الفردانية النيوليبرالية والذات العربية

من إنسان الجماعة إلى إنسان «البراند»

د. عبد الوهاب الفيعا


من نحن في زمن الشاشات؟

في غضون عقود قليلة، تحوّل العالم العربي من فضاء تُعرِّف فيه الذاتُ نفسَها عبر العائلة والحيّ والقبيلة والحزب والأمة، إلى فضاء جديد يتقدّم فيه سؤال من نوع آخر: من أنا بوصفـي «فرداً» له صفحة شخصية، وصورة ملفّ، وعدد متابعين، وسيرة ذاتية مضغوطة في أسطر قليلة؟

لم يَعُد الانتماء للجماعة وحده كافياً لتقديم الذات. صار على الإنسان العربي أن يكون «مرئياً» على المنصّات، قابلاً للتسويق، وأن يصنع لنفسه «علامة شخصية» تشبه العلامات التجارية. هنا تلتقي تحوّلات التقنية بتحوّلات الاقتصاد والسياسة، لنجد أنفسنا أمام ظاهرة يمكن تسميتها: الفردانية النيوليبرالية، حيث يُعاد تشكيل الإنسان وفق منطق السوق: إنتاجية، تنافس، أداء، وصورة جذّابة دائماً.

هذه الدراسة محاولة لفهم هذا التحوّل نقدياً: كيف انتقلنا من إنسان الجماعة إلى إنسان «البراند»Brand))؟ وما الثمن الذي تدفعه الذات العربية في هذا المسار؟ وهل يمكن تخيّل فردانية أخرى، أكثر حرية وإنسانية من الفردانية النيوليبرالية السائدة؟

الفردانية: من مفهوم فلسفي إلى نَمط عيش

في الفكر الغربي الحديث، لم تكن الفردانية في بدايتها مرادفاً للأنانية أو الانغلاق، بل كانت – عند كثير من الفلاسفة – انتصاراً للكرامة الإنسانية، وحمايةً للفرد من طغيان الدولة أو الكنيسة أو الجماعة. فالفرد، في هذا التصوّر، كائن عاقل وحرّ ومسؤول، له الحق في اختيار معتقده، وتحديد مسار حياته، والمشاركة الواعية في الفضاء العام.

بهذا المعنى، مثّلت الفردانية تحرّراً من «الجماعة القهرية» التي تذيب الأفراد في كلٍّ صلب، لا يسمع فيه إلا صوت واحد. لكنها، مع صعود الرأسمالية الحديثة، بدأت تنزلق تدريجياً من كونها مشروع تحرير إلى كونها آلية استثمار:
لم يعد الفرد ذاتاً حرّة وحسب، بل أصبح أيضاً «وحدة استهلاك» و«قوة عمل» يجب تعظيم إنتاجيتها وتسخير رغباتها لخدمة السوق.

مع التحوّل النيوليبرالي منذ ثمانينيات القرن الماضي، تعزّز هذا الاتجاه: لم يعد السوق مجرد نظام اقتصادي، بل تحوّل إلى نموذج يُسقَط على كل شيء: المدرسة، المستشفى، الجامعة، العلاقات الإنسانية، وحتى الحياة الداخلية للفرد. أصبح المطلوب من الإنسان أن «يدير ذاته» كما تُدار شركة: تخطيط، أهداف، مؤشرات أداء، تسويق ذاتي دائم.

النيوليبرالية: حين يتحوّل السوق إلى «قدر»

النيوليبرالية ليست فقط سياسة اقتصادية تقوم على الخوصصة وتقليص دور الدولة، بل هي -في جوهرها- رؤية للعالم تجعل من المنافسة قانوناً أعلى، ومن النجاح الفردي معياراً وحيداً للقيمة. في هذا الأفق:
◂ يُنظَر إلى الإنسان على أنه مشروع استثمار دائم في نفسه: شهادات أكثر، مهارات أكثر، لغات أكثر، حضور رقمي أكبر.
◂ تُختزل الحرية في قدرة الفرد على الاختيار داخل السوق: ماذا أشتري؟ ماذا أرتدي؟ أيّ محتوى أتابع؟ أيّ «صورة» أقدّم عن نفسي؟
◂ تُحمَّل الذات مسؤوليةَ كلِّ فشلٍ شخصي: إن لم تنجح فذلك لأنك لم «تعمل على نفسك بما يكفي»، أو لأنك لم تُحسن تسويق ذاتك.

