الوجه الخفيّ للسُّريالية!

بقلم: جيروم ديوا

ترجمة: أحمد لطف الله

لم تكن السُّريالية مجردَ تيارٍ فنّيٍ وأدبي يعشقه هُواة الاختلاف من المبدعين، بل شكّلت، منذ أن حمل لواءها الشاعر الفرنسي أندري بروتون في العقد الثالث من القرن العشرين، عقيدةً فكرية وجماليةً ترغَبُ في التعالي عن الواقع الذي يكبّلُ الإبداع بعدّة قيود، وتعمَلُ على تحرير العقل الباطن. لكن لهذه الحركة الثقافية أيضاً، زواياها المُعْتِمة، أو "الميّتة"، والتي تستدعي بعثَها من جديد. في هذا المقال يعمل جيروم ديوا Jérôme Duwa، وهو باحث فرنسي حاصل على دكتوراه في تاريخ الفن المعاصر، على إضاءة هذه الجوانب، والتركيز على مسارات بعض الوجوه التي كانت قريبة من دائرة تأسيس هذه الحركة، لكنها خلقَت المسافةَ معها فيما بعد، ومن أبرز هؤلاء الناقد الفني والشاعر الفرنسي جورج ليمبور، الذي كان من الموقّعين على البيان الأول لهذه الحركة.

من المحتمَل أنّ التركيز المفرط على جانب محدود في الغالب من تاريخ الحركة السريالية قد أدّى إلى خلق انطباع بأن هذه المغامرة، التي امتدّت طويلا، كانت من بين الإنجازات النهائية للمعرفة في المجالين الفني أو الأدبي. لكن بموازاة هذا الوهم، ومنذ ستينيات القرن العشرين، كان هناك رفض واسع النطاق للخيال السُّريالي، وهو ما يُعتبر أمراً طبيعياً في نهاية المطاف. وبعد أن خفَّتْ حدّة ردود الفعل الرافضة هاته إلى حد كبير، لا يزال هناك اليوم الكثير من "الزوايا المظلمة" التي يتعيّن تسليط الضوء عليها، من أجل التوصل إلى رؤية شاملة لهذه الحركة الإبداعية المتجددة على الدوام. إذن، ألا يمكنُ من خلال التوجه الآن نحو شخصياتها الأقل شهرة وطرح الأسئلة النادرة، أن نُبعِد هذه الحركة بشكل أكثر تأكيدًا عن الكليشيهات الجاهزة، وعن تلك الصورة النَّمطية الكاريكاتورية؟

إن إعادة إصدار أعمال جاكلين شينيو-جيندرون Jacqueline Chénieux-Gendron، وكذلك تسليط الضوء على شخصية جورج ليمبور Georges Limbour (1970-1900) من طرف مارتين كولان-پيكون Martine Colin-Picon وفرانسواز نيكول Françoise Nicol، يساهمان في هذا النظرة الاستعادية والمختلَسة حول السريالية، وذلك من خلال التفكير فيما يغيبُ غالبًا عن الناقد السَّطحي والمتعجِّل، أو ببساطة، ذي النِّية السَّيئة.

يقترح كتاب "ابتكار الواقع: السريالية والرواية (1922-1950)" لجيندرون إعادة بناء تاريخ "محظور". فقد أعلن أندري بروتون André Breton، منذ "بيان السريالية"، رفضه لما ينتمي، في الرواية، لتلك الرَّتابة التي يخلقها اليومي، والباعِثة على الحزن. كما أعلن إدانته للوصف الممِّل لواقع غامض بطبيعته، وفي المقابل، فقد روَّج بروتون لابتكار "ما فوق الواقع" دونما أدنى إفلات من أي شكل من أشكال تجاوزات هذا الواقع.

إنّ دافع هذا البحث حول الرواية يتجلّى في التساؤل الذي طرحته النّاقدة جيندرون: كيف يمكن لأندري بروتون أن يُدين بإصرار الشّكل غير الصحيح للرواية، وفي الآن نفسه، يُشيدُ برواية «في قصر أرغول» لجوليان ڭراك Julien Gracq؟ لا بد أن هناك سوء فهم يتعلّق بطبيعة هذا التشكيك في قيمة الرواية، والذي لم يكن أندري بروتون هو من بادَر به: يكفي أن نتذكر پول ڤاليري Paul Valéry وهو يُعلن عجزه عن كتابة جملة مثل: "خرجت الماركيزة على الساعة الخامسة" وما سيتلو ذلك من أحداث مثيرة للغاية. في الحقيقة، المشكلة لا تكمن بشكل عام في جنس «الرواية» بحد ذاتها، بل في الاعتقاد، والذي لا يزال سائدًا، بأهمية الأوصاف النفسية التي يُقال عنها إنّها أوصاف واقعية. وبالمعنى المُتداوَل؛ فإن الرواية تُوجِّه بطبيعتها المتلقي إلى قبول الواقع كما هو: لذلك فهي تتَّصف بالرَّجعية. وبالتّالي فالقضية التي تُثار هنا ليست ذات طابع جمالي، بل أخلاقي.

