قد يبدو الرجوع إلى حسين البرغوثي، بعد أكثر من عقدين على رحيله عام 2002، فعلًا متأخرًا في مشهد ثقافي سريع النسيان، لا يحتفظ طويلًا بالأصوات التي لم تنخرط في تيارات واضحة أو مشاريع جماعية صاخبة. فالبرغوثي لم يكن كاتبًا جماهيريًا ولم يسعَ إلى بناء "مدرسة" أو خطاب قابل للتداول السريع، كما أن حضوره النقدي ظلّ متقطعًا، غالبًا ما يُستدعى بوصفه حالة غريبة أو استثنائية أكثر منه مشروعًا يُعاد تفكيكه بهدوء.
غير أن هذا التواري النسبي لا يعني تراجع أهميته، بل ربما العكس تمامًا. فكتابة البرغوثي تنتمي إلى ذلك النوع من النصوص التي لا تُستهلك سريعًا ولا تُستنفد في سياقها الزمني المباشر، بل تعود لتطرح أسئلتها كلما تغيّر مزاج القراءة وتبدّلت حساسية القارئ تجاه القلق والهُوية والمكان. إنها نصوص تشتغل بالتراكم لا بالانتشار، وتجد قراءها حين يكونون مستعدين لها، لا حين يكون السوق في انتظارها.
أما اختياري الاقتراب من هذه التجرِبة تحديدًا، فينطلق من موقع مزدوج. قارئ أدبي من جهة وباحث أكاديمي في مجالات العلوم العصبية والنفسية من جهة أخرى. هذا المسار العلمي، الذي انشغلت فيه طويلًا بعيدًا عن النشر الأدبي، لم يكن منفصلًا عن الكتابة، بل وفّر لي عدسة إضافية لقراءة نصوص لا تتعامل مع القلق بوصفه موضوعًا بلاغيًا أو حالة وجدانية عابرة، بل كبنية وعي وتجربة معاشة. ما يعنيني ليس تشخيص البرغوثي ولا اختزاله، بل فهم كيف حوّلت تجربته الداخلية بكل ما فيها من قلق وتشظٍّ ومرض إلى لغة تشتغل على القارئ بطريقة لا يُقدر عليها كثير من الأدب الأكثر "صحةً" وانتظامًا.
من هذا الموقع، لا أسعى إلى تفسير حسين البرغوثي نفسيًا ولا إلى اختزاله في سيرته أو مرضه، بل إلى قراءة كتابته بوصفها اشتغالًا دقيقًا على مناطق هشّة في النفس الإنسانية، مناطق نادرًا ما يسمح الأدب لنفسه بالإقامة فيها طويلًا.
ولعلّ مدخلين أساسيين يلخّصان تجربته هما "الضوء الأزرق" بوصفه كتابة مدينة تُقرأ من الداخل، وكذلك "سأكون بين اللوز" بوصفه كتابة جسدٍ وزمنٍ يعودان إلى سؤاله عن المصير. بين الكتابين تتشكل مساحات البرغوثي الأكثر تأثيراً وأقلّها قابليةً للتصنيف: القلق بوصفه طريقة رؤية، واللغة بوصفها آخر ما تبقّى من سيطرة، والمكان بوصفه امتدادًا للداخل لا إطارًا للخارج.

◄ كتابة تسبق اللغة
ليس سهلًا أن تكتب عن حسين البرغوثي دون أن تشعر أنك تقترب من شيءٍ يسبق اللغة ذاتها. كأنك تلامس تجربة لا تسكن في الكلمات بقدر ما تجعل الكلمات تدور في فلكها. في حضوره، لا تبدو الكتابة نقلًا لتجربة جاهزة، بل محاولة متكررة لالتقاط أثرٍ عابر، أو القبض على ماء، أو لمس طرف غيمة.
كان البرغوثي يمشي في العالم كما يمشي الغريب في غرفةٍ يعرف أنها ليست له، لكنه يصرّ على أن يترك فيها أثرًا. سؤالًا حادًا، ملاحظة خاطفة، أو جملة تُحدث شرخًا صغيرًا في الجدار الداخلي للقارئ. لا يطلب إعجابًا ولا يقدّم نفسه بوصفه نموذجًا، بل يضعك أمام مرآة غير مريحة. كيف نعيش دون أن نخدّر دهشتنا؟ وكيف نحتمل القلق دون أن نحيله إلى خطاب أو شكوى؟ أسئلة لا تطلب إجابة، بل تطلب منك أن تظل معها قليلًا.
وحين يكتب إن "التاريخ يترك الناس أحياناً بلا شيء يفعلونه بتاريخهم"، فهو يعكس أقصى درجات الوعي بتلك "المنطقة الصفرية"، حيث يمتلك الإنسان تاريخاً هائلاً لكنه يقف أمامه عاجزاً، فيحوّل هذا العجز عبر اللغة إلى قلق إبداعي يُعيد تفكيك المكان والذات معاً. وهذا التحويل هو جوهر مشروعه. ليس التغلب على العجز، بل جعله مادةً للكتابة، ومن ثَمَّ، مادةً للوجود.
◄ تفكيك الشكل السردي واللغة
يحتلّ البرغوثي موقعًا خاصًا في الأدب العربي الحديث، لا باعتباره صاحب مشروع متكامل بالمعنى المدرسي ولا ممثلًا لتيار أدبي محدد، بل بوصفه حالة إبداعية تنفلت من التصنيف. كتابته لا تستقر في جنس أدبي واحد ولا تخضع لبنية شكلية مألوفة، بل تتحرك في منطقة وسطى بين الشعر واليوميات والتأمل الفلسفي والسيرة الذاتية غير المعلنة.
وتكمن فرادته في أن الكتابة عنده لا تأتي لاحقة للتجربة، بل تتحول إلى التجربة نفسها. ليست وسيلة توثيق أو شرح، بل ممارسة ذهنية ووجودية يُعاد من خلالها اختبار الذات والعالم. وهذا ما يجعل قراءته مختلفة عن قراءة معظم الكتّاب. أنت لا تقرأ ما فكّر فيه، بل تشهد كيف فكّر والفرق بين الأمرين واسع. لذلك لا يسعى نصه إلى إقناع القارئ أو طمأنته، بل يدعوه إلى الدخول في حالة فكرية مفتوحة، بلا وعود بالخلاص ولا بإجابات نهائية.
من أبرز سمات كتابة البرغوثي غياب البنية السردية التقليدية القائمة على البداية والتصاعد والخاتمة. النص عنده يتكوّن من شذرات ومقاطع وانتقالات مفاجئة بين الأفكار والمشاهد، من دون سعي إلى بناء حكاية متماسكة. هذا التفكك ليس خللًا بنيويًا، بل خيارًا واعيًا يعكس قناعة معرفية ترى أن التجربة الإنسانية نفسها لا تُعاش بوصفها سردًا خطيًا منسجمًا.
في "الضوء الأزرق"، لا يتقدّم النص بوصفه قصة، بل بوصفه حركة وعي. تتجاور الملاحظة اليومية مع الحلم، ويتداخل التأمل الفلسفي مع التفاصيل الحسية، وتتشكل الدلالة من تراكب الحالات لا من حدث مركزي. المدينة هنا ليست موضوعًا للحكي، بل جهازًا يضخّم الداخل ويعرضه بلا رتوش.
اللافت هو أن البرغوثي لا يكتب عن التشرّد بوصفه حكاية شقاء، بل بوصفه طريقة رؤية. حين تفقد حماياتك الاجتماعية، يصبح العالم أكثر حدّة، وتتحول الأشياء العادية إلى كائنات لها ذاكرة. كرسي، نافذة، فنجان قهوة. حين يضيق الأمان الخارجي، يتسع الانتباه ويصبح أكثر حدةً وأقل انتقائية فتتحول التفاصيل العادية إلى عبء حسي وإلى إشارات وجودية ثقيلة. في هذا المستوى، لا تبدو الكتابة ترفًا جماليًا، بل وسيلة نجاة.
وفي "سأكون بين اللوز" يصل البرغوثي إلى منطقته الأكثر عتمة حين يقول "من الممنوع إنسانيًا أن أبقى ومن الممنوع واقعيًا أن أذهبن وأستطيع أن أكون أي شيء إلّا أنا". يتحول هنا القلق من حالة شعورية إلى انسداد بنيوي في الوعي؛ فالذات لم تعد قادرة على الثبات في "المكان" (الممنوع إنسانياً) ولا قادرة على العبور نحو "الآخر"، أو "المستقبل" (الممنوع واقعياً). والنتيجة هي تفتت الهُوية إلى "أي شيء" هرباً من "الأنا" التي أصبحت عبئاً لا يحتمل. وما يلفتني هنا هو أن هذه الحالة ليست استعارة شعرية وحسب، بل توصيف دقيق لما تُسمّيه الأدبيات النفسية "اضطراب الهوية المنفصلة"، حين تفقد الذات قدرتها على التعرف إلى نفسها بوصفها كيانًا متواصلًا عبر الزمن. الكتابة، في هذا السياق، هي المحاولة المستحيلة لترميم ذاتٍ ترفض أن تكون نفسها، لكنها لا تجد مهربًا من قدرها.
لغته لا تنتمي إلى البلاغة الشعرية التي تراهن على الزينة ولا إلى اللغة الفلسفية الصارمة التي تسعى إلى التعريف والتحديد. إنها لغة تفكير تختبر المعنى أثناء تشكّله. الجملة غالبًا قصيرة، مكثفة ومفتوحة على أكثر من احتمال دلالي. الاستعارة ليست غاية جمالية، بل أداة فحص، كأنها مشرط يختبر الفكرة لا إطارًا يجمّلها. لهذا يبدو النص أحيانًا ناقصًا أو غير مكتمل، لكنه نقصٌ مقصود؛ لأن الكاتب يرفض أن يُغلق المعنى نيابةً عن القارئ.
◄ المكان والقلق بوصفهما بنية وعي
لا يظهر المكان في كتابة البرغوثي بوصفه إطارًا جغرافيًا محايدًا، بل كعنصر فاعل في تشكيل الوعي. المدينة، الغابة، الحانة، الشارع، المزرعة، تتحول جميعها إلى امتدادات للذات وإلى وسائط لاختبار الداخل.
في "الضوء الأزرق"، مثلا، البرغوثي لا يقدم سياتل كمدينة ذات معالم محددة، بل كحالة مزاجية. ضوء خافت، أمطار، أمكنة هامشية وعزلة كثيفة. وقد أخطأت بعض القراءات حين تعاملت مع هذا المكان بوصفه متخيّلًا أو هلوسيًا، بينما هو في الواقع دقيق في توصيف أثر المكان كما يُختبر نفسيًا لا كما يُرسم عمرانيًا. نعرف أن إدراك المكان ليس عملية موضوعية: الدماغ يُعيد بناء البيئة في ضوء الحالة الانفعالية السائدة. تحت القلق المزمن، تتقلص الذاكرة السردية وتتحول إلى شظايا حسية -ضوء، رائحة، نغمة صوت- لا إلى خرائط متماسكة. هذه ملامح نراها في حالات الصدمة أو الخوف والضغط النفسي الحاد. ما يصفه البرغوثي ليس هلوسة، بل دماغ يعمل تحت ضغط.
المكان هنا بالطبع لا يخفّف القلق، بل يضاعفه ويعيد تشكيله. وفي المقابل، القلق لا يدمّر المكان، بل يجعله أكثر كثافة. العلاقة بينهما دائرية. المكان يُنتج توترًا داخليًا وهذا التوتر يعيد تنظيم إدراك المكان. هكذا تُكتب المدينة من الداخل، لا من الخرائط وتغدو شريكًا في إنتاج المعنى لا خلفية له.
في "سأكون بين اللوز" يتحول المكان من فضاء اغتراب إلى فضاء ذاكرة، ومواجهة مع النهاية القادمة حيث لا تعود الجغرافيا بوصفها وطنًا مكتملًا فقط، بل أيضًا بوصفها شحنة شعورية مرتبطة بالجسد والزمن والمرض بل والموت. هنا يتشابك ما يسمّيه علماء النفس "الذاكرة التوقعية"؛ أي كيف يستعيد الدماغ الماضي في سياق التحضّر لمستقبل مخيف، مع الحنين والخوف والرغبة في البقاء. المكان هنا ليس ملاذًا ولا خسارة وحسب، بل مرآة أخيرة تعكس ما لم يعد ممكنًا.
◄ القلق وتنظيم الفوضى
تتجلّى في نصوص البرغوثي ذات غير مستقرة، متشظية ومعلّقة بين الذاكرة والمنفى والمرض. غير أن هذا التشظي لا يُقدَّم بوصفه عارضًا نفسيًا يحتاج إلى تفسير أو علاج، بل كبنية وعي حادّة تشكّل طريقته في إدراك العالم.
الكتابة هنا ليست تفريغًا للألم ولا وسيلة تنفيس، بل ممارسة ذهنية تهدف إلى تنظيم الفوضى دون ادّعاء السيطرة عليها. البرغوثي لا يسعى إلى تجاوز القلق، بل إلى فهم آلياته والإقامة المؤقتة داخله. لهذا لا يطلب تعاطفًا ولا يعرض هشاشته بوصفها بطولة أخلاقية، بل يتعامل معها كحقيقة إنسانية لا تحتاج إلى تبرير. وهذا الموقف، الإقامة داخل القلق لا الهروب منه، هو ما يُميّزه عن كثير من كتّاب الألم الذين يسعون إلى الخلاص أو التطهير. عند البرغوثي، القلق ليس مشكلة تحلّ، بل شرط يُعاش.
يتجلّى هذا البعد في علاقته بالزمن والذاكرة. فالزمن في كتاباته ليس خطًا متقدمًا، بل حالة ضغط داخلي، تتداخل فيها اللحظة الراهنة مع استدعاءات الماضي وتوقعات الخسارة والضياع في المستقبل. أما الذاكرة، فلا تُستعاد كسرد متماسك، بل كشحنة شعورية تعود في صور ومشاهد لا تخضع لمنطق السببية. يلفتني هنا مرة أخرى كيف تتحوّل الذاكرة تحت الضغط النفسي الكثيف من سردٍ متماسك إلى لقطات حسّية خاطفة وهو ما يفسّر لماذا تبدو المدينة عنده سلسلة إشارات. ضوء، رذاذ، زوايا، أصوات، لا "وصفًا" عمرانيًا مكتملًا.

◄ المرض والكتابة خارج خطاب الاعتراف
لا يمكن فصل تجربة البرغوثي الإبداعية عن تجربة المرض، خاصة في أعماله المتأخرة. غير أن المرض لا يتحول في كتابته إلى خطاب رثائي أو استدرار للشفقة، بل إلى أداة إضافية لمساءلة الجسد والزمن والمعنى.
في "سأكون بين اللوز"، كما في "الضوء الأزرق"، لا يُقدَّم المرض بوصفه نهاية، بل اختبارًا حادًا للوعي. الجسد المهدَّد يدفع الكاتب إلى إعادة التفكير في معنى الحياة، دون أن يقوده ذلك إلى حكمة تصالحية أو خطاب عزائي. الكتابة هنا فعل مقاومة، لا ضد المرض وحده، بل ضد المعنى الجاهز.
حين يقول: «إنني أحيا في رأسي»، لا يقدّم اعترافًا مرضيًا ولا تعاليًا فلسفيًا، بل توصيفًا دقيقًا لطريقة وجود. كان يعيش داخل الأسئلة لا خارجها ويتعامل مع الواقع بوصفه مادة اختبار لا مسرح طمأنينة. لذلك جاءت كتابته متوترة، رافضة للخط المستقيم، لا ضعفًا في البناء، بل موقفًا من العالم نفسه.
وإذا كان القلق والمرض قد شكّلا عند البرغوثي طريقة خاصة في اختبار الذات وحدودها؛ فإن هذا الاختبار لا يتوقف عند الجسد أو الوعي الفردي، بل يمتدّ إلى سؤال أوسع عن الانتماء والمكان والهُوية، حيث يتحول الاغتراب من حالة نفسية إلى بنية وجودية شاملة.
◄ الاغتراب والهُوية خارج الخطاب السياسي
رغم أن الخلفية السياسية والتاريخية حاضرة بقوة في سيرة حسين البرغوثي؛ فإن كتابته لا تنخرط في الخطاب السياسي المباشر ولا تتوسل اللغة الأيديولوجية بوصفها أداة تفسير أو احتجاج. فلسطين، في نصوصه، لا تظهر كقضية تُرفع أو شعار يُردَّد، بل كأثر داخلي دائم وكجرح صامت يشتغل في العمق النفسي للذات. الوطن عنده ليس معطًى جغرافيًا أو هوية جاهزة، بل حالة قلق وذاكرة متحركة ومساحة انحسار لا تستقر على تعريف واحد.
ينتمي اغتراب البرغوثي إلى مستوى أعمق من المنفى الجغرافي. فهو اغتراب وجودي، يسبق السياسة ويتجاوزها ويجعل من الهوية سؤالًا لا جوابًا. لا يكتب عن الوطن من موقع الحنين الخطابي ولا من موقع الإدانة أو التعبئة، بل من موقع الإنسان الذي فقد بداياته الأولى ولم يعد قادرًا على التعامل مع المكان بوصفه مأوى نهائيًا. المكان عنده ليس "هنا" ولا "هناك"، بل منطقة معلّقة بين الذاكرة والحاضر، بين ما كان يمكن أن يكون وما لم يعد ممكنًا.
لهذا؛ تبدو فلسطين في كتاباته أقرب إلى طيفٍ نفسي منها إلى كيان سردي مكتمل. إنها تظهر في التفاصيل الصغيرة، في الإيماءات، في الشعور الدائم بعدم الاكتمال، لا في الشعارات أو المواقف المعلنة. الوطن يتحول إلى تجربة داخلية معقّدة، تتقاطع فيها الخسارة مع الرغبة والانتماء مع الشك والحنين مع العجز عن العودة إلى صورة أولى نقية. وهذا ما يمنح كتابته قوة خاصة؛ إذْ ينقل الصراع من مستوى الخطاب الجمعي إلى مستوى التجربة الفردية العميقة.
بهذا المعنى، لا يتعامل البرغوثي مع الهُوية بوصفها انتماءً ثابتًا، بل بوصفها عملية تشكّل مستمرة، تتأثر بالمرض والمنفى واللغة والزمن. الهوية ليست جوابًا نهائيًا، بل سؤالًا مفتوحًا يُعاد طرحه مع كل نص. ومن هنا؛ فإن اغترابه لا يُقرأ بوصفه موقفًا سياسيًا مضمرًا، بل بوصفه حالة وعي مأزومة تعيش التمزق بوصفه شرطًا إنسانيًا لا استثناءً تاريخيًا. نحن لا نمتلك هويةً ثابتة بل نبنيها باستمرار من خلال الحكايات التي نرويها لأنفسنا عن أنفسنا. البرغوثي يعيش هذه الهشاشة بدل أن يخبّئها، ويجعل منها كتابة بدل أن يحوّلها إلى قناع.
إن قوة البرغوثي تكمن في أنه يعيد الإنسان إلى مركز التجربة، دون أن يُفرغه من سياقه ودون أن يسمح للسياق بأن يبتلعه. يجعل من القضية تجربة حياة، لا خطابًا مُعلَّقًا ومن الهوية مسألة حساسة ومؤلمة، لا تعريفًا جاهزًا. لذلك يبقى أثره حيًا. لأنه لا يطالب القارئ باتخاذ موقف، بل يدعوه إلى الإقامة داخل السؤال حيث لا خلاص سريعًا ولا يقين مريحًا.
بهذا يتجاوز البرغوثي الأدب السياسي المباشر دون أن يتنكر لجذوره أو لتاريخه ويقترح بديلًا أكثر عمقًا. أن تكون الكتابة مساحة لفهم الاغتراب الإنساني في أكثر تجلياته هشاشةً وصدقًا، بعيدًا عن الضجيج وقريبًا من تلك المنطقة الصامتة التي يتشكل فيها الوعي قبل أن يتحول إلى لغة. لذا لا يمكن فصل هذا الاغتراب الوجودي عن مجمل اختيارات البرغوثي الجمالية واللغوية. إذْ ينعكس ذلك في محتوى الكتابة ذاته وفي موقفه من المعنى ومن القارئ، ومن فكرة الاكتمال التي ظلّ يراوغها حتى آخر نصوصه.

◄ تقييم أخير
انقسم التلقي النقدي لأعمال البرغوثي بين من رأى فيها مشروعًا حداثيًا جريئًا ومن اعتبرها كتابة غامضة أو نرجسية. هذا الانقسام يعكس طبيعة نصه ذاته، الذي لا يهادن القارئ ولا يسعى إلى استرضائه. غير أن "الغموض" و"النرجسية" هما في الغالب التهمتان اللتان توجّهان إلى الكتابة التي ترفض أن تكون خدمةً سهلة وهذا بالضبط ما أراده البرغوثي.
لا يمكن النظر إلى البرغوثي بوصفه كاتبًا جماهيريًا أو مؤسس تيار، بل بوصفه صوتًا فرديًا مخلصًا لتجربته الخاصة. نصوصه تتطلب قارئًا صبورًا، مستعدًا لتحمّل الغموض وعدم اليقين، وقبول أن الأدب قد يكون مساحة للسؤال أكثر منه مجالًا للإجابات.
تكمن أهميته في إعادة تعريف وظيفة الكتابة. هي ليست وسيلة تفسير للعالم. إنها تجرِبة وجودية تُعيد مساءلة العلاقة بين الإنسان وذاته ومكانه وزمنه. ولعلّ ما يجعله ضروريًا اليوم تحديدًا هو أننا نعيش في زمن يُغري بالإجابات السريعة والهويات المحسومة والخطابات الجاهزة. في مقابل هذا كله، يقف البرغوثي ويقول: الحياة أعقد من ذلك. والكتابة أمانة على هذا التعقيد. ولهذا يظل حسين البرغوثي كاتبًا ضروريًا. لا لأنه يمنح القارئ يقينًا، بل لأنه يتركه في منطقة أصدق. منطقة يتقدّم فيها السؤال على الطمأنينة، وتصبح اللغة شكلًا من أشكال النجاة.
