يلامسُ مفهومُ المثقف معاني اللفظ ودلالاته في اللغة العربيّة المتعلّقة بالتغيير والتقويم والتعلّم، فـ: ثَقِفَ الشيء: حذقه، سرعة التعلّم، الظفر به، ومن هنا يحدّد معنى الآية القرآنيّة: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم{. وفي معاجم حديثة، المثقّف: من له معرفة بالمعارف، ثقّف التلميذ: هذّبه وربّاه وعلّمه ودرّبه، والنخبة المثقفة: أهل الفكر والثقافة الذين يثقّفون المجتمع بقيم متجدّدة (القاموس للفيروزآبادي، والمعجم الوسيط، مادة ثقف).
ويُفترَض أن يجمع المثقّف بين المعرفة والعلم والعمل والأخلاق، وتقاس فاعليته بحجم دوره الاجتماعيّ المرتكز على رسالة ينتصر فيها للقيم الساميّة؛ إذْ يتحمّل المشقّات والمكاره ليحارب الشرور السائدة في مجتمع يتواطأ أفراده على إدامة الكذب والقهر والاستغلال، فيكتسب المثقف -حينئذٍ- سلطة عبر إسهامه مع القوى الناعمة التي تسهم في تغيير حالة الوعي القيمي والسلوكي؛ لتكوين الأنساق الثقافية المجتمعية عن طريق الفنون والعلم والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في أثناء مرحلة زمنية طويلة نسبيًا.
وتتجاوز فاعلية المثقف العيوب المجتمعيّة النسقية السائدة التي يرسّخها عادة التجار الفاسدون والموظفون الأداتيون ورجال الدّين والقادة السياسيون، ويسعى في رسم ملامح قيم جديدة، وقد رأى غرامشي ضرورة خلق نخبة لبلورة وعي ذاتي نقديّ، وبالطبع هذا الوعي لن يسقط من السماء، بل تصنعه كتلة بشرية تهتم بالفكر، التي "لا تصبح كيانًا قائمًا بذاته ما لم تنظّم نفسها بالمعنى الواسع للكلمة، ولا تنظيم بلا مثقفين؛ أي بلا منظّمين وقادة" (غرامشي، كراسات السجن3، ص: 13). كما أكّد غرامشي على ضرورة وجود متخصّصين في الصياغة المفهومية والفلسفية للأفكار، ومن ثَمَّ ينجح المثقف في توليد وتشييد علاقات فاعلة في الكيان الاجتماعي الذي ينتمي إليه؛ بما يحقق تغيير العقول وعقلنة المجتمع.
كما يستبطن مفهوم المثقف وجود هُوية ملازمة للمشتغلين في التثقيف والمثاقفة، هُوية تسمح لصاحبها بالدخول في كيان المثقفين الذي يستوعب فريقًا أو جماعة أو نخبةً تضمّ أفرادًا يحملون سماتٍ مشتركةً وأبعادًا تجميعية وتركيبية تجعلهم منتجين للأفكار الناقدة والمؤسسة لحالة وعي جديد وقد ذُكر: "إن المخرجات أو المنتج النهائي بالنسبة إلى المثقف/ المفكر تتمثل بالأفكار" (توماس سويل، المثقفون والمجتمع، ص: 21)، وبهذا المعنى يمثّل المثقف ذاتًا فاعلةً في الكيان الثقافيّ داخل السياق التاريخيّ وصيرورته المجتمعية، حيث يكون للثقافةِ سلطةٌ ذاتُ أفق واسع من الهيمنة الفريدة، التي لا تحتاج إلى مستندات رسميّة وشرعيّة، فالثقافة أوسع من القوانين والتشريعات، وبابها مفتوح يدخله النّاس اختيارًا لا إجبارًا، بوعي ومن دون وعي، ويمارسون حياتهم اليومية عقليًّا وروحيًّا ونفسيًّا ونفعيًّا وجسديًّا في رحابها التوعوية.
ولكن هناك الكثير من التحذيرات من سلوك المثقفين الذي قد يخدم سلطة السياسة النفعية، ولعل الأسباب، بعضَها، يتضمنها سؤال سارتر: "أفليس المثقف أمرًا فائضًا عن الحاجة، نتاجًا فاشلًا للطبقات المتوسطة، ترغمه عيوبه ونواقصه على أن يحيا في هامش الطبقات المحرومة من دون أن يلتحم بها أبدًا؟ إن الكثيرين من الناس ممن ينتمون إلى شتى الطبقات، يرون ويعتقدون بأن المثقف ينتحل لنفسه وظائف لا وجود لها" (سارتر، دفاع عن المثقفين، ص: 62). وفي السياق نفسه، ذكر سارتر رغبة السلطة السياسية في استخدام المثقفين لدعايتها على الرغم من ارتيابها منهم والتي تصل لممارستها حملات تطهير لهم.
إنّ مفهوم المثقف يتعارض تاريخيًّا مع الشرور البشريّة، لاسيّما الناتجة عن سلوك الساسة النفعيين؛ إذْ ما انفكّ المثقف عن مسؤوليته اتجاه أنسنة الوجود ضد ميول التوحّش التي رافقت تاريخ القهر الإنسانيّ، وبهذا المعنى، فالمثقف يمثّل عقلانية التاريخ المتطلبة سلطة ثقافة مسؤولة وحضورَ مثقفٍ فاعلٍ بصفته مُنتَجًا تاريخيًّا في مواجهة الشر والطمع والقهر وموجّهًا لسلطة السياسة التي تمثّل نقيضًا للثقافة أصلًا، وبهذا المعنى كتب إدوارد سعيد: "على المواطن البدء بمقاومته ضد السلطة من وطنه، ولكن سيطرة القومية المتقنعة بالوطنية على الشعور النقدي، الذي يضع الولاء للأمة فوق كل اعتبار، في تلك النقطة ليس هناك سوى خيانة المثقفين والإفلاس الأخلاقي الكامل" (إدوارد سعيد، خيانة المثقفين، ص: 89).
كما ذكر العروي: "المثقف مطالبٌ بالخضوع إلى قوانين التاريخ؛ إذا أراد أن يكون له وجود وتأثير" (العروي، العرب والفكر التاريخي، ص: 25)، ويؤكّد في سياق كتابه أنّ حركة التاريخ دائمة لا يعيقها الرأسمال والسياسة ولا يصنعها الحكّام، بل يستقبلها أهل الثقافة والفكر ويستجيبون لمتطلباتها.
المراجـع:
● أنطونيو غرامشي، كراسات السجن3، ترجمة عادل غنيم (دار المستقبل العربي: بيروت، القاهرة، 1994.
● المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، القاهرة، ط4، 2004.
● توماس سويل، المثقفون والمجتمع 2010، ترجمة: عثمان المثلوثي (كتاب العربية، ط1، 2011).
● جان بول سارتر، دفاع عن المثقفين، ترجمة: جورج طرابيشي (دار الآداب: بيروت، ط3، 1973).
● إدوارد سعيد، خيانة المثقفين، ترجمة أسعد الحسين (دار نينوى: دمشق، 2011).
● عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي (المركز الثقافي العربي: الدار البيضاء، بيروت، ط5، 2006).