رمضان في قاهرة المماليك

أحمد عبدالرازق عبدالعزيز محمد

كان شهر رمضان ولا يزال له طبيعة خاصة في تاريخ مصر الإسلامية، وله تأثيره في حياة المصريين على اختلاف طبقاتهم، وقد كان الاحتفال يبدأ بموكب الرؤية (أي رؤية هلال رمضان)، الذي كان يضم القضاه والفقهاء والمحتسب، وكان يحاط بذلك الموكب الفوانيس والمشاعل والشموع الموقودة، وكانت أحياء القاهرة توقد الشموع والمباخر، وأحياناً كان ذلك الموكب يعادل المواكب السلطانية، وكانت الرؤيا تخطئ أحياناً، من ذلك عندما ثبتت رؤية الهلال قرب الظهر، ونادى القاضي الإمساك عن الطعام والصوم، فثارت عليه العامة بسبب إفطارهم لذلك اليوم، كما حدث 882ه/1477م، لذا فقد كان رؤية الهلال لها أهمية قصوى آنذاك1.

وقد رصد بعض الرحالة الأجانب ليالي رمضان في القاهرة، حيث أشاروا أن صيام المسلمين يستمر طوال الشهر، حيث يصوم المسلمون عن الطعام والشراب كل يوم منذ بزوغ الفجر وحتى مغيب الشمس، ولا يقربون نساءهم خلال النهار أيضاً؛ بالإضافة إلى أن محلات الطعام تظل أبوابها مفتوحة طوال ليالي شهر رمضان، كما وصفوا وسائل السرور عند المجتمع، ومنها دق الطبول والغناء طول الليل بالإضافة لكثرة الأنوار والمشاعل في الطرقات، والفوانيس المختلفة الأشكال والألوان، التي يحملها الكبار والصغار لدرجة أن من يشاهدهم يخيل إليه أن سعادة العالم خيمت عليهم2. وأضافوا من لا يستطيع مواصلة السهر، والاحتفال طوال الليل ينام، ويقوم قبل الفجر ليتناول الطعام الذي يعينه على مواصلة الصيام قاصدين بذلك السحور3. ويكون بعد منتصف الليل وقبل طلوع الفجر، وتختلف طريقة التعبير عنه باختلاف المدن، ففي طريقة التسحير بالجامع يقول المؤذنون تسحروا كلوا وأشربوا، بينما جرت العادة في القاهرة أن يطوف المسحراتي بالطبل على البيوت وهم يضربون عليها، أما أهل الإسكندرية فاعتادوا أن يكون التسحير بدق الأبواب على أصحاب البيوت والمناداة عليهم "قوموا كلوا" 4.

وفي جانب أخر ارتبطت بعض الأسواق ورواج البيع والشراء فيها بشهر رمضان، مثل سوق الشماعين وهو معمور المحلات بالشموع، وهي مفتوحة إلى نصف الليل ووصل الأمر لشراء البعض الشموع الضخمة، التي تستخدم في المواكب في شهر رمضان وقد تزن الواحدة عشرة أرطال، بالإضافة للشموع الضخمة التي يصل وزنها إلى ما يزيد على قنطار، فكانت تؤجر لكي تستخدم في موكب صلاة التراويح، وكان هذا الموكب يتجمع حول إحدى الشموع الضخمة، التي يجرها الأولاد على عجلات وكل منهم معه فانوسة وهم يغنون الأغاني الدينية5. أما سوق الحلاويين فكان يمتليء بكافة أصناف التماثيل السكرية على أشكال الخيول والسباع، وتعرف باسم العلاليق لأنها كانت تعلق بخيوط على أبواب المحلات، ويحرص المجتمع المصري باختلاف طبقاته على شرائها لأطفاله، وقد تمتليء أسواق مصر والقاهرة والأرياف بها6.

وأما عن مشاركة السلطان في الاحتفال بإحياء هذا الشهر المبارك، فقد كانت قراءة صحيح البخاري بالقلعة بالقصر الكبير من أهم المظاهر الرسميه لإحياء شهر رمضان في ذلك العصر، وقد جرت العادة أيام السلطان شعبان في عام 775ه، أن يبدأ بقراءة البخاري في أول يوم من شهر رمضان بين يدي السلطان، ويحضره طائفة من القضاة والفقهاء، ويشير المؤرخ ابن إياس أنه فعل ذلك "تبركاً لما وقع الغلاء بمصر"، وقد استمرت هذه العادة بعد ذلك7.

وتكرر الأمر بعد ذلك في عهد سلطنة المؤيد الذي أمر القضاة الأربعة، أن يصعدوا على القلعة يومي الأحد والأربعاء ويحضروا قراءة البخاري، 819ه8. وكان إذا تم ختم البخاري، وعادة ما يكون في الثلث الأخير من شهر رمضان حيث يحتفل السلطان بذلك في القلعة وترسل الخلع إلى القضاه والعلماء والفقهاء وتوزع الأموال عليهم "الصرر"9.

 وبذلك استطاع المصريون تحويل شهر رمضان من مناسبة دينية إلى مناسبة اجتماعية، تكثر فيه الأطعمة وتتنوع وتصنع فيه أنواعاً من الحلوى10. وكانت قائمة الطعام فيه محل اجتهاد الجميع الخاصة والعامة، ففي أول نهار من أيام الشهر يطلع الخليفة والقضاة الأربعة لتهنئة السلطان، ومعهم الوزير والمحتسب باللحم والخبز والدقيق والسكر والغنم والبقر، لعرضها على السلطان على العادة، وهو مزفوف على رؤوس الحمالين في إشارة من الوزير والمحتسب للسلطان، بأن استعداداتهما لشهر رمضان تمت على أكمل وجه، وهنا يخلع السلطان على الوزير والمحتسب في يوم مشهود11.

 وبعد أذان المغرب من كل يوم من أيام الشهر يعمل الشراب ثم يمد السماط السلطاني، فتأكل منه جميع الغلمان والحاشية وغيرهم ثم تشرع العامة والفقراء في نهبه12. وكانت القائمة الرمضانية في المؤسسات الاجتماعية والدينية تزدهر أكثر مما عليه، إذ تُصرف رواتب إضافية لأرباب الوظائف وطلبة العلم والأيتام، ولاسيما السكر لكثرة استهلاكه في هذا الشهر بسبب عمل الحلوى، ولم يقتصر أمر التوسعة في قائمة المؤسسات في رمضان على توزيع السكر، بل شمل أيضا توزيع الطعام المجهز والذي اشتمل على الخبز واللحم والأرز والعسل وحب الرمان وغيره، وكل ذلك "يُصرف في كل يوم من أيام شهر رمضان"13.

ليس هذا فحسب؛ ففي شهر رمضان كانت أسواق القاهرة والأقاليم تزدهر بهذه المناسبة، إذ كانت القاهرة بمنزلة معرض كبير لكل منتجات العالم المعروف آنذاك، وتحتفي الأسواق المصرية بشهر رمضان احتافاء لا مثيل له، وتزيد في استيراد أصناف الياميش والتوابل من بلاد الشام والهند، وكانت الأسواق لذلك تموج بروادها، وقد لاحظ بعض الرحالة الأجانب أن المطاعم والمطابخ في العاصمة، كانت تظل مفتوحة طوال الليل14. ومن ثم فقد كان من الطبيعي أن يعول الناس على أسواق الغذاء في وجبتي الفطور والسحور، أضف إلى ذلك ارتباط سوق الحلاويين بموسم شهر رمضان، إذ يمتلئ السوق بكافة أصناف التماثيل السكرية طوال الشهر، وكانت أسواق القاهرة والأقاليم تمتلئ بهذه الحلوى التي يحرص الناس على شرائها لأطفالهم وأقاربهم، علاوة على أنه كان من عادة الناس أن يشتروا الحلوى من التماثيل السكرية من تلك السوق، يهدونها إلى أقاربهم وأصهارهم في عيد الفطر، وفي أول رجب وفي الاحتفال بليلة النصف من شعبان وفي المناسبات المختلفة، وهو ما كان يروِّج من اقتصاديات السوق15.

وبطبيعة الحال هناك صور أخرى سادت مجتمع القاهرة في رمضان ولكن لا يتسع المقام لذكرها.


الهوامش
1- ابن إياس، بدائع الزهورفي وقائع الدهور، (تحقيق محمد مصطفى، دار الكتب، القاهرة، 2008م) ج3 ص:136 -296 ج4، ص: 103-125 - 143 - 165 - 197 -244 - 284 - 338 - 397 - 474 - ج5 ص: 211 .
2- سعيد عبد الفتاح عاشور: المجتمع المصري عصر سلاطين المماليك، (ط1، النهضة المصرية، القاهرة 1962م)، ص: 185 .
3- Breyden Bech,op.cit , p.47 , Fabri , op.cit , vol.1 , p.308.
4- ابن الحاج: المدخل (تحقيق أحمد فريد، المكتبة التوفيقية، القاهرة) ج2 ص: 238-240 .
5- المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والاثار، (مكتبة الاداب، القاهرة 1996م)، ج3 ص: 156 .
6- نفسه: ج3 ص: 161 - 162 .
7- ابن إياس: بدائع، ج1 ق2، ص: 130 .
8- نفسه: ج2، ص: 29 .
9- نفسه: ج2 ص: 175 - 239، 252 - 256 - 260 - 267 - 276، ج3 ص: 11 -69 - 93 - 122 - 137 - 149 -170 - 196 – 204 ج5 ص: 215 .
10- المقريزي: الخطط، ج3 ص: 45-46.
11- ابن إياس: بدائع، ج4، ص:244-284- 338- 397- 474.
12- اليونيني: ذيل مرآة الزمان (حيدر آباد، 1954م ) ج3 ص: 194؛ المقريزي، السلوك، ج2 ص: 807 .
13- المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك (تحقيق سعيد عبد الفتاح عاشور، ط3 دار الكتب القاهرة 2009م) ج3 ص: 366؛ وثائق وقف الناصر حسن: ص: 417.
14- عاشور: المجتمع المصري، ص: 203.
15- المقريزي: الخطط، ج3 ص: 160. قاسم عبده قاسم: دراسات في تاريخ مصر الاجتماعي، عصر سلاطين المماليك ( ط1 المعارف القاهرة 1983م) ص: 116.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها