المسافة ما بين الفلسفة والحِرف اليدوية!

قديماً أدرج الفيلسوف الرواقي موسونيوس العمل اليدوي في عداد ما هو فلسفي

ترجمة: أحمد جمال أبو الليل

بقلم: لي كلارك Lee Clarke


للفلسفة اليوم معضلةٌ تطال سمعتها، إذْ عادةً ما تُنبذ وتُطرح ظهريًا كونها شأنًا عديم النفع قد عفا عليه الدهر، فضلاً عن مثالب أخرى تسمها، وهو ما تقول به ضروب متباينة من بني البشر من ساسة وعلماء ناهيك بجمهرة العامة. أما الفلاسفة فسيماهم أنهم بمعزل عن "أرض الواقع" وبمنأى عنه؛ إذْ هم يفضّلون أن يلبثوا يتثاقفون في "أبراجهم العاجية" ولا يسلكون مسلك البشر الاعتياديين. وكنتيجة لتلك القوالب النمطية، يُنظر إلى الفلسفة على كونها شأنًا ذا منحى عقلي بالكلية، وكذا كونها تجريدًا يخلو من أي عنصر مادي على الإطلاق. لذا، فإن ثمة برزخًا متخيلًا يفصل بين ما هو عقلي وما هو مادي، وينسحب ذلك بصفةٍ خاصةٍ على صنوف العمل وضروبه. هذا، وينحو كثيرون إلى النظر إلى المناشط والوظائف "العقلية" و"اليدوية" على كونها على طرفي نقيض من بعضها البعض. على أن وجهة النظر تلك، وعلى الرغم من ذيوع الإيمان بها، خاطئة – وذلك لأسباب عدة.

أولا: فبفضل ما كتبه مؤرخ الفلسفة الفرنسي "بيير آدو"1 Pierre Hadot عرفنا أن الفلسفة لم تكن على الدوام نظرية في طبيعتها بالكلية. هذا، وقد أعاد "آدو" اكتشاف المفهوم الذاهب إلى أن الفلسفة في العالم اليوناني/الروماني القديم قد كان يُنظر إليها لا على كونها مجالًا للدراسة فحسب، بل على كونها أسلوب حياةٍ يُعاش ويُمارس. إن الفلسفة القديمة قد ذهبت إلى أن بني البشر يحيون حياتهم اليومية على نحوٍ زائفٍ حيث الهدف قد كان "الطمأنينة"، أو السلام الداخلي أو السكينة. ومن أجل تحقيق ذلك الهدف، وفقًا لما كتبه "آدو" في كتابه "تمارين روحانية" (1981)، انخرط الفلاسفة فيما سماه "تمارين روحانية"، أو تمارين حسية ملموسة يُفترض أن تغيّر الكيفية التي ينظر بها الممارس إلى العالم ومكانته في ذلك العالم. أجل، قد كانت النظرية ماثلةً وقائمةً، كذا فقد كانت مهمةً، بيد أنها عادةً ما كانت تحل في المرتبة الثانية، أما المرتبة الأولى فكانت من نصيب الممارسة. هذا، والمرء لَيُدرَج في عداد الفلاسفة ما دام يحيا حياته على نحو فلسفي – فمعرفة المفاهيم عقلانيًا ليس كافيًا. ومن ثم كان للفلسفة بُعدٌ معيشٌ تطبيقيٌ قد مضى إلى ما هو أبعد من مجرد التثاقف العقلاني.

ثانياً: قد كان ثمة فلاسفة كثر على امتداد التاريخ، وإن لم يكونوا أنفسهم يمارسون أعمالًا يدوية، إلا أنه قد كانت لهم آراءٌ إيجابيةٌ بشأن تلك الأعمال. وكمثال لمفكر ممن أبدوا تلك الآراء الفيلسوف الرواقي2 الروماني "موسونيوس روفوس" الذي كان يحيا إبان القرن الأول الميلادي. وقد ذهب "روفوس" إلى أن الوسيلة المثلى للفيلسوف لاكتساب قوته ومعاشه هي فلاحة الأرض. وردًا على شخصٍ افتراضي قد ذهب إلى القول بأنه يجب ألا يعمل الرجل المتعلم "بمثل ما يعمل الفلاح" في الحقول، يجيب "روفوس":

أجل، سيكون العمل بحق جد شائن إذا كانت فلاحة الأرض ستمنعه من المضي قدمًا بالفلسفة، أو ستحول بينه وبين مساعدة الآخرين للظفر بها والتمتع بثمارها. ولكن بما أن الأمر ليس على هذه الشاكلة؛ فإنني أرى أن التلاميذ سينتفعون أكثر إذا هم لم يلتقوا معلمهم في المدينة وإذا هم لم يستمعوا إلى محاضراته ونقاشاته الرسمية، وأن يعمدوا عوض هذا وذاك إلى رؤيته وهو يفلح الحقل مجسّدًا بكده وكدحه الدروس التي تغرسها الفلسفة في العقول – تلك المنطوية على وجوب أن يجابه المرء الشدائد والصعاب، وأن يعاني آلام الكدح وهو يعمل بيمينه، لا أن يعتمد في توفير معاشه وقوته على الآخرين.

إن انخراط الفلاسفة فيما يخص العمل اليدوي قد ذهب أشواطًا أبعد من مجرد الحديث بشأنه، إذْ كان كثير من المفكرين على امتداد التاريخ قد امتهنوا أعمالًا يدوية. فهاهو "سقراط" ذاته كان يعمل لدى بنّاءٍ ومثّالٍ. وذاك "باروخ سبينوزا"3 اليهودي الهولندي فيلسوف عصر التنوير وقد رفض قبول عروض جمة لشغل مناصب تعليمية مرموقة مفضّلًا أن يكتسب معاشه بالعمل في صقل العدسات. وفي القرن العشرين، نجد الفيلسوفة الفرنسية الناسكة والناشطة السياسية "سيمون في" تلتحق كعاملة بمصنعين لمدة عام كيما تقترب من الطبقة العاملة وتتواصل مع أفرادها على نحو أفضل من أجل دعم مطالبهم في نضالهم من أجل تحسين بيئة العمل وظروفه، ومن أجل اكتساب حقوق عمالية أكثر. هذا، وحتى إن لم يك ثمة ما يربط أولئك الفلاسفة بعضهم البعض، ويربط منتوجهم العقلي والفكري وحرفهم كعمال يدويين، فإن واقعة كونهم منخرطين في حرف يدوية بالأساس، وأنهم قد كان بإمكانهم في بعض الحالات اختيار أن يتركوا تلك الحرف لتوضّح أنهم لم يكونوا يرون أن تلك الحرف تتعارض مع الفلسفة. كذا فهي توضّح في غير ما شك أنهم لم يكونوا يرون أن ذلك العمل اليدوي أدنى من مكانتهم، ومما يمتلكون من مهارات، وتوضّح أيضا أنهم لم يكونوا يرون برزخًا يفصل ما بين ذينك الصنفين من الأعمال على نحو ما نراه نحن اليوم. ولكن إذا كانت أعمالهم تلك ذات تأثير مباشر على مفاهيمهم وأفكارهم، فكيف لهذا البرزخ أن يجري تجسيره بالأساس؟

إن إجابة ذلك السؤال لتكمن في عنصر المهارات، بل وعلى نحو أكثر تحديدًا تلك المهارات التي يتحصّل عليها طالب عصرنا الراهن جراء دراسته الفلسفة. وعلى خلاف المعتقد الشائع، فإن الفلسفة تحقيقًا لتُعلم مهارات نافعة تلائم سوق العمل. فالمهارات من أمثال التفكير النقدي والاستنتاج المنطقي الرشيد والقدرة على حل المشاكل، بالإضافة إلى مهارات المناظرات الجدلية والتواصل والبحث المعرفي، وهَلُمَ جرا، هي مهارات يكتسبها طلاب الفلسفة. وهذه المهارات تجد لها تطبيقًا في أطياف شتى من الأشغال، بما فيها العمل اليدوي المتقَن. هذا، وتفيد صيغة العمل المستخدم في أشغال من أمثال الهندسة الإلكترونية والسباكة والنجارة وغيرها أيما إفادة من مهارات كتلك. إن مزية المهارات الفلسفية وتفوقها على ما عداها من مهارات لتكمن في أنه فيما تتغير المناهج والطرائق والمواد المستخدمة في أشغال أخرى مع كر الأيام تلو الأيام وتقدم التكنولوجيا باطراد، فإن المهارات التي يجري تعلمها بدراسة الفلسفة تبقى دونما تغيير على امتداد الزمن، ومن ثم إمكانية استخدامها على اختلاف الآونة والأمكنة. لذا، يستلزم تجسير الفجوة فيما بين العمل اليدوي والعمل العقلي تطبيق المهارات الفلسفية على الأعمال اليدوية (والعكس بالعكس)، وهو بذاته ما يُظهر أن البرزخ الفاصل فيما بين نوعي العمل هذين ليس كبيرًا بمثل ما قد افُترض آنفًا.

هذا، ويبدو أن أعدادًا متزايدة من الفلاسفة، ممن يعملون عملًا يدويًا، قد انتبهوا إلى ذلك المفهوم خلال العقدين الأخيرين. فها هو "روبرت ر. شيرمان"، الذي عمل بالنجارة قبل أن يضحى أستاذًا للفلسفة بجامعة فلوريدا الأمريكية، يذهب إلى أن النجارة تنطوي على إعمال الفكر والعقل بما لا يقل عن كونها نشاطًا بدنيًا، فيما كتب "كارل ميتشام" أستاذ الإنسانيات الفخري بجامعة كولورادو للمناجم أن الفلسفة ذات أهمية للمهندسين، وأن الفلسفة والهندسة كلتيهما بحاجة إلى أن تُعنى إحداهما بالأخرى4. وبالمثل، ذهبت "روزماري بارنز" الباحثة بجامعة "نيو ساوث ويلز" الأسترالية إلى أن دراستها لكل من الهندسة والفلسفة قد جعلت منها مهندسة تعمل على نحو أفضل. وأخيراً، فإن "ماتيو ب. كروفورد" – وهو فيلسوف وكهربائي وميكانيكي – قد أورد في كتابه Shop Class as Soulcraft : An Inquiry Into the Value of Work (2009) حجة فلسفية وجيهة، بشأن الحاجة الملحّة والماسة للخبرة العملية وإتقان الحرف، فضلًا عن معارضته لمفهوم الفصل بين ما هو عقلي وما هو يدوي. وبلا شك، فإن ثمة أساليب كثيرة أخرى يمكن بموجبها الجمع بين الأشغال الفلسفية والحرف اليدوية المتقَنة، وبمرور الزمن تضحى تلك الأساليب أكثر وضوحًا للعيان. هذا، وفلسفة الهندسة هي تخصصٌ فرعيٌ من الفلسفة وفصيلٌ منها، فهل سنشهد انبثاق فلسفة للنجارة أو أخرى للكهرباء عما قريب؟

إن التسليم بأن ثمة برزخًا يفصل ما بين الأشغال التي تُعّد "عقلية" وتلك التي تُعدّ يدوية لأمر يفتقر إلى الحجة المقنعة. فلكي ينشط مجتمعٌ ما على الوجه المراد، نكون بحاجة إلى كلا النوعين من الأشغال. إذ بغياب الفلاسفة والعلماء والكتّاب والمؤرخين لن يكون ثمة ثقافة أو حضارة لدينا، وستعجز الأفكار والمفاهيم عن اللحاق بالركب، ولن يكون بمكنتنا فهم الكيفية التي يسير بها عالمنا ولا فهم ماضينا الآفل. إلا أننا بحاجة أيضا إلى أناسٍ يشتغلون بحرفٍ يدويةٍ حاذقين لها. فبدون البنائين وعاملي السباكة والكهرباء والنجارة وغيرهم، لن يكون لدينا مياه جارية ولا كهرباء ولا بيوت نحيا فيها بل ولا مبانٍ على الإطلاق لكي نفكر فلسفيًا بين جدرانها. إذن، فمن أجل مجتمع فاعل نشيط، يجب أن يتساوى كلا صنفي العمل من حيث الثقل والأهمية.

والفلسفة ليست ذات طابع تجريدي بالكلية كما هو شائع، بل هي تنطوي على عنصرٍ ماديٍ ملموسٍ يجري غض الطرف عنه. هذا، وقد أبدى كثير من الفلاسفة تقديرًا وإجلالًا للحرف اليدوية المتقَنة بل قد مارسوا في بعض الأحوال تلك الحرف بأنفسهم، ومن ثم يضحى التصور الذاهب إلى عدم تناغم الفلسفة مع العمل اليدوي وقد دُحض وفُنّد. وعوض عن أن ثمة برزخًا لا سبيل لتجسيره يفصل الفلسفة عن العمل اليدوي، يكون بالإمكان تطبيق المهارات المتعَلمة من الفلسفة على أنماط العمل اليدوي أيضًا. وإذ نحن نسعى لبناء جسور وتشييد أواصر فيما بين الثقافات والمعتقدات والمجتمعات المختلفة وإذكاء روح التفاهم فيما بينها، يكون لزامًا علينا أن نعمد إلى الشيء ذاته فيما يخص الأنماط المختلفة من العمل أيضا. كذا يتعين علينا أن نبحث عن أساليب وطرائق يكون للأشغال المتباينة بموجبها القدرة على أن تنشط معًا لما فيه صالح المجموع، وبخاصةٍ في مجابهة أية قوالب نمطية قد عفا عليها الزمن فيما يجري نشرها هنا وهناك.

وأخيرًا، يجب إدراك أن المهارات المكتسبة من الأشغال اليدوية هي أنماط معرفة وحكمة بمثل ما هي حال الفلسفة. وبما أننا "محبو الحكمة" – وهو المعنى الأصلي لمصطلح "الفلسفة"– يكون لزامًا علينا اقتفاء أثر الفيلسوف الرواقي "موسونيوس روفوس" والسير على نهجه "مجسّدين بكدنا وكدحنا الدروس التي تغرسها الفلسفة في العقول". وأيا ما كانت الطريقة التي تُنتهج في تعليم تلك الدروس، سواء جرى ذلك في محاضرة جامعية، أو في مبنى أو آخر، تكون جميع تلك الطرائق سائغة ومحتفَيًا بها.

 



هوامش:
◂ نشرت المقالة في مجلة Psyche/ 9 شباط/فبراير 2022م
◂  لي كلارك: طالب دكتوراه بجامعة "نوتنغام ترنت" بالمملكة المتحدة في فرع الفلسفة، وهو متخصص في الفلسفة الثقافية البينية، وتحديدًا في البوذية وتاريخ الأفكار وفلسفة الأديان.

1. "بيير آدو" (1922 – 2010): أستاذ تاريخ الفكر الهلينستي والفكر الروماني بالكوليج دو فرانس. هذا، وقد درس "آدو" الفلسفة بجامعة "السوربون" فيما بين عامي 1942 و1946 ليصير لاحقًا باحثًا ثم مديرًا للبحوث والدراسات بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا بباريس. كذا، فقد كتب "آدو" الكثير من المقالات الفلسفية البارزة جُمعت بين دفتي كتابه المعنون "تمارين روحانية" (1981). (المترجم).
2. الرواقية: مذهب فلسفي أسسّه "زينون الكتيومي" حوالي العام 300 ق.م. وهو مذهب يقول إن الرجل الحكيم يجب أن يتحرر من الانفعال، وألا يتأثر بالأفراح أو الأتراح، وأن يخضع من غير تذمر لحكم الضرورة القاهرة. (المترجم).
3. باروخ سبينوزا (1632 – 1677) فيلسوف هولندي من أسرة يهودية أندلسية، هاجرت بعد استيلاء الملوك الكاثوليكيين على غرناطة في العام 1492م وطرد اليهود منها. تلقى "سبينوزا" تعليمه في مدرسة عبرية، وأتقن لغات عدة منها الإسبانية والبرتغالية والعبرية، ودرس الرياضيات والطبيعيات ونزرًا من مبادئ الطب. كانت الغاية التي سعى إليها "سبينوزا" الكشف عن حياة الإنسان ومكانه في العالم، وما يستتبع ذلك من كشف طبيعة العالم. (المترجم).
4. وقد وردت كلمات "ميتشام" هذه ضمن مقالةٍ له بعنوان "أهمية الفلسفة للهندسة" بمجلة "Teorama" في عددها الثالث من عامها السابع عشر (1998)، وهي مجلة أكاديمية محكّمة تُعنى بالشأن الفلسفي وتصدر ثلاث مرات في العام. (المترجم).

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها