أديبة أثبتت وجودها على الساحة الثقافية بجدارة، فتألَّقت نجمة متميِّزة في عالم الإبداع السردي ضمن انطلاقة جائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية لعام 2026، وذلك بمشاركتها في مجموعتها القصصية "كحل أثمد". إنها الدكتورة "فاطمة المزروعي" التي استطاعت توظيف القصة ليست كمرآة للواقع كما هو، بل أحكمت ربطها بالخيال المُتَّقد من جهة، وبالتراث الأصيل من جهة الأخرى.
وقد أجرينا معها الحوار التالي لمجلة الرافد الرقمية.
✦ "كحل أثمد" عنوان مجموعتك القصصية الفائزة بالجائزة. ما الدافع الذي حملك على اختيار هذا العنوان، ولماذا؟
عنوان "كحل أثمد" لم يكن اختياراً عابراً، بل جاء بعد تفكير طويل في طبيعة النصوص التي تضمها المجموعة، والروح التي أردت أن تصل إلى القارئ. الكحل في الثقافة العربية والخليجية تحديداً ليس مجرد زينة، بل يحمل دلالاتٍ جماليةً وتراثية وروحية أيضاً. أما "الأثمد" فهو نوع أصيل من الكحل ارتبط بالمرأة العربية القديمة، وبالذاكرة الشعبية، وبالطقوس اليومية البسيطة التي تحمل الكثير من الحميمية.
كنت أبحث عن مفردة تختصر العلاقة بين الجمال والذاكرة والتراث. قصص المجموعة تنطلق من تفاصيل الحياة الإماراتية القديمة، ومن الشخصيات البسيطة التي تبدو عادية لكنها تحمل عالماً داخلياً ثرياً. لذلك شعرت أن "كحل أثمد" يختصر هذه الحالة؛ شيء صغير في الظاهر لكنه يحمل عمقاً تاريخياً وإنسانياً كبيراً.

✦ "كحل أثمد" يعبق بالتراث الإماراتي الجميل المتميز بتفاصيله الدقيقة. فهل أفقدت الحضارة والتطور بطرق العيش وأدواته نكهة ذلك التراث أم ما يزال محافظاً على ذاته وسط معمعة التجديد المتسارعة؟
الحضارة والتطور أمران طبيعيان ولا يمكن الوقوف ضدهما، بل إنهما ضرورة لاستمرار المجتمعات وتقدمها. لكن المشكلة ليست في التطور نفسه؛ وإنما في الطريقة التي نتعامل بها مع ذاكرتنا أثناء هذا التطور. هناك شعوب استطاعت أن تصبح حديثة جدّاً دون أن تفقد هويتها؛ لأن الإنسان فيها ظل مؤمناً بقيمة تراثه وثقافته.
في الإمارات، أرى أن هناك وعياً كبيراً بأهمية الحفاظ على التراث، سواء من خلال المؤسسات الثقافية أم المهرجانات أو حتى المناهج التعليمية. لكن رغم ذلك يبقى التحدي قائماً؛ لأن إيقاع الحياة الحديثة سريع جدّاً، وقد يجعل الأجيال الجديدة أكثر ابتعاداً عن تفاصيل الماضي.
التراث ليس مجرد ملابس أو أدوات قديمة نحتفظ بها في المتاحف، بل هو طريقة تفكير، ونظام قيم، وذاكرة جمعية. حين نتحدث عن التراث الإماراتي فإننا نتحدث عن الكرم، والتكافل، وعلاقة الإنسان بالبحر والصحراء، وعن الأغاني الشعبية، والحكايات، واللهجة، وحتى الأمثال اليومية. هذه الأشياء إذا فقدناها سنفقد جزءاً من روحنا.
✦ تنوعت إبداعاتك في أجناس أدبية مختلفة: الشعر، القصة، الرواية، المقالات… هناك من يرى أن التنوع يشتت إبداع الكاتب ويربكه. كيف ترين الأمر؟
أنا أرى أن الكتابة في جوهرها حالة تعبير، أما الأجناس الأدبية فهي مجرد أدوات مختلفة لهذا التعبير. أحياناً تأتي الفكرة في شكل قصة قصيرة، وأحياناً تحتاج إلى مساحة الرواية، وفي لحظات أخرى لا نستطيع التعبير عنها إلا بالشعر. لذلك لا أحب أن أضع نفسي داخل قالب واحد.
التنوع بالنسبة لي ليس تشتيتاً، بل مساحة حرية. الكاتب الحقيقي يجب أن يكون قادراً على اكتشاف صوته في أكثر من شكل أدبي، بشرط ألا يتحول الأمر إلى استعراض أو كتابة سطحية. المهم هو الجودة والصدق، وليس عدد الأجناس التي يكتب فيها الإنسان.
علّمني الشعر التكثيف والحساسية العالية تجاه اللغة، والقصة القصيرة علّمتني الاختصار في الحياة والدقة، بينما منحتني الرواية فرصة أوسع لبناء الشخصيات والعوالم. حتى المقالة لها دور مهم؛ لأنها تجعل الكاتب أكثر قرباً من الواقع والأسئلة اليومية. لكل نوع أدواته وتقنياته وشروطه الخاصة. لذلك فإن التنوع لا يكون ناجحاً إلا إذا جاء نتيجة تجربة حقيقية وقراءة واسعة وصبر طويل.
✦ ما رأيك في انطلاق جائزة المرأة الخليجية سنوياً، وماذا تعني لك بشكل خاص؟
أي جائزة ثقافية جادة تمثل إضافة مهمة للمشهد الأدبي؛ لأنها تخلق حالة من الحراك وتشجع الكتّاب على الاستمرار والعطاء. أما حين تكون الجائزة مخصصة للمرأة الخليجية تحديداً؛ فإنها تحمل بعداً إضافياً مهماً؛ لأنها تسلط الضوء على تجربة المرأة الكاتبة في المنطقة، وتمنحها مساحة أكبر للحضور والتقدير.
المرأة الخليجية اليوم أثبتت حضورها بقوة في مجالات الثقافة والفكر والإبداع، ولم تعد مجرد صوت هامشي كما كان يُنظر إليها في فترات سابقة. لدينا اليوم كاتبات يقدمن أعمالاً عميقة ومؤثرة، ويستطعن منافسة الأسماء العربية الكبيرة بكل جدارة.
الجائزة بالنسبة لي ليست مجرد تكريم شخصي، بل رسالة معنوية تؤكد أن ما نكتبه يصل إلى الآخرين ويترك أثراً. الكاتب غالباً يعيش في عزلة طويلة مع نصوصه، وقد يمر بلحظات شك وتساؤل حول قيمة ما يقدمه، لذلك تأتي الجوائز أحياناً لتمنحه دفعة جديدة من الثقة والمسؤولية. كما أن الجوائز تساعد على وصول الأعمال الأدبية إلى قراء جدد، وهذه نقطة مهمة جدّاً.
✦ لا بُد أنك تمتلكين ثقافة كبيرة مستقاة من اطّلاعاتك الأدبية المتنوعة. فمن هم الأدباء الذين تركوا عندك أثراً لافتاً سواء على الصعيد العربي أم العالمي؟
القراءة بالنسبة لي ليست ترفاً، بل جزء أساسي من حياتي وتكويني كإنسانة وكاتبة. تأثرت بكثير من الكتّاب العرب والعالميين، وكل مرحلة عمرية كانت تقودني إلى أسماء مختلفة.
على المستوى العربي، تأثرت كثيراً بنجيب محفوظ، ليس فقط بسبب قدرته الكبيرة على بناء العوالم الروائية، بل لأنه استطاع أن يحول الحارة المصرية إلى عالم إنساني شامل يفهمه الجميع. كما أحببت أعمال الطيب صالح لما فيها من عمق شعري وإنساني، وغسان كنفاني الذي كان قادراً على تحويل الألم إلى أدب حي ومؤثر.
في الشعر، تأثرت بمحمود درويش، خصوصاً في طريقته في تحويل اللغة إلى مساحة جمالية وفكرية في الوقت نفسه. وهناك أيضاً أدباء خليجيون وإماراتيون تركوا أثراً مهماً في تجربتي؛ لأنهم كتبوا عن البيئة التي أعرفها وأشعر بها.
أما عالمياً، فقد أحببت أعمال دوستويفسكي كثيراً؛ لأنه يغوص عميقاً في النفس البشرية، ويكشف تناقضات الإنسان وضعفه وأسئلته الوجودية. كما تأثرت بغابرييل غارسيا ماركيز وعالمه السحري الذي يمزج الواقع بالخيال بطريقة مدهشة. لكنني أؤمن أن التأثير الحقيقي لا يأتي من الكبار المشهورين فقط، بل من كل كتاب نقرأه في الوقت المناسب. أحياناً تقرأ نصاً بسيطاً في مرحلة معينة من حياتك فيغيّر طريقة رؤيتك للعالم بالكامل.

✦ كلمة أخيرة حول الجائزة والقائمين عليها:
أود أولاً أن أتوجه بالشكر العميق إلى القائمين على الجائزة؛ لأن دعم الثقافة ليس أمراً سهلاً، بل يحتاج إلى إيمان حقيقي بقيمة الأدب ودوره في بناء الإنسان. الجوائز الثقافية الجادة تمنح المبدعين شعوراً بأن هناك من يقدّر تعبهم الطويل وعزلتهم وأسئلتهم.
كما أعتقد أن استمرار مثل هذه المبادرات يسهم في خلق بيئة ثقافية أكثر حيوية، ويشجع الأجيال الجديدة على القراءة والكتابة والحلم. نحن بحاجة دائمة إلى مشاريع تحتفي بالكلمة الجميلة، خصوصاً في زمن أصبحت فيه السرعة تطغى على التأمل.