تتمثل الفكرة المحورية في هذا العمل الرائد لجيندرون في النظر إلى الرواية باعتبارها "المحكّ النَّقدي للسريالية". ودون التَّشكيك في سيادة الشعر، تبيِّنُ المؤلِّفة، في سياق تطور أساليب الرواية، مدى أهمية اللايقين الروائي في جعل هذا الجنس الأدبي فنّا سُريالياً. ومن خلال الاستناد إلى آراء جون-پول سارتر Jean-Paul Sartre أو ڭي روزولاتو Guy Rosolato، تسلّط جيندرون الضوء على انقسام أوّلي لمفهوم الزمن، والذي يستند إلى تصوُّريْن متباينيْن: أحدهما لأندري بروتون، والثاني هو تصور لْوي أراڭون Louis Aragon. فبالنسبة للأول، يَعتبِر بروتون أنّ الزمن متقطّع بطبيعته، مما يمنحُ الفردَ فرصةً للتوقّف والتحليل الذاتي، وهذا ما يلتقي مع ما سوف يدعوه في سنة 1932 «الصُّدفة الموضوعية». حيثُ هناك معنى ينبعثُ من كلّ حدث، وهو حتمًا معنى جزئي لوجود معيّن، يجب على الفرد أن يقوم بإعادة تركيبه باستمرار. لذلك، فبغضّ النّظر عن المظاهر الشكلية، فإن هناك صلة قرابة بين فِكر أندري بروتون والوجودية السّارترية.

أما المسار الآخر فقد فتحه لوي أراڭون؛ وهو يَفترض زمنًا متدفّقا دون انقطاع، فهو زمنٌ يولَد من أوّل شرارة لفعل الكتابة، مع الحرص الدائم على ممارسة ألعاب اللغة. وهكذا: «لا توجد رواية سريالية، بل هناك طاقةٌ روائيةٌ متناثرة وقوية، تتّميّز بألوان العجائبية الحديثة، وبشراسَتها في خلق انقلابٍ جِذري على القَدَر».

هذه الثنائية في فهم الزمن، والتي انطلقت بوجود تلك الهوّة بين بروتون وأراڭون يمكن أن تنطبق أيضًا على مجال الإبداع التَّشكيلي، وهو ما يقضي تماماً على أي محاولة اختزالية لمفهوم الإبداع في مجال الفن. ومع ذلك؛ فإن هذه الثنائية المؤَسِّسة، وقدْ دمَّرها انشقاق لوي أراڭون عن التيار السُّريالي بعد أن أصبح ستالينيًا، لم تمنعْ من تطور الحركة السُّريالية إلى غاية ستينيات القرن العشرين. إن موقف الانقطاع الزمني، الذي يمثله أندري بروتون، يستدعي أخلاقيات لا يمكن أبداً مقارنتها بأخلاقيات التكافؤ الجدلي للأضداد التي تميز روايات أراڭون. وتشرح جيندرون، في هذا الصدد، كيف أن مفهوم الحرية لدى لْوي أراڭون يؤدي إلى تجربة التنكّر للواقع.

من المعروف أن تاريخ السريالية حافل بفترات تمثّل القطيعة، والتي غالبًا ما كانت طوْعية أكثر منها مفروضة. أمّا الصراع بين أعلامها فقد ارتبط بهذا التاريخ ارتباطاً وثيقاً. ومن بين أولئك الذين ابتعدوا عنها، ظلت شخصية جورج ليمبور في السّابق متوارية عن الأنظار إلى حد كبيرٍ. لقد قامت كلٌّ من مارتين كولين-پيكون وفرانسواز نيكول بإصدار رائع لصالح دار النشر Le Bruit du temps (هدير الزمن)، قدّمتا لنا من خلاله مجلداً ضخماً يضمُّ حوالي أربعمائة مقال وكتابات عن الفن، أُنجِزت في الفترة ما بين 1924 و1969 ونُشرتْ في مختلف الدَّوريات التي غالباً ما كانت موجهة للجمهور العام. ووفقًا لجاكلين شينيو-جندرون، فإن جورج ليمبور، صاحب كتاب «La Chasse au mérou» قد يكون أكثر ابتكارًا، حتى في نصوصه المنتمية للنقد الفني، بما في ذلك النظر إلى هذا العمل من الناحية السردية. فقبْل أن يقدِّم ليمبور مساهمته ضد أندريه بريتون في المنشور الذي يحمل عنوان "جثّة" (Un Cadavre) سنة 1923، كان يقيم منذ عام 1923 علاقات مع السرياليين، مع أنه كان أقرب إلى «Les amis de la rue Blomet» (أصدقاء شارع بلومي)، خاصّة ميشيل ليْريس Michel Leiris وأندري ماسون André Masson. وفي الواقع، وبسبب عمله في الخارج إلى غاية سنة 1937، فقد ظل ليمبور على مسافة من الصراعات الداخلية الكبرى، ولم ينطلق في أنشطته بصورة كاملة، باعتباره متتبِّعاً للفنون، إلا بعد الحرب العالمية الثانية.

