مِسْك اللّيْلِ!

ماجدة حسن سلام

أنا الفائزة بالخلاص، أتركه هناك متوشحًا أكفانه وحيدًا في عزلته يتوسد التربة الرطبة، تستوطن الديدان أحشاءه، تغريها رائحته العفنة فتتغذّى وهي تمرح وتلهو. أحلّق في الفضاء متحررة من علائقه وعوائقه، يستأثر بي الحنين إليهم؛ أهبط رغمًا عني مخترقةً كل الحواجز بسرعة استثنائية، أعبر الممر الضيق بخفة تلفّني الروائح التي اعتدت عليها، صِرت أرى ببصرٍ من حديد مَن يسفكون الدماء، ويشعلون الحرائق والفتن، ومَن يغتصِبون وينهبون، يتسابقون بلا أقنعة لإشعال الفتن وغرْس الفساد في البر والبحر، ويتنافسون على استحداث طرق صناعة الفيروسات استعدادًا لحروبٍ بيلوجية مستقبلية، ويخططون لإباداتٍ جماعية، لا أستطيع أن أحصي ما أراه من أسرارٍ، وأهوال. فقدتُ حاسة النطق مثلكُم عندما أدركت أن الواقع صار مفزعًا بشكلٍ يفوق الخيال، وأنكم تلتزمون الصمت وتحرصون على الرؤية المحدودة بالعين المجردة لا تعلمون بما ستصير إليه أحوالكم؛ ستفتح بطون القبور لتلتهِم جثامين آلاف الموتى ولن تغلق للأبد.

أين ثأري؟ أنا المعذبة في رقدتي، المنذورة للغدر والقهر، ألهثُ خلف ثأري، تحملني الريح في مساءاتٍ حالكة الظلمة، أتجول في الشوارع والأزقة والحواري. بيتنا القديم يلفّه السكون إلا من حفيف أوراق الأشجار، أهبط وأطوف بأرجائه، الهواء ينثر رائحة زهور "مِسك الليل"، أعلى الحائط مِن خلف الإطار الصدئ تطِل عليّ وجوههم، أمّي تحمل أختي الصغيرة، وأبي يُطوّقها بذراعيه، أمّا أنا فكنت أحاول أن أتوارى خلفهم، التقطَت العدسة نصف وجهي بعين تشع حزنًا. لم يكن أبي في حجرته؛ أعرف أنه يتَسلل في نصف الليل حافيًا كعادته تاركًا آثار قدَمين متشققتين على الطرقات وأرصفة الشوارع، يسطو على مخلّفات قطارات السكك الحديدية القديمة، ويجمع مخلّفات المصانع المستهلَكة، وعند الشروق يسابِق لنبش حاويات القمامة، يجمع العلب الفارغة وقاروراتِ المياه ليبيعها لمن زوّجني له عنــوة.

أمّي تشق زجاج الإطار، وتغادر الصورة وحدَها، أراها حين كانت تفترش ضوء القمر المنبسط على عتبة دارنا، وأنا وأختي بجوارها، والصغار ملتفّون حولنا. نسيم الليل يرخي جفوني، أريح رأسي على كتفها، أقاوم النوم وأنا أتأملها وهي تجعّد جبينها ثم تُضيّق عينيها، تتلفّت حولها بخوف؛ فنبحث معها عن الأشباح وأشرار الحكايات التي تقصّها علينا، نترقب مصير الحمار المذنب، وهي تقلّد نهيقه وتسقِطه فجأة في البئر جزاءً لقَسَمه الكاذب، تلك السقطة التي حرمت عليّ الكذب، تقطع أيدي اللصوص فيتحسس كل مِنا يديه وأصابعه، تشعل النيران فيمن لا يؤدي الفرائض، تغرق مَن تَجَني على أخيه وقذفه بحجرٍ فسالَ دمه؛ أتكوم في صدرها وتنهمر دموعي وأنا أتوسل إليها: علّميني كيف أصلّي وأصوم يا أمّي. أقترِب من وسادتها، أنحني عليها أقبّلها، أهزّها برفق.. إنها تتأوّه، يبدو أنها تعاني كابوسًا. أضمّها إلى صدري، تستيقظ منتفِضة، ضوء المصباح يلقي بظلها علي الحائط، وأنا لا ظِل لي، تتلفّت حولها ترفع رأسها نحو الضوء تفتش عمّن أيقظها.. عني، أمي تشعر بروحي التي تطوف حولها؛ تتمتم ودمعها ينهمر: روح ابنتي معذبة في قبرها، غدًا سأذهب لزيارتها.

تتغير المَشاهد سريعًا، فأراني بين تلك الجدران التي تعلم سِر اغتيالي، يتردد في أذني صفيرٌ حاد لا ينقطع، أطوف في أرجاء بيته حيث كنت أنا والليل وهو والألم الذي يطحن رأسي، أنتبِه من شرودي، أرتجِف، أصير جمادًا مثل قِطع الأثاث الكلاسيكية، الستائر منسدلة مذيّلة بالنقوش الذهبية، تحجب عني ضوءَ القمر، والنجوم، ونسيمَ الفجر المعطر بالحرية. الثرَيات المتوهجة تلقي بضوئها عليه، ملامحه تتعرّى، تصير بلا قناع.. أتبين الحوَل في عينيه، ووجهَه المتغضن، جبهته المجعدة، وحاجبيه العريضين، وشاربه الأسود الكثيف يتمدد مع شفتيه بابتسامةِ مَن استأثر بفريسته.. لم أكن أدقق النظر في وجهه من قبل؛ فلست أهتم بالتفاصيل. في يوم خِطبتي حلمت بالحب والأمان والسكينة، وبأطفال يشبهون أمّي في جمالها، تذوقت سعادة الوهم، كنت أظن أن الأحلام متاحة، كذّبت أبي وظننت أنه يبالغ في الخوف من غدرِه وهو يحذّرني: سيحرق وجهك!

لم أتخيل أن ينفّذ تهديده حين فوجئت به يندس بين الحضور والزجاجةُ في يده، ونجوت بمعجزة. تركت دراستي، هجرت مَن تمنيت الزواج منه. أذكر أول ليلةٍ لي معه، كان يقترب مني لاهثًا يترنح، لطخات حذائه الطينية تطمس زهور البساط الأزرق المتناثرة حول حوافه بإتقان، رائحة السكْر تفوح من فمِه، الأثاث يدور مِن حولي، الثرَيات تهتز، أكاد أسقط، أحاول أن أتشبّث به؛ أجدني أدفعه عني برفق وأنا أنظر للأعلى، يجذبني إليه بعنف فيقذف في قلبي الرعب، أقاومه بما تَبقى لي من قوة، وبقلبٍ نابضٍ بالكرْه وبالأنين يمزق ملابسي، يعرّيني أمام العالم كله، عالم يتجاهلني، لم يبالِ بي يومًا، لم تأخذه بي رحمة ولا شفقة، يدهس حبات اللؤلؤ المتناثرة أسفل قدميه، يقترب، يطوّقني فأنهره، أصارع لأفلِت من قيده، يطرحني بكل قوته على الفراش. عيناي تقذفان شررًا في عينَي رجلٍ خمسيني، ينفلت بياضهما عن سوادهما، أسمع صرير أسنانه وهو يتأهب لافتراسي، خناجر يديه تنغرس في جسدي، وصراخي أسير صدري والخجل والوصايا، كُرْهي له وللعالم يتنامى، وقوّتي تخذلني، أركله.. يلطمني حتى يسيل الدم من فمي، يستأنف هجومَه، استغرق اغتياله عمرًا بأكمله دون أن يشعر بي أحد لينقذ ما تَبقى مني، ماذا تفعل عندما تصير وحيدًا في مواجهة عدوّ يستعبدك ويتحكم في مصيرك؟ عدوّ يقتلك بدمٍ باردٍ تحت بصر العالم وسمْعِه!

جاء الفشل حليفه في كل مرةٍ حاول فيها، فأخذ يقذفني بالباطل ليواري عجزَه، يروّعني بثورة غضبِه وتهديده، أنكَب على قدميه بدموعي المنهمرة متوسلة: أقسِم لك لم يمسسني بشرٌ قبْلك. يغريه ضعفي وقِلة حيلتي وهواني على أعز الناس، يستنشق رائحة ذلّي وانكساري، أمكّنه مني فيحاول مرةً ومراتٍ أخرى.. أخيرًا نهش براءتي، وسكب سمومَه في شراييني، ولوّن بالأحمر القاني سنواتِ عمري العشرين. دمي المهدور ينهمر بلا انقطاع، أراه يتخثر على بلاطات المشفى، أنطفئ، أطوف في الظلام حول مَن فارقتهم وانفضوا مِن حولي بعدما شيّعوني، ومَن التقيت بهم هُناك وما زلت أنسل من بينهم بحثًا عن ثأري.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها