يُطلُّ من مسلسل Equinox تجلٍ عميق يمثله الحد الفاصل بين الخير والشر، العتمة والنور، حيث يمثل الاعتدال الربيعي نقطة الكمال بين هذه الثنائيات المتنازعة. ففي الغابات الدنماركية تُستحضَر الأسطورة في قصة اختفاء جنائي لحافلة طلاب في العام 1999، لتبدأ معها رحلة بحث (أستريد) العالقة بين مسارين، مسار البحث عن أختها المفقودة -ضمن المفقودين– بمنطق البحث الجنائي والشواهد والدلائل المادية، والذي يمثله الأب الصامت، الهادئ في انفعاله وخطواته. ومسار البحث الماورائي بمنطق الميثولوجيا الذي يرى البشر أشياء تخص آلهة قديمة ما زالت شهيتها مفتوحة للقرابين، وتمثله الأم الغارقة في أحزانها وسلوكياتها غير المنطقية والعقلانية.
يعتمد المسلسل على بناءٍ سرديٍ مزدوج، يتنقل بين خطين زمنيين. الزمن الأول (1999) وهو يمثّل زمن الاندفاع الغريزي لطلبة الثانوية، وتفاصيل حياتهم والعلاقات التي ربطتهم والطقوس الغامضة التي أحاطت بهم، بينما الزمن الثاني (الحاضر) هو زمن (أستريد) المثقلة بالتمزق النفسي، فهي لا تتحرك للأمام. لا تستطيع أن تكون أمًّا أو زوجةً أو موظفة في إذاعة، لا تستطيع إلّا أن تكون صدىً مشوّهًا لماضٍ بقيَ غامضاً. فتركت خلفها كل شيء لتتابع خيوط قضية اختفاء شقيقتها، محاولةً فهم ما حدث لها قبل 21 عاماً.
يتقاطع الزمنان كخطين سرديين وجوديين. وجود البراءة العقلية والوعي البسيط التلقائي لدى جيل طلاب الثانوية في العام 1999، الذي لا يملك إلّا أن ينصاع لإيقاع الطبيعة. ووجود الحاضر المأزوم بالوعي والمنطق الذي تعيشه (أستريد) بمحاولاتها تفسير الحياة بالأدلة العقلية، لكنها في ذات الوقت تظل مشدودة للوعي الجمعي الذي يفرض الأسطورة كحقيقة لا تقبل الشك. وهذا الانقسام بين الزمنين هو انقسام بين الغريزة والعقل، ويبرز الاعتدال الربيعي بين الزمنين رمزًا للتوازن في شخصية (أستريد). لكن المسلسل يريد منّا أن نقرأ الصراع بوصفه اكتمالًا في جوهر الوجود.
ويمكن قراءة استحضار أسطورة (إيسترا) وهي آلهة جرمانية قديمة مرتبطة بالربيع، باعتبارها هي من تُعيد الحياة إلى الأرض بعد الشتاء الطويل؛ أي لحظة الاعتدال (الاكتمال) بين الثنائيات المتنازعة. لكن المسلسل ينزع عن الأسطورة ثوبها الوديع، فملك الأرانب في المسلسل يمثل (المفارق المتعالي)، من يحمل قوة الطبيعية التي تطالب باستعادة التوازن عبر التضحية، وهو ما فعله ويفعله مع الآلهة (إيسترا) كحدث دوري طقوسي كل (21) سنة. وقد تكرر بأحداث المسلسل الرقم (21) بوصفه رمزًا للدورة المقدسة المرتبطة بالاعتدال الربيعي. وربما تُشير هذه الشخصية (ملك الأرانب) إلى أن الطبيعة ليست سوى (إرادة) بمفهوم شوبنهاور، وهي من تفرض شروطها القاسية التي مثّلت (التضحية) في المسلسل لغاية البقاء والتوازن.
وإذا أردنا تجسيد الإرادة النيتشاوية التي تجاوز فيها أستاذه شوبنهاور، من إرادة البقاء إلى إرادة القوة، القوة المتجددة عبر الفناء نفسه، فتصبح التضحية جزءًا من دورة الخلق، والطقس –وإن كان دمويًا– يعمل على استعادة التوازن (الاعتدال الربيعي)، وهذا الاعتلال الوجودي لا يظهر بوصفه شرًّا محضًا في منطق الأسطورة، بل هي كمالٌ، أو بتعبير بروتوغوراس السفسطائي (أن هناك انسجامًا خفيًا بين الثنائيات المتناقضة، وهي من تُشكّل العالم). ومن خلال هذه القراءة يمكن قراءة (أستريد) كجزء من حركة كونية تتجلى في إرادة الحياة الخلّاقة. التضحية شرطٌ للولادة، وقبولها أن تكون قربانًا لـ(ملك الأرانب) يعني الانخراط في دورة الخلق التي تعيد التوازن (الاعتدال الربيعي)، وهي لحظة الانسجام الخفية التي جسّدها المسلسل في لحظة إبداعية متميزة و(أستريد) ذاهبة لتقدم نفسها كقربان وهي تلبس رداءً أبيض والابتسامة تغطّي ملامحها، فتلتقي بشقيقتها وتعانقها ثم تذهبان معًا نحو الفناء. هي اللحظة العبقرية التي خُتم بها المسلسل.
تجسّد شخصية (أستريد) إشكالات معاصرة للإنسان الحديث الذي يعيش صراعًا في منظومة التفكير بين العقلنة والميتافيزيقا، يمثّل ذلك الرغبة في تفسير ما حدث لشقيقتها عبر الأدلة الجنائية المادية، وبين الانجذاب غير العقلاني لعالم الأسطورة، وهو ما تمظهر في أحداث عدّة داخل سردية المسلسل. فأستريد تعيش حالة من الانقسام النفسي بعد صدمتها الأولى بفقدان شقيقتها وهي طفلة، إذْ غرقت داخل دوّامة الكوابيس والرؤى المرتبطة بالحالة الطقوسية، وكأنها جزء لا ينفصل عنها، وأمها التي تحاول إذكاء ذلك فيها. وبالمقابل تفاعلها مع الأب الصامت الذي واجه المأساة بالصمت وضبط الانفعال، إلّا أن ذلك كان يؤلمها، وهو ما عزز انجذابها للأسطورة. في النهاية –التي قد تبدو محبطة- انغمست (أستريد) في الطريق الذي حاولت كثيرًا الهرب منه، استجابةً لحنين الإنسان للميتافيزيقا. ويمكن فهم شخصيتها في سلوكها المنجذب نحو الأسطورة، من خلال ما كتبه (كارل يونغ) عن اللاوعي الجمعي الذي يفرض أنماطه البدائية على الوعي الحديث، على اعتبار أن الأساطير يمكن قراءتها على أنها صور نفسية تعود بصور مختلفة لتذكّر الإنسان بجذوره العميقة.
والناجون الثلاثة من مأساة اختفاء طلاب الثانوية عام 1999، يمكن قراءتهم كأطياف مشوّهة لطقسٍ تم وأده. هؤلاء الثلاثة يشكل كل واحد فيهم احتمالًا من احتمالات المصير المهزوم أمام الدورة الكونية التي لا ترحم:
1. الفتاة عاشت عزلة في منطقة نائية، أسيرة للماضي الذي لن تنجو منه، وهو ما يفسر نوبات الهلع المتكررة التي تأتيها، وهو ما يعني استقرار الرموز القديمة في أعماقها، وستبقى تلاحقها مهما ظنّت أو ظنَّ الآخرين أنها نجت من الطقس أو الحادثة.
2. الفتى الذي كان يراقب (أستريد)، ابتلعته الأسطورة، كان مجنونًا، يعيش في الظل، مترقّبًا، يظنُّ بأن الدورة الكونية تراقبه، مستسلمًا لإرادتها، يرى (أستريد) القربان التالي، وحين أخبرها بذلك –بطريقة ما– ألقى بنفسه في سكّة حديدية، كأن غايته انتهت.
3. الفتى الآخر الذي كان يواعد شقيقة (أستريد) وانتحر في (مراكش)، هو شخصية محورية في المسلسل، وهو أول الغرقى في دوّامة الأسطورة، كان يرى منذ البداية، أن حياته وحياة الآخرين، محكومة بإرادة خارجية، وهو ما يفسر وشمه تاريخ وفاته، وهو اليوم الذي انتحر فيه، واللعبة التي كان يلعبها مع رفاقه الثلاثة، وحدد فيها مصير الثلاثة وهي صائبة في سردية المسلسل، واتصاله الأخير مع (أستريد) كان أشبه باعتراف آخر، بأن السر الذي لا يستطيع أن يبوح به –حتى في التحقيقات الجنائية– بأننا جزء من دورة كونية لا انفكاك منها.
و(أستريد) وحدها من انخرطت في الطبيعة كجزء من اكتمال (الاعتدال)، حين مضت في النهاية لتصبح قربانًا واعيًا تكتمل بها الدورة الكونية.

هذا المسلسل تجاوز الدراما البوليسية، واستطاع توظيف الرمز والأسطورة توظيفًا ذكيًا وعبقريًا. فالاعتدال الربيعي، بما يحمله من توازن بين الثنائيات (الصيف والشتاء) واستحضار أسطورة (إيسترا) بوصفها الباعثة للحياة بعد الشتاء الطويل. كأن الحياة محكومة بدورات لا نهائية من الصراع (بالمعنى السطحي للحياة)، فهي بالمعنى العميق الذي يراد لنا أن نفهمه من المسلسل، إن هذه الصراعات يكمن في كينونتها انسجامٌ خفي (الاعتدال الربيعي).
وشخصية (أستريد) التي جسدت ببراعة هموم الإنسان المعاصر العالق بين المنطق والخرافة، والمعنى في انتصار الخرافة على العقل والمنطق يتكشّف شيء من خلاصة التجرِبة الإنسانية التي ما زالت مقيّدة بالوجود وصراعاته الأبدية التي لا تملك السيطرة عليها. وإن قبولها كقربان هو استسلام لهذا الإيقاع الكوني الكبير. بهذا المعنى، تصبح (أستريد) صورة الإنسان الذي يتشكل في التوتر والصراع الوجودي (الحرّية كعبء، واللا وعي الجمعي كشعور آمن).