أقل ما يمكن قوله هو أن جورج ليمبور كان ينظر إلى السّريالية بتحفّظ وحذَر، على الرغم من أنه تبنى مفهومًا للفن لا يختلف، من الناحية الروحية، كثيرًا عن المذهب السُّريالي. لقد كانت مقاربته شعرية أساساً، تقوم على العاطفة؛ ولذلك، لم يكن يهتمّ كثيراً بالتجريد الخالص، عكس اهتمامه بالتجريد الأكثر غنائية.

تُبيّن فرانسواز نيكول أن الكتابة النقدية لجورج ليمبور تتجاوز التصنيفات: فهو ليس كاتباً متخصّصاً ولا مجرد كاتب بسيط في مجال الفن، ويمكن قراءة مقالاته باعتبارها صدىً لأعماله الشعرية والحكائية. وببساطة، فقد ابتكر جورج ليمبور لنفسه وضعاً أدبياً غير مستقر نهائياً، ممّا ساهم في تخفّيه عن الأنظار… أليس هذا الرفض لاتخاذ موقف محدّد داخل العلاقة الفنية سمةً سُريالية أيضاً؟ إن القيمة التي لا يمكن تحديدها لهذه الطريقة التي نهجها ليمبور في الحديث عن الفن تبدو اليوم أكثر أصالة، لاسيما أنها قد تظل اليوم غير مسموعة في ظلِّ الخطابات المهيمنة للمتخصصين ونقاد الفن، والذين لا يحظون سوى بجمهور ضئيل للغاية. ربما كتَب جورج ليمبور في زمن كان فيه عالم الفن أقلَّ انغلاقاً.

منذ «صالون الخريف» لعام 1945، لم يستطع ليمبور إخفاء ارتياحه إزاء ما أسماه انحطاط السُّريالية، وهو الحُكم الذي جاء سابقاً لأوانه بعض الشيء، وقد أُطلِق استنادًا إلى لوحات لابيس Labisse وحده! كما تتيح قراءة تقرير ليمبور عن المعرض الدولي للسريالية المقام سنة 1947 (غاليري مايغت) — والذي وصَفه بـ«مُنتزَه التّلاعُب» — قياسَ مدى عدم ثقته تجاه مجموعة أندري بروتون. وحتى عندما يتعلق الأمر بِويفريدو لامْ Wifredo Lam أو ڤيكتور برونر Victor Brauner، فإنّه يُبدي تحفُّظاته على الدّوام. لقد كان ليمبور يؤيد أسلوب العرض البسيط، ويرى أن العمل الفني يجب أن يتحدث عن نفسه: فپاپلو پيكاسو، وپول كلي، وجان دوبوفيه، وأندري بودان، وفرناند ليجي، وطالْ كوت، وسوزان روجر، وأحيانًا جان فوتْريي، كلّهم كانوا يحظَون بتقديره. لقد كان ليمبور بارعاً في الطريقة التي يضعُنا من خلالها في حضرة الفنان، وذلك من خلال زياراته المتعدّدة لمَراسم الفنّانين: جيرمين ريشيي، وأُنْري لورون، وألبرتو جياكوميتي، وجورج بْراك، أو أيضاً في مرسم ڤاسيلي كيندينسكي Wassily Kandinsky بعد وفاته. ولا يكلّ عن الدفاع عن أندري ماسون André Masson، صديقَه المخلص الذي كرَّس له العديد من النصوص، محاولاً قدر الإمكان إخفاء ارتباط هذا الفنّان بالحركة السّريالية. وقد كانت لوحات ماسون تشكّلُ، كما تشير فرانسواز نيكول، نموذَجه المثالي.

ها نحن أمام فيلسوف محترف للفلسفة، بل «شاعر يولدُ» (بتعبير ميشيل ليريس)، لا يلجأ بشكل عَلني إلى وضع نظارته النَّظرية في نقده للفنّ؛ فنظرَتُه المتسكّعة، التي تمزق التصنيف الصارم للفنانين ضمن فئات واقعية وأخرى تخييلية، ترحلُ بنا نحو تفاصيل فنّ التصوير انطلاقاً من سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى حدود ستينيات القرن العشرين. لقد قدّم لنا ليمبور النشاط الفني الغني في باريس، دون أن ننسى المعارض الاستعادية التي تُقام في غاليري شارپنتيي Charpentier وفي متاحف العاصمة، أو في مقاطعات (أنتيب، وقصر الباباوات في أڤينيون)، كما لو كان صديقًا يقدِّم رأيه دون تحيّز. صادقاً في مبدئه الأساسي، وهو أنه مُشاهدٌ فقط. هكذا، وبعد سنوات من الإفراط في النظريات، لا يسعُنا إلا أن نبتَهج بما كان يقوله: «أصدقائي الأعزاء، إذا لم نستطع أن نستمتع جيداً بما اكتسبناه من المعرفة، فلا خوفَ مِن أنْ نظلَّ جاهلين».

 

 

المصدر ┋ لقراءة المقال الأصلي

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها