"أدب الرياض والأطفال والفتيان" هو العنوان الذي اختاره الناقد السوري الدكتور سمر روحي فيصل لكتابه الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب مع نهاية سنة 2024، ضمن سلسلة آفاق ثقافية، وقد جمع فيه بين ثلاثة آداب: أدب الرّياض، أدب الأطفال، وأدب الفتيان، بغية القول إنّها آداب مترابطة متكاملة في بناء شخصيّة الإنسان العربيّ، وخصوصاً البناء القيميّ، وإن كانت النّصوص في كلّ أدب منها تختلف عن نصوص الأدبين الآخرين. وقد حرص الكتاب على تحليل الكتابة الأدبيّة، وبيان طبيعة اللّغة والفنّ والقيم والخصائص والتّخييل فيها، سواء أكانت قصصيّة أم مسرحيّة أم شعريّة أم روائيّة، والهدف من ذلك كلّه هو زَجُّ المتلقّي في واقعه بوساطة الأدب، وتنمية لغته ومخيّلته وأحاسيسه الجماليّة، وغَرْس منظومة قيم متكاملة في شخصيّته.
والكتاب يقع في 281 صفحة من الحجم المتوسط، قسمه الكاتب إلى ثلاثة أقسام: أولها خصصه للأدب في رياض الأطفال، وفيه ثلاثة فصول، تبحث في الخصائص اللغوية والأدبية والتربوية، والكتابة الأدبية، وأشكال المسرح وأنواعه في هذه المرحلة. وثانيها خصصه لأدب الأطفال؛ وفيه ثلاثة فصول كذلك، تبحث في ترجمة أدب الأطفال، وقضية الخيال والتخييل فيه، ونماذج من البحوث والكتابات الأدبية الخاصة به. وثالثها جعله لأدب الفتيان، وفيه فصلان؛ يبحثان في الخصائص اللغوية والفنية والنفسية/ الاجتماعية، فضلا عن الكتابة للفتيان، وخصوصاً قضية الموسيقى البارزة في الشعر المسرحي المقدم لهم.
ومن أهم القضايا التي طرحها الكاتب في عمله هذا قضية التكامل بين هذه الآداب الثالثة؛ ذلك أن النظرة الأدبية السائدة تنطلق من اختلاف هذه المراحل، وحاجة كل مرحلة إلى أدب مغاير لأدب الأخرى، وهذا المنطلق صحيح لكنه غير دقيق؛ ذلك أن الانطلاق من اختلاف هذه المراحل يقود إلى ضرورة تقديم أدب صالح لكل مرحلة على حدة، تبعاً لاختلاف مرحلة النمو اللغوي والاجتماعي والانفعالي؛ وللتباين في تلقي الأدب. غير أن الاكتفاء باختلاف المراحل حجب عن الأدباء الحاجة إلى تقديم أدب متكامل. فما يطرحه الأدب في كل مرحلة يجب ألا يناقض ما يطرحه في مرحلة أخرى؛ وإنما عليه أن يكمله، ويرسخه، ويرتقي به. وأبرز الأمثلة على موضوع التكامل وأكثرها خطراً قضية القيم. ذلك أن القيم التي يغرسها أدب الرياض في مرحلة الطفولة المبكرة، يجب أن تتكامل مع القيم التي يطرحها أدب الأطفال، ثم مع القيم التي يطرحها أدب الفتيان، إذا أردنا تقديم منظومة من القيم تتكامل ولا تتناقض تعزز ما سبقها ولا تنفيه، تعمل على بناء شخصية سليمة متوازنة قادرة على التكيف، ولا تسهم في بناء شخصية عصابية متناقضة متمردة على الأخلاق والقوانين. وإلا فإن الأدباء سيبقون يعملون في دوائر مغلقة، تفتقر إلى النظرة الكلية الفلسفية التي نحتاج إليها في الفن والمجتمع والوطن؛ لأنها تسهم في تربية الإنسان بوساطة الفن، وتفهم الأدب على أنه مزيج متقن من الفن والتربية.
لقد حاول الكاتب سمر روحي الفيصل في هذا العمل أن يطرح التكامل بين الآداب الثلاثة - أدب الرياض، أدب الأطفال، وأدب الفتيان- إيحاء وتصريحاً، وجعله هدفاً له، لعله ينبه على النقص الذي نعاني منه، وهو إهمال التأليف لمرحلتي الطفولة المبكرة والمراهقة، والاهتمام الواضح بالمرحلة المتوسطة بينهما، بين السادسة والثانية عشرة؛ تلك المرحلة التي اعتدنا تسمية أدبها (أدب الأطفال). وقد آن الأوان لتعديل هذا الاتجاه الأدبي غير الشامل، بحيث نحقق التوازن الأدبي في التأليف للمراحل الثلاث فنقدم لمرحلة الرّياض أدباً خاصاً بها، يضم نصوصاً تعرّف الأطفال الصغار بالحياة حولهم، غناء وأداء وسرداً، وتغرس فيهم القيم، وتدمجهم في الجماعة وإن صغرت، وبين الأتراب وإن قلّ عددهم.
كما تساعدهم على تفتّح مواهبهم الكامنة وعلى أن يعيشوا في الرّياض أياماً جميلة يتعلمون فيها من خلال اللعب والغناء والتمثيل والمحاكاة. وعلينا أن نحرص في أدب الفتيان على عدم الاكتفاء بالألغاز والمغامرات، فنقدم لهؤلاء المراهقين الذين يمرّون بأكثر مراحل حياتهم دقة وخطراً وتفتحاً، السير العلمية والتاريخية بأسلوب قصصي، ونعرفهم بأحوال رجالات أمتهم في الماضي والحاضر، ونزج بهم في تقنيات العصر ومخترعاته وتخيلاته، ونعرض عليهم الحياة بحلوها ومرها، ونشجعهم على الرحلات والاكتشافات والاعتماد على الذات، وغير ذلك من الأمور التي تهيئهم لمرحلة الرشد، وتبرز مواهبهم، وتعدهم ليكونوا مواطنين صالحين نافعين قادرين على الإسهام في نهضة مجتمعهم وأمتهم.
فالتكامل إذن بين الآداب الثلاثة ممكن كما قال الكاتب إذا حرص الأديب أول الأمر على شيئين، هما تكامل القيم التي يطرحها في نصوصه، ومراعاة المستوى الفني للمتلقي في كل مرحلة من المراحل الثلاث، على أن يكون الفن رائد القيم وليس تابعاً لها؛ لئلا تصبح النصوص الأدبية وعظاً وإرشاداً وتعليماً مباشراً. وإذا كانت القيم تختصر الخصيصة التربوية، فإن الفن يجمع بين الحياة الروحية والاجتماعية معاً، ويقود القيم إلى بناء شخصية سليمة خالية من التناقضات.
والتكامل بين الفن والقيم لا يعني أن نجعل المتلقي في المراحل العمرية الثلاث يعيش حياة سعيدة في حاضره؛ وإنما يعني، في الوقت نفسه، أن هذه الحياة السعيدة تجعل من المتلقي مستعدا لبناء حياة سعيدة مماثلة في مستقبل أيامه، وكأن التكامل يحقق هدفين؛ هدفا مرتبطا بالحاضر، وهدفا آخر مرتبطا بالمستقبل، بحيث يقود الأول إلى الثاني، ويعمل الاثنان على بناء شخصية معافاة للإنسان العربي القادر على الإسهام في تنمية مجتمعه ووطنه.
ولتحقيق التكامل بين الآداب الثلاثة، ومن خلالها تحقيق التكامل بين الفن والتربية، يطرح الكاتب آلية (الخيال)؛ فالخيال كما وضح ليس إبعاداً للمتلقي عن واقعه؛ وإنما هو الوسيلة الوحيدة لزج المتلقي في هذا الواقع؛ لمعرفة مشكلاته، والإسهام في معالجتها، وتقديم الحلول الأدبية لها. وعلى الرغم من أن مهمة الأدب الأساسية جمالية وليست تقديم الدواء للأمراض الاجتماعية؛ فإن الخيال لا أهمية له إذا لم يشعر الطفل والناشئ أن هناك أشياء في مجتمعهما يجب التخلص منها، وأن هناك مظلومين يجب الدفاع عنهم، وإعادة الحقوق إليهم، ورفع الظلم عنهم.
في الختام؛ أكد سمر روحي الفيصل أن العمل مع الأطفال والمراهقين أكثر متعة من العمل مع غيرهم، "لكن هذه المتعة لا تملك جمالها الخاص ما لم يتعرف الأديب طبيعة كل مرحلة من المراحل الثلاث، والمستوى اللغوي للمتلقي في كل منها. وليس من العسير أن نصل إلى هذه المعرفة والمتعة إذا تركنا الارتجال، وبدأنا نتمسك بالعمل العلمي المنهجي، وإن كنا في حقل الأدب والنقد".