بَرِيق

عمرو الرديني


وقفتُ أتأهَّب لرؤيتها، أو بالأحْرى رُؤيتي!

أريدها أنْ تراني في أحسنِ صورة، وأبهَى منظر.. تطلَّعتُ لهيئتي في (فاترينة) أحد المحلَّات، وجدتني أنيقًا، جذَّابًا.. كيف استطعت أنْ أمحُو قشف السنين؟ إنَّه المال يفعل أفعال السحر! نظرتُ في ساعتي الثمينة -المُشتراه خصِّيصًا لتلك المُقابلة- تبقَّى على حضورِها عشر دقائق، يأكلني التوتُّر.

فكَّرتُ في القضاءِ على الوقتِ بمسحِ الحذاء مرَّة أخرى زيادة للإبهار..

كانت تجلسُ مِن ورائي، مُستندة إلى الحائطِ الجيريّ، وتضع صندوقها بين فخذيها القويَّين كَما لو كان وليدها.. كدتُ أنسى وأنحني لخلعِ الحذاء لولا أني تداركتُ نفسي في الثانية الأخيرة؛ لأمدُّ إليها قدمي في خيلاء، فخلعته هي بخفةٍ، وألبستني شبشبًا قديمًا!

وقفتُ مُرتبكًا مِن وضعي الحالي..

شبشبٌ (زنُّوبة) على الجوْربِ القطنيِّ الفاخر، أبديتُ النَّدم لاتِّخاذي تلك الخطوة، فالحذاء لم يكن بحاجةٍ لتلميعٍ، فهل كنت أفكِّر فقط بقتلِ الوقت؟ أم أنَّني أحببتُ الاقترابَ منها؟ وبالفعلِ ولَّيتُ ظهري للطريقِ وللسيَّارات الفارهة، لأقف أتأمَّلها:
امرأةٌ أربعينيَّة، هادئة الملامح التي مرَّت عليها مَسحة مِن جمالٍ ربَّاني، طرحَتها السوداء تلفُّ وجهها الأبيض بياض الحليب، أرى القرطَ الفضي يتدلَّى مِن أذنيها الصغيرتين على شكلِ ورقةِ شجر، لها جبهة عريضة أعجبتني، فالجبهة الضيِّقة تُشعرني بغباءِ صاحبتها، أسفلها حاجبين هلاليّي الشكل، دُون إفراط في ترقيقهما، يُحيطان بعينين يبرقان رغم كلّ فقر وعوز! أمَّا الأنف فدقيق فيه كبرياء، يعلُو فمًا مُطبقة شفتاه على صبرٍ وجَلد.

أدهشتني سرعتها ومهارة يديها البضَّة، الخالية مِن الذهب، المُلطَّخة بالسواد..

أفقتُ مِن حالتي على آلةِ تنبيهٍ مُزعجةٍ تلحُّ في النِّداءِ خلفي تمامًا! استدرتُ فوجدتُ مَن أنتظرها، وقد هالها منظري الشاذ، غير مُدركة أنَّني أقف لمسحِ حذائي.. هممتُ بالابتسامِ لها، والإشارة بأنْ تنتظرني فقط للحظاتٍ، لكنَّها انطلقتْ بالسيَّارةِ مُستاءة، في غضبٍ طفولي!

أذهلني مَا حدث..

تذكَّرتُ ماسحة الأحذية، التفتُّ إليها متوقِّعًا سخريَّتها، فوجدتُ يدها ممدُودةً لي، وقد زال عنها كلّ سواد، بينما حذائي قد انطفأ فجأة بريقه.

ربَّما؛ لأنَّ بريقًا آخر كان على وشكِ أنْ يومض!

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها