في الأدب العظيم لا يمكن أن يكون المكان مجرد خلفية للأحداث أو سياقاً تتحرك فيه الشخصيات، بل يتحول إلى كائن حيّ يتنفس، ويحمل ذاكرة الناس ويختزن نبض التاريخ وهموم الوجود، ليصبح المكان في الأدب ليس جغرافياً فقط، بل روح والروح حين تكتب تتحول إلى وطن كامل يسكن النص ويمنحه هُويته.
ومن بين كبار الكتّاب الذين جعلوا المكان محوراً لرؤيتهم الفنية والإنسانية، يبرز اسمان كبيران يبدوان كأن بينهما جسراً خفياً، رغم المسافة الهائلة التي تفصل بينهما، الطيب صالح القادم من شمال السودان وويليام فوكنر ابن الجنوب الأمريكي. كلاهما كتب عن الريف، عن الأرض التي تشهد الولادة والموت والحلم والخيبة، وكلاهما جعل من القرية أو المقاطعة مسرحاً للكون كله. بين "ود حامد" على ضفاف النيل و"يوكناباتوفا" على ضفاف الميسيسيبي، يولد أدب يجمع بين المحلية العميقة، والرؤية الإنسانية الشاملة.
المكان بوصفه ذاكرة الإنسان
عند الطيب صالح المكان ليس مجرد مسرح للحكاية، بل ذاكرة حيّة تتنفس من خلال الناس والأشياء. في رواياته مثل موسم الهجرة إلى الشمال وعرس الزين وضو البيت، تتحول قرية "ود حامد" إلى مركز العالم، إلى مرآة يرى فيها الكاتب الإنسان السوداني والعربي والإنسان الكوني في آنٍ واحد، إنها القرية التي تختزل التاريخ والأسطورة، الحلم والواقع، البساطة والعُمق.
البيوت فيها تنطق والنيل شاهد على كل تحوّل والطرقات تحفظ وقع الأقدام القديمة، وكأن المكان نفسه يحتفظ بالذاكرة حين يعجز البشر عن تذكّرها. في هذا العالم الصغير يتجلى صراع الإنسان مع ذاته ومع محيطه، صراع بين الأصالة والتغيّر، بين الجذور والرحيل، وبين الحنين والاغتراب.
مصطفى سعيد بطل موسم الهجرة إلى الشمال، لا يجد ذاته إلا حين يعود إلى مكانه الأول، لكنه يعود غريباً. القرية التي عرفها صبيّاً لم تعد كما كانت وهو نفسه لم يعد كما كان. العودة هنا ليست استعادة بل مواجهة بين الماضي والحاضر، بين من كان ومن أصبح. وهكذا يصبح المكان عند الطيب صالح ذاكرة الفرد والجماعة، وجرحاً مفتوحاً في الروح لا يندمل.
أما في عالم وليام فوكنر فقد جعل من مقاطعته المتخيلة "يوكناباتوفا" ذاكرة كاملة للجنوب الأمريكي، المكان عنده مسكون بالأشباح، مثقل بتاريخ العبودية ومفتوح على الأسئلة الأخلاقية التي لم تُحسم بعد، في روايته "الصخب والعنف" التي تُعد من أهم أعمال فوكنر، بل تُعد حجر الأساس في مسيرته الأدبية، وأحد أعمدة الأدب العالمي في القرن العشرين.
تتجسد هذه الفكرة بأكمل صورها.. منزل عائلة كومبسون لم يعد بيتاً بل شاهداً على انحدارها الأخلاقي. جدرانه تحتفظ بأصوات الأب السكير، وبكاء الأم الضعيفة، وصدى تمرد كادي التي كانت رمز البراءة قبل أن تسقط في الخطيئة، فإن سقوط كادي هو سقوط الجنوب نفسه الجنوب الذي فقد نقاءه وأصبح يختبئ وراء القيم الزائفة
وهكذا يصبح المكان مرآة للخطيئة، والماضي يتحول إلى ظل ثقيل يلاحق كل فرد من العائلة، حتى من لم يشارك في الخطيئة نفسها.
الجنوب عند فوكنر ليس مجرد أرض، بل ضمير مثقل بالذنب والكتابة عنده محاولة لتفريغ هذا العبء. كل شجرة وكل بيت يحمل أثراً لإنسانٍ عاش ومات، ولكل صوت صدًى في جدران المكان.. وهكذا تتقاطع "يوكناباتوفا" مع "ود حامد" في كون كلتاهما ذاكرة تنطق، وأرضًا تحمل روح من عاشوا عليها.
الهُوية والاغتراب: الإنسان في مرآة الأرض
في أدب الطيب صالح المكان هو مرآة الهوية الممزقة بين الشرق والغرب، البطل العائد من لندن في موسم الهجرة إلى الشمال لا يبحث عن بيت فحسب، بل عن نفسه التي ضاعت بين عالمين، المكان هنا يتحول إلى مرآة تسأل الإنسان من هو، وتضعه أمام هشاشته.
القرية تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تختزن في داخلها رموز الوطن والتاريخ والذاكرة؛ إنها مكان الطفولة والأمومة الأولى وهي أيضاً مرآة الغربة حين يعود إليها أبناؤها بعد غياب طويل. الطيب صالح يجعل المكان بؤرة الحنين، لكنه في الوقت ذاته فضاء للقلق الوجودي. لا أحد ينجو من سحر الأرض، ولا أحد يستطيع أن يعيش خارجها دون أن يفقد جزءاً من ذاته.
ووليام فوكنر بدوره يجعل من المكان اختباراً للإنسان، شخصياته تنتمي إلى أرضها كما ينتمي الجسد إلى روحه، لكنها تحاول في الوقت نفسه الانفلات من ماضيها، المكان بالنسبة إليها قيد وذاكرة في آنٍ واحد. كوينتين كومبسون، في "الصخب والعنف" يغرق في زمن الجنوب حتى يفقد المعنى؛ وكأنه أسير المكان والذاكرة معاً.
الإنسان في عالم فوكنر يرى نفسه في مرآة أرضه، كما يرى السوداني نفسه في مرآة النيل عند الطيب صالح.. كلا الكاتبين يجعل المكان صورة داخلية تكشف ما لا تقدر الكلمات على قوله، المكان ليس خلفية للشخصيات بل هو الشخصية الكبرى التي تحكم الجميع وتحدد مصائرهم.
المكان كقدرٍ إنساني مشترك
كلا الكاتبين يلتقيان في أن المكان ليس اختياراً بل قدراً. الإنسان قد يغادر أرضه لكنه لا يغادرها في الحقيقة، إنها تظل تسكنه في الحلم والذاكرة وتستدعيه مهما ابتعد. مصطفى سعيد يهرب من "ود حامد" إلى لندن ليكتشف أنه لم يهرب منها بل حملها معه كندبة في الروح، وكوينتين كومبسون يغادر الجنوب لكنه يسمع صوته في رأسه حتى النهاية.
المكان عند الطيب صالح قدرٌ حنون، وعند فوكنر قدرٌ مؤلم، لكن كليهما يجعل منه مركز العالم الروحي للإنسان.
في أعمال الطيب صالح تتخذ القرية بعداً أسطورياً الواقعي يمتزج بالعجائبي، والزمن يتكرر كما تتكرر الحكايات في المجالس، المكان هنا مفتوح على الماورائي، تسكنه الأرواح والحكايات ويغدو تجسيداً للروح السودانية التي تمزج الواقع بالحلم. أما عند فوكنر فالمكان أسطورة من نوع آخر أسطورة الخطيئة والفداء، لقد خلق من الجنوب الأمريكي فضاءً متخيلًا يحمل كل تناقضات البشر النبل والعار، الحب والكراهية، الحياة والموت.
ورغم اختلاف السياقات فإن جوهر الرؤية واحد، المكان هو المرآة التي يرى فيها الإنسان ماضيه ومستقبله، حضوره وغيابه، وهو الحارس الأبدي للذاكرة الإنسانية.
إن اللغة نفسها تصبح مكاناً في تجربتهما، الطيب صالح يكتب بلغة تجمع بين الفصحى وإيقاع العامية السودانية، تمزج رائحة النيل بعبق التراث وتغني بلسان الأرض. أما فوكنر فيبني عالمه بلغة متكسرة مليئة بالتداعيات والظلال، لغة تشبه متاهة المكان الذي يصفه، اللغة هنا ليست وسيلة وصف، بل امتدادٌ للمكان في وعي القارئ، مساحة يعيش فيها كما يعيش في القرية أو المزرعة.
وفي النهاية يمكن القول؛ إن الطيب صالح وويليام فوكنر التقيا في نقطة إنسانية عميقة، المكان بوصفه ذاكرة ومرآة للإنسان. كلاهما كتب عن الجنوب، لكنه الجنوب الذي يتجاوز الجغرافيا ليصبح رمزاً للروح البشرية في صراعها مع الزمن والذاكرة والقدر، تتجسد حكاية الإنسان الذي لا يملك سوى أن يعود إلى أرضه في النهاية؛ لأن الأرض مهما كانت بعيدة أو موجعة هي الوجه الحقيقي الذي لا يخون.
المكان في أدبهما ليس حدّاً، بل بداية، ليس جغرافيا بل وجداناً، وهو ما يجعل كتابتهما، رغم اختلاف اللغة والثقافة، تصبّ في نهر واحد نهر الذاكرة الإنسانية الذي لا يجف.