مهرجـان ظفـار السينمائـي الدولي

تَجرِبةٌ فَتِيةٌ تَتَموْقَعُ في خَريطَةِ السِينمَا العُمَانِية

سامي الفطناسي

تَحْتَضِن سلطنة عُمان اليوم شبكة مُتنامية من المهرجانات السينمائية الإقليمية والدولية، ويُمَثِّل مهرجان ظفار السينمائي الدولي أَحْدَث حلقة في هذه السلسلة وأكثرها ارتباطاً بفكرة السياحة السينمائية. فهل يملك هذا المهرجان -حديث العهد- المقوّمات التي تسمح له أن يتجذّر وأن يكون محطّة راسخة، أم أنه لا يزال في طور اختبار هويته؟

قد يبدو من البديهي قبل الإجابة عن هذا السؤال أن نضع المهرجان في سياقه، فهو يندرج ضمن استراتيجية شاملة تَنْتَهِجُها الجمعيّة العُمانية للسينما لترسيخ السينما بوصفها صناعة وثقافة قائمة بذاتها، عبر توسيع رُقعة المهرجانات لتَشْمل مُحافظات عُمانية مُختلفة. فإلى جانب ظفار، تنظّم الجمعية مهرجان مسقط السينمائي الدولي، الأقدم في هذه الشبكة بتاريخ يمتد لأكثر من عشرين عاماً، ومهرجان الشرقية السينمائي الدولي بولاية صور، ومهرجان الباطنة السينمائي الدولي بالرستاق.

وهذا التفاوت العُمُرِي بين المهرجانات له دلالته، فبينما يملك مهرجان مسقط رصيداً تراكمياً من الشراكات والجمهور، لا يزال مهرجان ظفار في مرحلة بِناء هُويته وقاعدته الجماهيرية، وهو ما يجعل الحكم على نجاحه الفعلي مسألة تحتاج إلى انعقاد مزيد من الدورات قبل أن تخضع للقياس.

وقد بدأت هذه التجربة فعلياً حين شهدت مدينة صلالة، في الفترة من 8 إلى 11 سبتمبر 2024، أولى فعاليات المهرجان، التي احتضنها مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه، تحت رعاية صاحب السمو السيد مروان بن تركي آل سعيد محافظ ظفار. ومن بين قرابة 200 عمل تقدّم للمشاركة، وقع اختيار لجان الفرز على 41 فيلماً للتنافس، تَوَزّعت بين 22 فيلماً روائياً قصيراً، و19 فيلماً وثائقياً، شاركت فيها 18 دولة.

ومنذ تلك الانطلاقة، ظلت الجمعية العُمانية للسينما، المُنَظِّمة للمهرجان بالتعاون مع مكتب محافظة ظفار وعددٍ من الجهات الحكومية والخاصة، تصف أهدافه بأنها ترسيخ حضور السلطنة في الساحة السينمائية العربية والعالمية، ودعم المواهب المحلية، وخلق مساحة للتبادل المعرفي بين السينمائيين المخضرمين والأجيال الشابة عبر الندوات وَورش العمل. ويرتبط هذا الطموح بمحاولة توظيف طبيعة ظفار وتضاريسها وموروثها التاريخي لجذب صناعة الأفلام إلى المحافظة. غير أنّ هذا الخطاب الرسمي يظلّ، حتى الآن، الصوت الوحيد المُتاح لِتَقْيِيم التجربة؛ إذْ يعتمد التوثيق الإعلامي المُتوفّر بشكل شبه كامل على تصريحات القائمين عليه، دون مقابلتها بآراء مستقلة من مخرجين مشاركين أو نقاد سينمائيين خارج دائرة التنظيم. بحيث يرى، في هذا السّياق، رئيس الجمعية العُمانية للسينما ورئيس المهرجان: أنور بن خميس الرزيقي، أنّ ظفار تحمل إرثاً فنياً وثقافياً متجذراً، وأنّ المهرجان يمثّل امتداداً لذاكرة سينمائية قديمة تعود إلى دور عرض مثل "سينما الأحقاف"، و"سينما عُمان"، و"السينما الخضراء"، وهو ربط تاريخي مشروع، لكنه يبقى، شأنه شأن باقي الرؤية المُعلنة، مسألة تحتاج إلى مُؤشرات ملموسة لِتتحوّل من طموح إلى إنجاز موثّق.

ولعل أوضح مقياس مُتاحٍ حتى الآن لِتَتَبُّعِ مسار المهرجان هو أرقام دورته الثانية، التي تستضيفها صلالة في الفترة من 6 إلى 9 سبتمبر 2026، بالشراكة مع وزارة الثقافة والرياضة والشباب وبلدية ظفار، والذي يتزامن توقيت انعقاده مع موسم "خريف ظفار". فمن أصل 133 فيلماً تقدّمت للمشاركة، اختارت لجان المشاهدة 32 فيلماً من بين مشاركات ستّة عشر دولة: سلطنة عُمان، الإمارات، البحرين، السعودية، الكويت، العراق، فلسطين، مصر، المغرب، ليبيا، إيران، كوريا الجنوبية، إنجلترا، إسبانيا، روسيا، والبرتغال. يمكن أنْ نلاحظ في هذا السّياق أن هذا العدد (32 فيلماً) قريب جداً من عدد الدورة الأولى (41 فيلماً)، ممّا يشير إلى أنّ المهرجان يشهد في دورته الثانية مرحلة استقرار جُزِئي من حيث الكمّ، وأنّه لم يشهد تطوّراً، رغم اتّساع رُقعة الدول المشارِكة. 

وتتوزع الأفلام المعنيّة على أربع مسابقات: الروائية الدولية (13 فيلماً)، والروائية العُمانية (5 أفلام)، والوثائقية الدولية (6 أفلام)، والوثائقية العُمانية (8 أفلام)، تُمنح فيها جوائز لجنة التحكيم وجائزة تصويت الجمهور. وهي تقريباً الصيغة ذاتها التي شهدتها الدورة الأولى حين فاز الفيلم الوثائقي "شاي جعفر" بجائزة لجنة التحكيم.

وإلى جانب هذه المنافسات، سبق المهرجان تنظيم مُخيّم "وثّق" للأفلام الوثائقية، الذي أنتج خمسة أفلام تُشارك ثلاثة منها في الدورة الحالية، وهو ما يعدّ من أبرز الجوانب العملية الملموسة للمهرجان؛ إذْ يتجاوز الخطاب الترويجي إلى إنتاج فعلي قابل للقياس. ويُكمِّل هذا الجانبَ الإنتاجي برنامجٌ مُصاحِب يرفع شعار "كن جزءاً من الحدث"، يشمل ورش عمل في الإخراج وكتابة السيناريو والتصوير، وجلسة حوارية بعنوان "سيرة ومسيرة"، وجلسات نقاشية حول تحدّيات السينما المستقلة في المنطقة العربية، إضافة إلى عروض في مواقع سياحية وتاريخية بظفار. وضمن فعاليات هذه الدورة أيضاً، تم اختيار محمد بن علي النهاري، رئيس مجلس الفكر الثقافي العماني، ليكون "شخصية المهرجان" تقديراً لمسيرته في رعاية المبادرات الإبداعية.

هذا التنوع في الأنشطة يمنح المهرجان طابعاً تدريبياً وتفاعلياً يتجاوز مجرد العرض والمنافسة، وهو أحد نقاط قُوّتِه الفعلية إذا استمر وتوسّع في الدورات القادمة. ومع ذلك؛ فإنّ الاقرار بقُدرة المهرجان على التجذّر يستلزم، في الدورات المقبلة، تَتبُّع مُؤشّرات أكثرَ دقّةٍ تتجاوز الأرقام الإجمالية للأفلام المشاركة. ومن أبرز هذه المُؤشِّرات متابعة نسبة الأفلام العُمانية ضمن المسابقة ومدى تطور مستواها الفني مقارنةً بالدورة الأولى، وتقصّي حجم الجمهور المحلي الحقيقي إلى جانب التغطية الإعلامية المُستقلة التي لا تعتمد فقط على البيانات الرسمية، واستمرارية الشراكات مع جهات إنتاج أو توزيع خارجية، وقدرة المهرجان على جذب مخرجين ومنتجين يعودون للمشاركة في دورات لاحقة. فهذه المعايير هي التي سَتُحدِّدُ ما إذا كان مهرجان ظفار قادرٌ على بناء قاعدة راسخة.
 

وفي المحصلة؛ يُقدِّم مهرجان ظفار السينمائي الدولي نموذجاً واعداً لكنّه لا يزال قَيْد الاختبار، فبالرغم من برنامجه المتنوع وبالرغم من وجاهة ربطه بالسياحة والتراث المحلي إلاّ أنّ الحكم على نجاحه الفعلي، بغض النظر عمّا هو معلن، يستلزم متابعة عدّة دورات قادمة، قد تسمح مستقبلاً بعقد مقارنة أكثر جديّة مع تجربة مهرجان مسقط باعتباره المهرجان الأقدم والأكثر رسوخاً.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها