ماذا لو استيقظت يوماً فوجدت العالم بأسره قد تحول إلى مرآة عاكسة لوجهك؟ ماذا لو كان سائق الباص، وجيرانك في المصعد، وزملاء العمل، والغرباء في الشارع، جميعهم يحملون ملامحك، ويرتدون ملابسك، ويحملون همومك نفسها، بل ويتنفسون بأنفاسك؟ هل ستشعر بأنك لم تعد وحيداً، أم أنك ستفقد إحساسك بوجودك تماماً؟
أي مصير أكثر إرهاباً: أن تكون نسخة بين ملايين النسخ، أم أن تكتشف فجأة أنك النسخة الوحيدة المتبقية في عالم لم يعد يتعرف إليك؟ ماذا يبقى من "الأنا" عندما تذوب كل الحدود بين الذات والآخر؟ وأين تختفي الفردية عندما يصير التماثل هو القانون الوحيد للوجود؟
هذه ليست أسئلة من عالم الخيال الفلسفي المجرد فحسب، بل هي القلب النابض لرواية "ساعات.. ساعات" للكاتب إسلام بو شكير، التي تقتحم منطقة وجودية غامضة، حيث يتحول السرد إلى مختبر لاختبار مفهوم الهوية في عالم يُكررنا حتى الإرهاق. من خلال عين بطل لا اسم له، ننطلق في رحلة هي الأكثر غرابة وخطورة: رحلة البحث عن الذات في عالم لم يعد فيه مكان لذات واحدة.
◄ سرد التماثل والانكسار
منذ الصفحات الأولى، يضعنا الكاتب في قلب عالم غرائبيّ مألوف؛ البطل موظف عادي في دائرة حكومية، يبدأ يومه كأي يوم، لكنه سرعان ما يكتشف أن كل مَن حوله هو نسخة طبق الأصل منه: الناطور، ركاب الباص، زملاء العمل، المارة في الشارع، الجميع يرتدون نفس البدلة الرمادية، وربطة العنق البنفسجية، ويحملون نفس الأكواب، ونفس المغلفات، ونفس الهواتف المحطمة، ونفس الهالات السوداء تحت العيون، حتى الأحاديث والهمسات والقلق الداخلي واحد.
"صوته، ووجهه، وملابسه، وعطره، وآيفونه، وانتفاخ جفنيه، وسائر ما يخصّه، هو أنا". هذا التماثل ليس صدفة سردية، بل هو قلبٌ للبنية الروائية رأساً على عقبٍ، فبدلا من تقديم شخصيات متعددة، يقدم الكاتب شخصية واحدة بمظاهر لا حصر لها، ليظهر العالم هنا كمرآة عاكسة للبطل، أو ربما العكس، فالبطل ليس سوى انعكاس للعالم، وهي ثنائية تخلق إحساساً بالاغتراب والالتباس، حيث تذوب الحدود بين الذات والآخر، بين الداخل والخارج.
◄ هل أنا "أنا" لأنني مختلف، أم لأنني متطابق
السؤال المركزي الذي تثيره الرواية هو سؤال الهُوية: ما الذي يجعلني "أنا"؟ هل هو مظهري، صوتي، ملابسي، روتيني اليومي؟ أم أن هذه كلها قشور يمكن استبدالها واستنساخها؟ البطل بقدرته الخارقة على الإحصاء، يحصي كل شيء حوله، لكنه يعجز عن إحصاء ذاته، هو يرى نفسه في كل مكان لكنه لا يستطيع الإمساك بها.
"أنا x 3356".
هذه المعادلة التي يصل إليها البطل بعد إحصاء المارة في الشارع، وهي ليست مجرد لعبة عددية، بل هي تعبير عن أزمة الوجود في عالم فقدت فيه الذات تميزها؛ عندما أكون كل الآخرين، وعندما يكون كل الآخرين أنا، فلماذا أكون أساساً؟ الفردية هنا تذوب في بوتقة الجماعية القسرية، والوجود يصبح مجرد وظيفة، ونسخة قابلة للاستبدال.
◄ من الذات المكرّرة إلى الذات المهيمنة
المنعطف الرئيس في الرواية يأتي مع استدعاء البطل إلى مخفر الشرطة، هذه الدعوة تخلق صدمة وجودية، فهي تخرجه من دائرة التماثل الآمنة إلى دائرة المجهول، فردة فعله لا تقل غرابة: يعود إلى المنزل، وبدلا من ارتداء ملابس مريحة، يختار بدلة شرطي قديمة كان يحتفظ بها، ويرتديها كأنه يرتدي دوراً جديداً.
"أنا مستعد الآن تماماً".
ليس هذا التحوّل تحولا في المظهر فحسب، بل هو تحول في البنية النفسية والوجودية، فبمجرد أن يرتدي الزي الرسمي للسلطة، يتحول العالم بأكمله مرة أخرى، لكن هذه المرة إلى عالم من الشرطة، جميعهم نسخ منه، هنا يتجلى أحد أكثر الأفكار إثارة: الذات لا تكتفي بالانعكاس، بل تفرض نفسها كنموذج مهيمن، والعالم لا يعكس هويتك فحسب، بل يطيعها أيضاً.
◄ من التماثل إلى الاختفاء
لكن الرواية لا تكتفي بهذا التحول، ففي المشهد الأكثر إيلاماً، يلتقي البطل بـ"الأصل"، ذلك التمثال البشري المثالي الذي رآه صباحاً، والذي يجسده الآن رجل في المقهى، لتتحوّل المواجهة إلى محاكمة وجودية، حيث ينكر هذا "الأصل" أي تشابه بينهما، بل يعلن للبطل حقيقة قاسية:
"أنت لست شيئاً... لقد اختفيت".
هذه الجملة هي القنبلة الفلسفية للرواية، فبعد أن كان البطل يرى نفسه في كل شيء، يصبح غير مرئي، غير موجود؛ العالم الذي كان مرآة له يصبح حاجزاً، والناس الذين كانوا نسخاً منه يصيرون غرباء، انعكاس الذات يتحول إلى محو للذات.
◄ هل الماضي هو المنفى الوحيد الممكن؟
في المشاهد الأخيرة، يبدو أن العالم قد عاد إلى ماض غابر: سيارات قديمة، ملابس عتيقة، إعلانات من زمن مضى؛ هذا الانزياح الزمني يضيف بعداً تراجيدياً للأزمة الوجودية، فالبطل لا يفقد ذاته في الحاضر فحسب، بل يفقد حتى الماضي الذي قد يكون ملجأه، ها هو يحاول العثور على ذاته في صورة شاب يبيع النظارات، لكنه يكتشف اختلافاً جسدياً (يده المقطوعة) يمنع أي احتمال للتطابق.
"لم أعد أنا.. لا اليد المقطوعة، ولا الحدبة الصغيرة في ظهره... لم يكن أنا".
حتى موهبته في الإحصاء، التي كانت ملاذه الوحيد تخونه، فهو يعد النظارات مرتين فيصل إلى نتيجتين مختلفتين؛ العالم لم يعد قابلاً للعد؛ لأنه لم يعد قابلا للفهم.
◄ بين التكرار والعدم
تبقى الرواية مفتوحة على سؤالها الأكبر: من هو ذلك "الذي اختفى"؟ هل هو البطل نفسه، الذي لم يعد العالم يعكسه؟ أم هو نموذج الذات المثالي الذي لم يعد موجوداً؟ أم أن الاختفاء هو المصير الحتمي للفرد في عالم يكرره ويستنسخه حتى يفقد جوهره؟
تتحوّل "ساعات.. ساعات" من مجرد رواية عن الاغتراب، إلى تأمل عميق في علاقة الذات بالعالم في عصر التماثل والاستنساخ؛ إنها تسائل فكرة "الطبيعة البشرية" نفسها، وتكشف أن الهُوية ليست معطى ثابتاً، بل هي أداء متغير وسردية نخترعها ونصدقها حتى يختبرنا العالم بزيفها.
في النهاية، يبقى البطل وحيداً في مقهى، يسمع أغنية صباح "ساعات.. ساعات" التي تعلن حباً للحياة رغم كل شيء، بينما هو يرى شبيهه الأخير يغادر، والكلب الأبقع يطارده، لقد انتهت ساعات التماثل، وبدأت ساعات العدم، والعالم لم يعد مرآة، بل صار نافذة على فراغ.

عن الرواية
◅ رواية: ساعات... ساعات.
◅ المؤلف: إسلام بو شكير.
◅ الناشر: دائرة الثقافة - حكومة الشارقة - الإمارات العربية المتحدة.
◅ الطبعة: الأولى – 2025.