تُعدّ خماسية "مدن الملح" لعبد الرحمن منيف عملاً روائياً شاهقاً لا يستمد قيمته النقدية من طرحه السياسي والاجتماعي فحسب، بل من براعته في توظيف بنية سردية ملحمية متسعة، احتضنت شخصيات عميقة التكوين، على رأسها شخصية متعب الهذال، الذي يمثل نقطة التقاء السرد بالتاريخ والمقاومة بالرمز.
البنية السردية: تكسير الزمن واحتواء التاريخ
يواجه منيف تحدي رصد تحول تاريخي ضخم يمتد عبر أكثر من سبعة عقود، يتطلب إطاره السردي أدوات خاصة تتجاوز الرواية التقليدية:
1. الملحمية والبناء الخماسي
إن اختيار منيف لـ"البناء الخماسي" (التيه، الأخدود، تقاسيم الليل والنهار، المنبت، بادية) لم يكن ترفاً كمياً، بل ضرورة بنيوية لاحتواء المرحلة التاريخية والاجتماعية بأكملها. هذه البنية الملحمية تتيح:
تعدد المستويات الزمنية والمكانية: الانتقال من بساطة وادي العيون المعزولة زمنياً إلى تعقيد مدينة حران وتوسعها اللامحدود مكانياً.
العمق في رسم الشخصيات: متابعة تطور الشخصيات وتصدعها عبر الأجيال (جيل متعب الهذال، فواز، وصولاً إلى جيل العمال والمثقفين)، مما يجسد مفهوم التحول الجذري للمجتمع.
السرد البانورامي: يتبنى منيف منظوراً أشبه بمنظور المؤرخ، حيث يزاوج بين السرد الشامل الذي يغطي حركة القبائل والسلطة، والتركيز الجزئي على المعاناة الفردية للشخصيات.
2. لعبة الزمن وتكثيفه
يعتمد السرد على تقنية "تكسير خطية الزمن" لخدمة الرؤية النقدية.
الزمن الدائري في البداية: يُظهر منيف في الجزء الأول (التيه) زمناً دائرياً أو راكداً لوادي العيون، حيث الحياة تتكرر والأنماط مستقرة.
الزمن المتسارع والزلزالي: لحظة وصول الأمريكان واكتشاف النفط تخلق "زمناً زلزالياً" متسارعاً. هذا التسارع في البناء والتمدن يخلق هشاشة المدن، مؤكداً فكرة أن المدن التي تُبنى بسرعة الثراء تفقد عمقها وذاكرتها.
3. الواقعية السحرية كأداة سردية
يُوظف منيف تقنية الواقعية السحرية ليس كزخرفة فنية، بل كأداة سردية لنقل معنى أعمق. اختفاء متعب الهذال ليس هروباً واقعياً، بل "نفي نبوي" ورفض رمزي للعصر الجديد. هذا الخرق للواقع يمنح السرد القدرة على التعبير عن اللاوعي الجمعي، وإحساس الناس بالضياع (التيه) أمام قوة التغيير الكاسحة.
متعب الهذال: المقاومة بين الواقع والرمز
إذا كانت البنية السردية هي الوعاء الملحمي، فإن متعب الهذال هو ضمير الرواية والمحرك الرمزي لمقاومة التغيير القسري.
1. الرمزية والأسطورة
تبدأ شخصية متعب كـ شيخ بدوي تقليدي، لكنها تتحول تدريجياً إلى "شخصية أسطورية" تقف بوجه القوة الغازية (الأمريكان) والسلطة المتبعة.
الرفض المطلق: رفضه بيع الواحة أو المساومة عليها هو رفض لتبادل الأرض بالمال والقيم بالامتيازات.
التحول الأيقوني: اختفاؤه على ظهور ناقته وارتفاعه كطائر أبيض، كما وصف منيف، يجعله أيقونة المقاومة. إنه لا يموت، بل يغادر الواقع ليبقى ضميراً معلقاً وطيفاً يظلل الأحداث، منتظراً عودة الوعي والمقاومة.
2. الهذال كـ"تاريخ مضاد"
متعب ليس مجرد شخصية تراجيدية، بل هو "التاريخ المضاد" الذي يواجه التاريخ الرسمي للسلطة والثروة. يمثل متعب الذاكرة الأصيلة والميراث الثقافي للصحراء. بينما يمثل الشيخ خريبط/فنّر (رموز السلطة) الذاكرة المصطنعة والتاريخ الذي كتبته صفقات النفط. إن اختفاء متعب يعني اندثار صوت المقاومة الأصيلة، لكن بقاء طيفه يعني أن البذور موجودة في الذاكرة الجمعية وتنتقل إلى الجيل التالي (مثل فواز ومقبل) لإكمال دورة الصراع.
3. متعب والإحساس بالتيه
متعب الهذال يجسد الإحساس العميق بـ التيه الحضاري والروحي. فالتيه ليس مجرد ضياع في الصحراء، بل هو:
◅ تيه القيم: ضياع القيم البدوية الأصيلة أمام قيم الاستهلاك والمال.
◅ تيه المكان: فقدان الجذور في الأرض وتحول الأماكن المألوفة إلى "مدن غريبة" لا يمكن التعرف عليها.
الخلاصة:
تنجح "مدن الملح" في أن تكون ملحمة نقدية بفضل توظيف بنية سردية مرنة تجمع بين التوثيق والتخيل، والواقعية والأسطورة. وتتجسد قوة هذا الإطار في بطلها الرمزي متعب الهذال، الذي يتحول من شخصية إلى ظاهرة نقدية تعكس الصراع الأبدي بين الأصالة والتبعية، وبين الذاكرة والنسيان. يظل متعب هو السر الذي لم يُحل، والوعد الذي ينتظره القارئ العربي لعودة الوعي والمقاومة.
سِيّافة المِلح والظِل: مدن منيف بين الملحمية واختفاء متعب الهذال
هل الرواية تاريخ آخر؟ هذا السؤال الوجودي يُطرح بإلحاح كلما عُدنا إلى خماسية "مدن الملح" (1984-1989) لعبد الرحمن منيف. لا يمكن قراءة هذا العمل باعتباره مجرد سرد للأحداث، بل كـ ملحمة تأسيسية مضادة تُشيّد تاريخاً بديلاً، مسكوتاً عنه، للمجتمعات العربية بعد اكتشاف النفط. ينجح منيف في هذا الصرح السردي الشاهق في المزج بين متانة البنية الملحمية وسلاسة الصوت الرمزي، الذي يجد تجسيده الأعمق في شخصية متعب الهذال. إنها رحلة نقدية لا ترصد تحول الجغرافيا فحسب، بل تصدُّع روح المنطقة في مواجهة "الزلزال" النفطي.
الخاتمة المؤثرة:
تظل "مدن الملح" عملاً نقدياً يتجاوز حدود الجغرافيا والزمن، فهي لا تقدم إدانة للواقع فحسب، بل تُقدم تحليلاً معمقاً لآليات التصدع الحضاري. من خلال البنية الملحمية الواسعة، والصوت الرمزي لمتعب الهذال.. يؤكد منيف على أن الانهيار الأكبر ليس انهيار الاقتصاد، بل انهيار الذاكرة والقيم. إن هذه المدن، المشيدة من الملح، تبقى شاهداً أدبياً على أن المدن التي تُبنى بلا جذور محكوم عليها بالذوبان، وأن المقاومة الحقيقية تكمن في الحفاظ على هذا الظل الرمزي الأبيّ، ظل متعب الهذال، في زمن التيه.