حينما يقوم أحد الوالدين بمشاركة ألبومٍ أو مجموعةٍ قصصيّة مع طفلٍ صغير، فهو لا يكتفي بقراءة النصّ بصوت عالٍ على مسامعه. إنه سوف يسلّط الضّوء على اللّحظات المهمّة في القصة من خلال اللعب على نبرة الصّوت، وسيقوم بشرح معاني بعض الكلمات الجديدة على الطفل. وحتى لو كان الكتاب يتضمّن رسوماً توضيحية تُعين على فهم القصة؛ فإننا نرى أن هذا الطّقس يضع اللغة المكتوبة في قلب اهتمام الطفل الذي لم يبلغ بعدُ سنّ التّمدرس.
إن هذه الممارسة، التي قد تبدو للوهلة الأولى "مسلّية" فقط، لها في الواقع تأثير قوي على تنمية اللّغة عند الطفل وعلى تعلّم القراءة الذي يبدأ في الصّف الأول من المدرسة الابتدائية.
بدايةً، يؤدي تكرار هذه القراءة المشتركة داخل المنزل إلى تطوير مهاراتٍ معيّنة تتعلق باللغة المكتوبة. فبفضل المعلومات المنتظِمة التي تُصاحب هذا النشاط، يمكن للأطفال تعزيز الأسس الضرورية لممارسات القراءة والكتابة التي يتم الاشتغال عليها في المدرسة.
تكمن إحدى المهارات التي يتم اكتسابها فيما نسمّيه بـ"الحساسيّة الإملائية". وهي مهارة مبكّرة تسمح للطفل بفهم خصائص اللغة المكتوبة وتنظيمها. وهذا من شأنه أن يُعدّ الطفل لما سيتم العمل عليه لاحقًا خلال مرحلة التّمدرس. ولكي نعطي مثالا في هذا السياق، فإن هذه المهارة هي التي تمكنّنا من أن ندرك بأن اللغة الفرنسية المكتوبة هي "خطّية" (على شكل خطوط أفقية/ المترجم)، وأن اتّجاه الكتابة من اليسار إلى اليمين، وأن بين كلمتين مكتوبتين هناك مسافة بيضاء تفصل بينهما.
ربط الإشارات بالمعنى:
قد تبدو هذه الخصائص بديهيّة، لكن لا بدّ من إتقانها قبل التمكّن من التعامل مع طريقة جديدة للتواصل تختلف تمامًا عن المحادثة الشفهية، وغير مألوفة بالنسبة إلى الطفل.
لا تتعلّق الحساسيّة الإملائية فقط بالحكم على طريقة كتابة الكلمات في اللغة؛ وإنما أيضاً بمهاراتٍ مثل القدرة على ربط سلسلة من الحروف بمعنًى ما. وأثناء اكتساب اللغة الشفهية، يستطيع الطفل البالغ من العمر حوالي عشرين شهراً ربط شيءٍ موجود في الوضعية التواصلية بسلسلة الأصوات التي تدلّ عليه (على سبيل المثال، النطق بكلمة "قطة" للدلالة على قطةٍ يبصرها الطفل في لحظةٍ معينة).
يعدّ ربط المعنى بسلسلة من الإشارات التي خُطّت على الورق مهمة أكثر تعقيدًا، ويرجع ذلك لعدة أسباب. أولًا، لأن هذه السّلسلة تُحيل على عنصرٍ غائب عن البيئة المباشرة للطفل. وفضلا عن ذلك، تفتقر سلسلة الحروف هذه إلى الأيقونية. وهذا يعني أنها، خلافًا للرّسم، لا تعكس بالضرورة خصائص الشيء الذي تشير إليه.
يساعد الشخص البالغ الطفل، خلال أنشطة القراءة المشتركة، على إنشاء وتعزيز رابطٍ بين سلسلة حروفٍ مكتوبة ومعنًى، بالإضافة إلى التمييز بين الرّسم ومُنتجٍ مكتوب. تستبق هذه الممارسة مهارةً ضرورية لتعلم القراءة والكتابة في المدرسة الابتدائية، وهي أن يفهم الطفل أن الكلمة المكتوبة تحمل معنًى وأن العلاقة بهذا المعنى من طبيعةٍ تختلف عمّا يحدث حينما يكون إزاء رسمٍ ما.
إثراء المعجم:
ومع توالي هذه القراءات، سوف يدخل الطفل بصورة متكرّرة في علاقةٍ مع كلماتٍ لم يسمعها من قبل، تُحيل على واقعٍ يكون أحيانًا بعيدًا عن حياته اليومية (مثل كلمة "القرش" في كتابٍ عن الحيوانات البحرية). إن الشخص البالغ، من خلال شرح معنى هذه الكلمة التي يجهلها الطفل، يساعده على توسيع معجمه. وهكذا تصبح القراءة المشتركة أيضاً داعماً لتطوير المعجم، مما يكون له عواقب إيجابية على أنشطة القراءة في المدرسة الابتدائية.
لقد أظهرت كين وزملاؤها (2004) في دراسة أن الأطفال الذين يجدون صعوبةً في فهم النّصوص المكتوبة في المدرسة الابتدائية هم أولئك الذين يكون معجمهم محدوداً للغاية. وبالتالي فإن القراءة المشتركة تصبح أداةً تُتيح بشكل غير مباشر للتلاميذ المستقبليّين أن يكونوا أكثر نجاحاً في مهام فهم النصوص المكتوبة.
يجب ألا ننسى أنه خلال تلك اللّحظات التي يتشارك فيها البالغون كتاباً مع الأطفال، لا يكون الطفل في مواجهةٍ مع الصّفحات المكتوبة بشكل مستقلّ. ولذلك يتحتّم على الطفل أوّلا أن يفهم الإنتاج الشفهي الصّادر عن الشخص البالغ من أجل أن يفهم القصة. لقد أظهرت العديد من الدراسات أن العلاقة بين الفهم الشفهي والكتابي تكون قوية جدّاً لدى الأطفال، قبل وأثناء المدرسة الابتدائية. وأبانت هذه الدراسات أيضاً على أن القدرة على فهم القصص التي تُروى شفهيّاً تتنبّأ بالمستوى الذي ستكون عليه قدرة الطفل على فهم النصوص المكتوبة في المستقبل.
كلّما كان الطفل قادراً على فهم القصص التي تُروى شفهيّاً، كلّما كانت قدرته على فهم الإنتاج المكتوب أفضل عندما يجد نفسه وحيداً أمام الكتاب. تذكّرنا هذه النتائج، على غرار ما خلصت إليه دراسات أخرى، بأن تعلّم القراءة يبدأ قبل الصفّ الأول من المدرسة الابتدائية، من خلال تفاعلات الحياة اليومية والجهود المنتظِمة المتعلّقة بالفهم الشفهي.
:: المصدر ::

✦ الكاتبة: سامانثا روفوليتو/ أستاذة محاضرة في علوم اللغة بجامعة اللورين - فرنسا