكيك الفريج، وكان البحر الملون مصدراً للمشاهد والشواهد والروائح واللَّمعات الخاصة، فبدت المجموعة القصصية كما لو أنها سرد ذاتي لتجربة استرجاع وتنامٍ مع حكايات شجيَّة.
لا تقدم عائشة في هذه السردية مجرد حكايات، بل تقوم بتوشِيتها بما يشبه السيناريو السينمائي، بالإضافة إلى الاستغوار في عوالم الخبرة الوجودية التي سطّرها أهل الفريج.
واقعية عائشة تعيد إلى ذاكرتي النفس الواقعي الجديد عند رواد الإحياء النهضوي السردي في الإمارات، وفي المقدمة الأستاذ محمد المر، من خلال مساهماته السردية الواقعية الكاشفة لجزء هام من وقائع الحال في إمارات ما قبل النفط وبعد الغوص، بما في ذلك سؤال النماء العاصف الذي ترافق مع بناء المدن، ومنازلة التحولات المتسارعة التي كان لها كبير الأثر في الوجود الاجتماعي للبشر.
إذا ما وقفنا أمام بعض عناوين المجموعة على نحو اختزالي عابر، سنجد التالي في مقترحات الساردة:
طعم البرتقال: قصة تعبر عن ديالكتيك العلاقة بين القارئ والصحيفة، وكيف أن الصحيفة اليومية تمثل بياناً لواقع الحال في المجتمع والعالم، وعلى قاعدة الاختيارات لا الشمول، في ذات الوقت التي تنشأ فيه صلة سيكولوجية بين القارئ والصفحات، فإذا بالقصة الواقعية العابرة، تتحول إلى مناسبة لمكاشفة الدواخل الإنسانية، بوصفها التميمة المُحركة للنظر والمعرفة معاً.
البحيرة: حادث سقوط الطائرة تمنح الأهلين فرصة للإبحار في عوالم سيكولوجية تماهي بين الحضور الوجودي، والغياب الميتافيزيقي، فأهل الموتى لن يقر لهم قرار إلا إذا عرفوا مصير موتاهم، تماماً كما سطرته أساطير الإغريق القديمة، عندما قتل إله الحرب أخيل .. البطل الصنديد هكتور، فلم يهنأ بال لوالده وبقية أهله إلا بعد أن استعادوا جثته، ليحرقوه تكريماً له.
حقاً لقد بحث أهل البحيرة عن ذلك الغياب المخفي ليستبدلوه بغياب جلي يمنحهم الطمأنينة، وهذا ما حدث بالضبط.
خبز: رائحة الخبر هي إشارة المرور إلى طريق المطار السريالي المونتاجي، المُوشَّى بغيمة الأسرار البيضاء، وسر اللغة السديمية المفتونة بالطبيعة.
معروف: الباحث عن موتاه تتكشف له عن سر الغيمة، وبغض النظر عن التفاصيل؛ فإن لحظة حواره مع الغيمة العابرة للمكان والزمان تجلي له كُنهه الحقيقي؛ كي يستبدل الميثولوجيا باليقين البرهاني المُتخشِّب.
جريمة: هل فاطمة هي القاتلة أم أن خيال الناس يدفعهم إلى أقصى الفرضيات، بحيث يصبح معقول اللامعقول سمة أساسية في عوالم الأنام؟ لمحتُ مثل هذا المعنى في "قصة موت معلن" لجابرييل جارسيا ماركيز.
العطر: الأحلام مثل العطور الثمينة.. لا سقف لقيمتها.
خوف بارد.. سينما "طفِّي لصِّي" ... ظلام القاعة.. الانخطاف بالزمن الدرامي للسينما.. الطلاق الذي يعيد البطلة إلى الواقع الافتراضي.. سؤال فلسفي ووجودي عميق.
هذه بعض النماذج من أصل المجموعة، وهي في المحصلة تنتمي إلى عالم القص السهل بلغته الواقعية المُكاشِفة، بقدر التخييل المرتبط بالتذاهُن الدلالي مع القارئ اللبيب، والحقيقة أن الساردة عائشة سلطان تقدم لنا في هذا النموذج مشروع انزياح سردي نحو كتابة روائية بوليفونية، تتأسَّى بالتشبيك المعرفي الفني، والتراسل الجمالي الإبداعي.