ناضبة المشاعر، تقرأ الشاشة على عجل، يبدو مسار النبضات متعرجاً، تعود إلى ذراعه وتُحكم وضع الأنبوب، ثم تُعيد ضبط القطرات المنحدرة من كيس التغذية الممزوج بالأدوية، تخرج فور انتهاء عملها الدقيق جدّاً، والمُحكم بمهارة الخبرة الطويلة، أودت بها مشاعر المرضى وآلامهم طوال سنين، واعتادت صحبة الأنين والألم دون أن ينبض في وجهها عرق شفقة أو لمحة بكاء!
أنين ينحدر من أقصى الألم فيسقط في قَعر قلبه المرتجف.. الممتلئ.. لا يحتمل، ينزف أضعاف وجع والده.
نسج الصباح خيوطه الأولى، اختلس النظر إلى البيت المجاور للمستشفى من الخلف، قصر مَشيّد، تلفّه الأشجار من كل جانب، عامل زراعة يعتني بالشجر والزهر، وحارس أمام الباب الكبير، وسائق لا يكلّ من غسيل وتلميع عدّة سيارات فاخرة وملوّنة تقف على يمين الداخل، أشجار الورد يذيع شذاها كل صباح حتى لتكاد الرائحة الزاكية تصل إلى غرفة والده مختلطة برائحة الأدوية والمطهرات.
صوت يصدر فجأة من الجهاز بجانب والده، يصيبه الذعر، يهمّ بالذهاب نحو منصة التمريض، تدخل الممرضة بلهفة تعالج الجهاز فيصمت، دار نحو الجهة الأخرى، نظرات والده تتجه نحوه، تُبلّل روحه بأمل جديد. جسد تناسل من بقايا الأنين، فتك به الفقر والمرض وأعباء السنين.
يمسّ بيديه قدمي والده، قدمان مهترئتان متشققتان أنهكتهما مسافات طويلة نهبها نحو لقمة عيش قصي، لا يطيق والده تغطيتهما، فيخرجهما من تحت الغطاء.
قدمان عَبَرَ بهما حياة شاحبة قاتمة، لم تسنده الأيام ولم يقف الزمن بجانبه، خمسون عامًا يتردد بين كثبان المواجع، وكأنّ الهناء حلم الغرباء أو شبح مصلوب أمامه يطوف حوله ولا يبلغه!
أغفى وهو جالس أمام قدمي والده، وما زالت أصابع يديه بين أصابع قدمي والده، ثم فزّ فجأة على وخز أنين والده!
توقف عن دعك قدمي والده حين رأى السيارة المرسيدس الفاخرة تقف قليلًا أمام بوابة القصر، انتقل بذهنه وقلبه يتابع سير السيارة حتى وصلت إلى البوابة الداخلية، ترجّل منها رجل بلباس أنيق فاخر، لم يدخل البيت بل سار بزهو وفرح، تأمّل الزهور المتجاورة، كل وردة بلون، انحنى يقطف بضع زهور، تناول الورد عامل الزراعة الذي شرع في تهذيبها وتصفيفها وهو يسير خلفه إلى داخل القصر.
ضغط بأصبعيه على حاجبيه، وعاد إلى ممارسة الانتظار الطّويل.
هبط الغسق من وراء البنايات العالية البعيدة، وآهات عنيفة صامتة مثخنة بالألم تملأ جوّ الغرفة، ولهاث والده يُطبق على صدره، زَحَمَه الظن، فزّ وسار نحوه، وقف ينظر إلى وجه أبيه.. يتأمّله وقد خبا البريق من لحاظ عينيه، يكاد يسمع صخب قلبه يتدحرج من حنجرته اليابسة، تمنّى لو يروي غلّة عطش والده لكن هذا من المحظورات عليه!
عاد ثانية إلى مزاولة الانتظار.
في الانتظار يتكثّف الزمن، يصير كأنه مريضٌ آخر بجانب والده وعليه مرافقته أيضاً، والاعتناء به وصرفه بهدوء ودون تذمّر، يلجّ داخله ويسير في أروقة نفسه!
في الصباح يرى ابتسامة والده تنسل من بين عذابات جسده فيتبرعم فرحه، ويشدو داخله بأغنية البهجة.
يزيح الستارة قليلًا، نظراته مشدودة إلى الرجل الثري صاحب القصر المجاور، هذه المرة كان يلبس ملابس رياضية ويمارس تمارين صباحية طويلة وقاسية، بالقرب منه خادم يحمل صينية عليها كؤوس عصائر، بعد نحو نصف ساعة جلس الثري على مقعد الحديقة تحت شجرة وارفة الظلال، وشرب العصير، وجذب فوطة صغيرة التفت حول عنقه ثم مسح بها عرقه، في تلك اللحظة مرّ رجل مهموم بائس مطرق الرأس يسير متثاقل الخطى، وحين حاذى باب القصر المشرع وقف للحظة والتفت ينظر إلى داخله ثم مضى، تحفّز.. همّ أن يخرج من غرفة والده المريض وينزل إلى الشارع، كان الرجل المهموم يشبه والده وكأنه توأمه، هبّ نحو باب الغرفة، فتحه فإذا الطبيب المعالج يقف بالباب، في جولته اليومية.
رجف قلبه وتوالت خفقاته، حين أوغل الطبيب في فحص جسد والده، وقف الطبيب لحظات صامتا يحرك قلمه بيده ويعضّ عليه أحيانًا، أنفضته نظرات الطبيب حين توجهت إليه بصرامة وحقد، سأله: «هل كان والدك يتألّم ليلة البارحة»؟ «نعم يئن طويلًا».. أجاب!
تحدث الطبيب إلى الممرضة المرافقة له، كتبت تعليمات الطبيب، خرج الطبيب دون أن يقول شيئًا.
عاد هو إلى البحث عن الرجل المهموم، وشوق العصافير يتقافز في صدره، ولمّا أبصره مولّيًا هرع إلى اللحاق به بسرعة مذهلة، هبط إلى الشارع، سار إلى الناحية الخلفية للمستشفى حيث قصر الرجل الثري. بحث عن الرجل المهموم الذي يشبه والده، طاف حول المستشفى مرات عدّة لكنه لم يجد قصرًا ولا وجد رجلًا مهمومًا.