هكذا تصبح النيوليبرالية أخلاقاً جديدة أيضاً: أخلاق النجاح المستمر، وعدم الاعتراف بالحدود أو الهشاشة أو الضعف الإنساني. ويصبح التنافس «طبيعياً»، والفوارق الاجتماعية «قدراً عادلاً»؛ لأن كل فرد –في الظاهر– يملك الفرصة نفسها.

في هذا السياق يظهر «إنسان البراند»: الإنسان الذي لا يُطلَب منه فقط أن يعمل، بل أن يبدو ناجحاً على الدوام، وأن يصنع لنفسه صورة لامعة يمكن «بيعها» للآخرين.

 

الذات العربية بين إرث الجماعة وضغط السوق

تاريخياً، تشكّلت الذات العربية داخل إطار جماعات متعدّدة: العائلة الممتدة، القبيلة، القرية، الطائفة، الحزب، الأمة. لم يكن الفرد منفصلاً عن هذه الدوائر، بل كان يُعرَف غالباً من خلالها: «فلان بن فلان»، «من آل فلان»، «من هذه البلدة أو تلك».

لهذه الجماعات وجوه متعدّدة:
- وجه حاضن: تقدّم للفرد شعوراً بالانتماء والأمان والهُوية، وتؤمن له شبكة من التضامن والعون في أوقات الأزمات.
- ووجه ضاغط: قد تحوّله إلى مجرّد «مرآة» لأعرافها وتقاليدها، وتحاصر حريته في الاختيار، خصوصاً في ما يتصل بالعمل والزواج والتفكير الديني والسياسي.

مع دخول العالم العربي في العصر الرقمي، وفي ظلّ التحوّلات الاقتصادية النيوليبرالية (خوصصة، هشاشة سوق العمل، تآكل الدور الاجتماعي للدولة)، وجد الفرد نفسه بين قوتين متعارضتين ظاهرياً ومتواطئتين عملياً:
قوّة الجماعة التقليدية التي لا تزال تطلب منه الولاء والطاعة.
قوّة السوق والمنصّات الرقمية التي تطلب منه التفرّد الدائم، وصناعة «براند» شخصي قادر على المنافسة.

نتيجة ذلك، تتشكّل ذات عربية «ممزّقة»: فردٌ يَظهر على الشاشات بوصفه كائناً حراً، مستقلاً، يُعلن اختياراته، ويخاطب «العالم»؛ لكنه، في العمق، محكومٌ بعلاقات قرابة متشابكة، وبأنظمة سياسية واقتصادية لا تمنحه فعلاً الشروط المادية والحقوقية لحياة فردية حقيقية.

من إنسان الجماعة إلى إنسان «البراند»:

تعمل وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها المسرح المركزي لتحوّل الفرد إلى «براند». فالمنصات لا تكتفي بأن تعكس الذات، بل تعيد تشكيلها وفق منطقها الخاص:
+ الصورة أهم من التجربة.
+ الظهور أهم من العمق.
+ التفاعل السريع أهم من التفكير البطيء.

في هذا السياق، نرى عدداً من التحوّلات:
أ. تحوّل الاعتراف من الجماعة القريبة إلى الجمهور المجهول في الماضي، كان الاعتراف يأتي من العائلة والمجتمع المباشر؛ اليوم صار يُقاس بالإعجابات والمشاركات والتعليقات. لم يَعُد يكفي أن تكون «محترماً» في حيك أو قريتك؛ المهم أن تكون مرئياً في فضاء افتراضي لا حدود له.
ب. تسليع الهوايات والاهتمامات القراءة، السفر، الطبخ، ممارسة الرياضة… لم تعد أنشطة تمارس لذاتها، بل مواد خام لصناعة محتوى. كلّ ما نفعله يمكن أن يصبح «محتوى» يُضيف إلى رصيد البراند الشخصي.
ت. الذات كرواية تسويقية جاهزة يُطلب من الفرد أن يختزل حياته في سيرة ملهمة، متناسقة، خالية من التناقضات: قصة نجاح من «الصفر إلى القمة»، أو من «المعاناة إلى الإنجاز». التعدّد والالتباس الإنسانيان لا مكان لهما في هذه الروايات الصقيلة.
ج. الضغط النفسي والأخلاقي لأن تكون «إيجابياً» دائماً إنسان البراند لا يحق له أن ينهار، أو يشكّ، أو يعترف بضعفه؛ لأن جمهوره ينتظر منه طاقة إيجابية مستمرة. وهكذا يتحوّل العمق الوجداني إلى سطحٍ مُبتسم دائماً، حتى في قلب الأزمات.

بهذا المعنى، إنسان «البراند» ليس إنساناً حرّاً تماماً ولا مندمجاً تماماً في الجماعة؛ إنه كائن وسط بين الاثنين، محكومٌ بالسوق والجمهور الخفي والخوارزميات، أكثر مما هو محكومٌ بقيم داخلية مستقلة.

أيّ حرية لهذه الفردانية؟

تبدو الفردانية النيوليبرالية، في ظاهرها، احتفاءً غير مسبوق بالفرد. لكنّ نظرةً أدق تكشف وجهاً آخر:
- الفرد «الحر» في الخطاب النيوليبرالي هو غالباً مستهلك مثالي، لا مواطنٌ كامل الحقوق والواجبات.
- يُشجَّع على اختيار ما يشاء في السوق، لكنّ مشاركته الفعلية في القرار السياسي أو الاقتصادي تظلّ محدودة.
- يُغذّى بوهم السيطرة الكاملة على مصيره الشخصي، فيما تحدّد خياراته بنىً أعمق: الطبقة الاجتماعية، مستوى التعليم، موقعه في سوق العمل، طبيعة النظام السياسي.

في العالم العربي، تتضاعف هذه المفارقة: فالفرد لا يتوفّر له –في كثير من الأحيان– إطار قانوني ومؤسسي يحمي حريته وكرامته وحقوقه الأساسية؛ ومع ذلك يُطلب منه أن يتصرّف كـ«مقاول لذاته»، وأن يحوّل حياته إلى مشروع فردي متكامل. هنا تتحوّل الفردانية من وعدٍ بالتحرّر إلى نوع من العبء الأخلاقي: عليك أن تنجح مهما كانت الظروف، وأن تحاسب نفسك وحدك على كل تعثّر، حتى وإن كانت البنية الاجتماعية برمّتها ضدّك.

الذات العربية بين وهمين: الجماعة المثالية والفرد المثالي

نحن إذن أمام شكلين من الوهم:
وهم الجماعة المثالية التي لا ترى في الفرد إلا امتداداً لها، وتطالبُه بالانصهار الكامل، دون أن تعترف بحقه في الاختلاف أو التجريب أو الحلم بمسار خاص.
وهم الفرد المثالي الذي يستطيع –بقوة عزيمته وحدها– أن يتجاوز كل عائق، وأن يعيد اختراع نفسه بلا حدود، وأن يتحوّل إلى «قصة نجاح» قابلة للتسويق.

بين هذين الوهمين، تضيع الفردانية الإنسانية الحقيقية: فردانية تستند إلى كرامة الذات، وإلى اعتراف متبادل بين الأفراد، وإلى فضاء عام يسمح بالتعبير والنقد والاختلاف، لا إلى مجرّد استعراض صور ودوافع استهلاكية جديدة.

نحو فردانية نقدية: من «البراند» إلى الشخص

السؤال الذي يطرح نفسه: هل نحن محكومون بهذا النموذج من الفردانية النيوليبرالية، أم يمكن تخيّل طريق آخر؟

يمكن اقتراح ملامح لما يمكن تسميته «فردانية نقدية»، تسعى إلى استعادة الإنسان من بين أنقاض السوق والجماعة القهرية معاً:

الفرد ككائن مسؤول، لا كمنتَج في الفردانية النقدية، قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك أو بما يَظهر عليه، بل بقدرته على التفكير، والتعاطف، وتحمل المسؤولية الأخلاقية تجاه نفسه وتجاه الآخرين.

الجماعة كفضاء اعتراف، لا كقيد مطلق ليست المشكلة في الجماعة في حدّ ذاتها، بل في تحوّلها إلى سلطة لا تقبل المراجعة. يمكن للجماعة أن تكون إطاراً داعماً للفرد، شرط أن تعترف بحقه في الاختلاف، وألا تُحوِّله إلى مجرد أداة لخدمة صورتها عن نفسها.

النقد الذاتي كشرط للتحرّر لا تحرّر للفرد دون مساءلة دائمة للصور التي يصدّرها لنفسه، وللرسائل التي يبتلعها من المنصّات والإعلانات وخطابات التنمية الذاتية السطحية. الفردانية النقدية تعني أن يجرؤ الفرد على الاعتراف بهشاشته وتناقضاته، بدل ادّعاء الكمال الوهمي.

الفضاء العام بوصفه شرطاً للفردانية الفرد الحقيقي لا يعيش في عزلة رقمية أو مادية؛ يحتاج إلى فضاء حقيقي للحوار، إلى مؤسسات عادلة، إلى قوانين تحميه من التعسّف، وإلى إعلام وثقافة يفتحان أمامه أفقاً أوسع من الاستهلاك اليومي.

دور الثقافة العربية: من استنساخ النموذج إلى مساءلته

الثقافة العربية اليوم مدعوّة إلى أن تتجاوز موقع «المتلقي» لخطاب الفردانية النيوليبرالية نحو موقع الفاعل النقدي:
- في الأدب والرواية والشعر، يمكن استكشاف مصائر الأفراد العاديين في زمن المنصّات، لا بوصفهم «قصص نجاح» جاهزة، بل بوصفهم ذواتاً معقّدة، تحاول أن تعيش بكرامة وسط عواصف السوق والجماعة.
- في الفكر الفلسفي والنقدي، يمكن تفكيك مفاهيم مثل «النجاح»، «الحرية»، «تحسين الذات»، و«التنمية البشرية»، وطرح بدائل إنسانية لا تختزل الإنسان في أرقامه ومؤشراته.
- في الخطاب الديني، يمكن إعادة الاعتبار إلى الأبعاد الروحية والأخلاقية التي تُذكّر بأن الإنسان ليس مجرّد مستهلك أو أداة إنتاج، بل هو كائن مكرّم، له بعدٌ يتجاوز كلّ سوق.

بهذه المقاربة، لا يكون هدفنا رفض الفردانية من حيث المبدأ، ولا تمجيد الجماعة على نحو أعمى، بل إعادة التوازن بين الاثنين، في أفق يحترم حرية الفرد دون أن يعزله عن مسؤولياته تجاه الآخرين.


استعادة الإنسان من بين أنقاض السوق

من إنسان الجماعة إلى إنسان «البراند»، قطعَت الذات العربية مسافة قصيرة في الزمن، عميقة في الدلالة. في هذه المسافة، تحرّرت من بعض القيود القديمة، لكنها وقعت في أسر قيود جديدة، أقلّ وضوحاً وأكثر دهاءً: قيود السوق، والصورة، والخوارزميات.

التحدي المطروح اليوم أمام الفكر العربي –في حقوله الفلسفية والأدبية والاجتماعية– هو أن يساعدنا على تسمية هذه القيود، وعلى نقدها دون حنين ساذج إلى ماضٍ جماعي مغلق، ودون انبهار أعمى بفردانية مزيّفة لا ترى في الإنسان سوى «براند» في سوق لا يهدأ.

ربما تكون الخطوة الأولى في هذا الطريق هي أن نعيد طرح السؤال البسيط والعميق معاً:
من هو الإنسان الذي نُريد أن نصير إليه: مجرّد صورة تجيد التسويق، أم شخصاً حراً، هشّاً، معقّداً، قادراً على أن يحبّ وأن يفكر وأن يقاوم في آن واحد؟

 


بعض من المراجع المعتمدة:
◅ علي حرب (2010). الإنسان الأدنى: أبحاث في الهوية والحرية. المركز الثقافي العربي.
◅ Han, B. C. (2015). The burnout society. Stanford University Press.
◅ Bauman, Z. (2000). Liquid modernity. Polity Press.
◅ Foucault, M. (1988). Technologies of the self: A seminar with Michel Foucault. University of Massachusetts Press.
◅ Taylor, C. (1991). The ethics of authenticity. Harvard University Press.
◅ Harvey, D. (2005). A brief history of neoliberalism. Oxford University Press.
◅ Honneth, A. (1995). The struggle for recognition: The moral grammar of social conflicts. Polity Press.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها