حين لمحتها من نافذتي، خبأت صدريتي الحمراء، أوشكت أن أعلقها بمنشر الغسيل، خبأتها أسفل جلبابي، أعطيتها ظهري، أغلق ضلفتَيِ النافذة، تستوقفني متهكمة: ألم يأنِ لك أن تتزوجي، أم فاكهتك معطوبة؟ أستشيط غضباً، أنشج وأرتعش، ولا تستطيع قدماي أن تحمل ذلك الثقل، أغلق ضِلفتي النافذة في عنفٍ، وأبتلع لساني.
في المساء، أسمعها تتأود، تصرخ منتشية، تعلن للجميع موعد انتصارها بمعركتها، مهما تخرج عن المألوف، ولكنها في النهاية كانت كنخلة عجوز، لا تطرح سوى العطش. بعد موت أمي وأبي لم يعد لي أحد سوى خالتي، تطلّ عليَّ كل حين، بجانب عملي في المعمل الحكومي صباحًا، لا يوجد مكانٌ آخر أرتاده سوى منزلي، فاتني قطار الزواج، وقد اقتربت من العقد الخامس، لم أفقد جمالي؛ شعري أسود حريري مسترسل، وجهي خمري... وأمام المرآة أقف طويلًا، من يمتلكني، يمتلك جنة ونعيمها، ولكنه رحل وترك فاكهتي معطوبة.
شيئان كانا يحيلان أيامي إلى سوادٍ مظلمٍ، تلك الليالي الشتوية التي يجتاحني فيها عبق الشهوة، أحتضن وسادتي وأعتصرها في سريري البارد حتى أهدأ، أرتحل في خيالي، تلك العجفاء الأربعينية، جارتي (أم يوسف)، كانت كلما رأتني بنافذتي أو عند الخروج من منزلي تغمز وتتلوَّى وترميني بالكلمات الفاجرة، تهمس في أذن النسوة، اللاتي يتحاشين سوط لسانها القبيح، بأن يخضن في خصوصياتي، ويخضعن إلى ما تقول: يضحكن، وكل منهن يرمقني شذرًا.
كان موعد وصولي إلى المنزل هو موعد وصول زوج تلك الأفعى، تكبره بما لا يقل عن خمسة أعوام، كثير ما كنا نلتقي في (المصعد)، أو يصعد معي درجات السلالم، نظراته تختلس جسدي، وجسده متعرق مرتعش، يخرج منديله المعطوب المزركش بخطوط زرقاء كلما توتَّر، يمسح عرقه المتصبب من جبهته الصلعاء، دائما ما يعرض عليَّ المساعدة، إذا ما كنت أحمل عدة حقائب، يحاول مرة أخيرة أن يلامس يدي، سَرَت في جسدي رعشة لم أشعر بها سوى بالليالي الباردة، تسقط حقائبي أرضًا، فيساعدني في جمع محتوياتها، ألتصق بجدار المصعد مرتعشة، يلتصق بي.
أتذكر ملامحه الوسيمة، تلك الابتسامة الساحرة التي جعلت قلبي يخفق له سريعاً، أستسلم حين رحلت أمي منذ عقد مضى، تلك الابتسامة التي قضمت فاكهتي، وأضرمت بجسدي النيران، قضم فاكهتي وهجرني.
تغمز وتلمز وتتمايل بجسدها البدين، تضع يدها على صدرها، والنسوة يضحكن، يتهامسن، أفتح ضلفتي النافذة على اتساعهما، أطيل النظر إليها، أخرج حمالة الصدر الحمراء، أعلقها بالمنشر، وأعلق منديلًا معطوبًا مزركشًا بخطوط زرقاء بجانبه.