في مديح من منحوا أعمارهم للمسرح

عائشة عبد الرحمن.. ابنة الكوميديا وأمّ التراجيديا

أحمد الماجد


منذ أن شاء لها القدر في ثمانينياتِ قَرنٍ منصرم بأن تُيمم بوصلة قادم الأيام صوب المسرح.. اعتلت خشبةَ الإبداع الإماراتي موهبةٌ شاهقةُ الخُطى.. وبُنية من تميز دراميّ عتيدة وعنيدة لا تعنيها أنصاف القمم.. ولا تحيدها عن دروبها مغريات أو أن تُلبسها ثوب التنازلات.. تجاوزت بذراعي إبداعها كل طموحاتها التي رسمتها سلفاً بالشخصيات التي اندمجت معها بوعي فتقمصتها.. بأناقة وقفتها فوق الخشبة.. بحسّها المسرحي الرفيع وجماليات الأداء الصادق فيما تلعبه من أدوار.. هي ابنة الكوميديا وأمّ التراجيديا.. فنانة المسرح والإذاعة والسينما والتلفزيون، سليلة الجوائز والتكريمات، الفنانة القديرة عائشة عبد الرحمن.
 

ولجت عائشة عبدالرحمن أتون الفن ودهاليزه الواسعة وهي ما تزال في ثياب المدرسة، حيث لعبت الأجواء العائلية عند عائشة دوراً كبيراً في حريتها في خياراتها، حينما وفرت لها مناخاً مناسباً لاتخاذ قراراتها بشأن مستقبلياتها، على الرغم من أن الفن بعموميته يعدّ مجالاً شائكاً لمن يلج فيه وفق وجهة نظر المجتمع، ولأجل تحقيق حلمها المدفوع بالانجذاب نحو عالم الضوء حققت أولى رغباتها ولو من بعيد في التلصص على كواليس المسرح، حين كانت تشاهد الممثلين وهم يؤدون أدوارهم، إلى أن دخلت هذا العالم الساحر، الذي هو أقرب إلى بحرٍ عميق لا ينفد الإبداع فيه.

وقبل الإذاعة والمسرح والتلفزيون، وجب أن نشير إلى أن عائشة عبدالرحمن كانت من الطالبات المتميزات في مدرستها، تتمتع بمواهب فنية خلاقة وخاصة، إذْ كانت ضمن الفريق المدرسي للجمباز الذي تجيده جيدّاً كما أنها لاعبة تنس طاولة والكرة الطائرة، وعازفة على العديد من الآلات الموسيقية، كل تلك المواهب مجتمعة أهّلتها ودرّبتها وحضّرتها لتكون فيما بعد نجمة ساطعة في سماء المسرح والإذاعة والتلفزيون، كذلك هي كاتبة للشعر الغنائي، ولها في فن النحت أيضاً، غير أنها تركت كل ذلك بحب، لصالح التمثيل الذي أرى أنها توفقت كثيراً في هذا التفضيل وهذا الاختيار.

في العام 1985 كان الموعد مع أول ظهور رسمي لعائشة عبدالرحمن على خشبة المسرح، بمسرحية "الطوفة" لمسرح الفجيرة، حيث يعود الفضل في اكتشاف موهبة عائشة عبدالرحمن المسرحية، إلى الدكتور حبيب غلوم، حينما بحث مع فريق عمل "الطوفة" عن ممثلة تؤدي دور فتاة صغيرة لم تتجاوز الخامسة عشرة من العمر، فوقع الاختيار على عائشة بعدما شاهدها الدكتور في أول عمل درامي لها، والذي كان السهرة التلفزيونية التي حملت عنوان "سحابة صيف" في العام 1985، وكذلك حينما جمعها لقاء إذاعي قبل ذلك أجرته عائشة معه، لتشاركه وحسن رجب وإسماعيل عبدالله وأحمد الأنصاري في عرض مسرحي أول، له منزلته الخاصة في قلب عائشة، برفقة مخرج العرض البحريني القدير إبراهيم خلفان.
 

مسيرة حافلة بالأعمال المسرحية

قدمت عائشة عبدالرحمن خلال مسيرتها، العديد من الأعمال المسرحية، أهمها: (الطوفة 1985، إذا فات الفوت 1985، بخشيش 1986، التوبة هالمرة 1987، المخدوع 1987، ربشة في البقعة 1988، ميد ان جلف 1989، الشبكة، حبة رمل 1990، دكتور فاس وصل من تكساس 1991، كسلان جدا "أطفال" 1991، بومحيوس في ورطة 1992، دبابيس 1993، سيف بوهلال 1995، المفاليس 1996، الملة 1996، زمزمية 1998، زهرة 1999، عائشة 2000، دور فيها يالشمالي 2001، عنتر وعبلة 2000، أمجاد يا عرب، بيان للنهاية مع مسرح قطر 2001، آباء للبيع أو للإيجار 2002، نزيف العمر الذي عرض في المغرب 2004، شما 2005، حلم السعادة "أطفال"، بقايا جروح 2005، اللوال 2007، خبز خبزتوه 2007، بيت برنارد البا في قطر 2012،) وغيرها.

أهم الجوائز التي حصلت عليها عائشة عبدالرحمن:

• مسرحية حبة رمل – جائزة أفضل تمثيل 1990.
• مسرحية كسلان جدا – جائزة أفضل ممثلة – 1991.
• مسرحية الملة – جائزة أفضل ممثلة دور ثاني– أيام الشارقة المسرحية - الدورة السابعة 1996.
• مسرحية زمزمية – جائزة أفضل ممثلة دور أول – أيام الشارقة المسرحية – الدورة الثامنة 1998.
• مسرحية زهرة – جائزة أفضل ممثلة دور أول – أيام الشارقة المسرحية – الدورة التاسعة 1999.
• مسرحية عنتر وعبلة – جائزة أفضل ممثلة دور ثاني– أيام الشارقة المسرحية– الدورة العاشرة 2000.
• مسرحية آباء للبيع أو للإيجار– جائزة أفضل ممثلة دور أول –أيام الشارقة المسرحية–الدورة 12– 2002.
• مسرحية شما – جائزة أفضل ممثلة دور أول – أيام الشارقة المسرحية – الدروة 13 – 2003.
• مسرحية نزيف العمر – حصلت على لقب ملكة المسرح عن دورها في هذا العرض المسرحي الذي كان من إنتاج قطري في العام 2004.
• مسرحية بقايا جروح – جائزة أفضل ممثلة دور أول – أيام الشارقة المسرحية – الدورة 15 – 2005.
• مسرحية اللوال – جائزة أفضل ممثلة دور أول – مهرجان المسرح الخليجي بالكويت 2009.

ألق مونودرامي

تُعدُّ مسرحية "شما" نقطة التحول في مسار حياة عائشة عبد الرحمن المسرحية، في أول تجرِبة تجمعها مع المخرج المسرحي الإماراتي أحمد الأنصاري، في نص مسرحي كتبه الفنان المتميز عمر غباش، وأعده المخرج المتميز ناجي الحاي، حينما وقفت عائشة بمفردها على الخشبة وهي تؤدي دوراً مونودرامياً فذّاً أهلها لخطف الجوائز في أيام الشارقة المسرحية، ونيل الإعجاب والتقدير في مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما في العام 2005. فالشخصية التي أدتها عائشة في هذه المسرحية كانت شخصية صعبة ومركبة، مكّنت عائشة من اكتشاف قدراتها في الاشتغال على الشخصية وأبعادها الثلاثة، وكذلك كشفت لها جوانب إبداعية مهمة في شخصية عائشة لم تكن تعرفها قبل هذا العرض، فانخرطت متحدية لنفسها مجربة قدراتها كممثلة في مسرح المونودراما، فتكلّلَتْ المغامرة بالنجاح. لقد فجر أحمد الأنصاري فيها ما لديها من طاقات أدائية على الخشبة، في نص مسرحي متشظٍ يحوي دلالات ورسالة تنشطر إلى معان عدة كانت جديدة بالنسبة لعائشة.

حبّة رمل وبدايات الألق

وعن المسرحيّين الذين أثروا في تجربتها من المسرحيين الإماراتيين تكيل الفضل أيضاً في تجربتها المسرحية إلى المخرج المسرحي المتميز ناجي الحاي، الذي تعتبر اشتغالها معه تجربة صقلت فيها الموهبة الأدائية التي وهبها لها المولى عز وجل، فالحاي يركز على الجانب النفسي للممثل، ويمنحه المبادرة والثقة والدعم لإخراج كل ما عنده، عبر الاشتغال على أداء الممثل الداخلي أولا، من خلال إيصال أبعاد الشخصية، والتركيز على الممثل باعتباره الأداة الوحيدة التي توصل رسالة العرض إلى الجمهور. فمسرحية "حبة رمل" كانت حبة في المسرح أكبر من حجر الزاوية وأكثر من نقطة بداية، بل كانت بمثابة مفترق طرق لكل المشتغلين فيها، ومن ضمنهم عائشة عبدالرحمن التي أدت أجمل أدوارها في نص مسرحي كتبه المخرج نفسه في العام 1990، حينما توجه الحاي إلى الخروج في هذا العمل من العلبة الإيطالية، والذي قدم في ساحة ترابية في النادي الأهلي. فالحاي تبنى أفكاراً مختلفة عن واقعية المسرح وضرورة تقريبه من المتفرج، كما كان يدفع الممثلين إلى الإيغال في دواخلهم، من أجل انتزاع ذلك الشعور الفريد الآسر، والموشي بكثير من الألم الداخلي، فكما الأنصاري وما قدمه لعائشة عبدالرحمن من قدرة على الوقوف باقتدار على الخشبة، كذلك فعل الحاي حينما زرع فيها الثقة وفهم الدور المسرحي الذي تؤديه على الخشبة.

آباء للبيع أو للإيجار.. طاقة تمثيلية كبيرة

تعد مسرحية (آباء للبيع أو للإيجار) لفرقة مسرح الشارقة الوطني والتي عرضت في العام 2002، في أيام الشارقة المسرحية الدورة الثانية عشرة، نقطة تحول في تاريخ كل من المخرج المبدع حسن رجب، والممثلين الرائعين أحمد الجسمي وعائشة عبدالرحمن، في نص كتبه أستاذ المسرح، المغفور له بإذن الله العراقي قاسم محمد، حينما لعب الجسمي مجموعة من الشخصيات المتناقضة الأمر الذي فتح له المجال واسعاً لاستعراض قدراته كممثل يتربع على رأس قائمة ممثلي المسرح في الإمارات. أما عائشة، فهي أيضاً لعبت مجموعة من الشخصيات، لكنها رَمت في هذا العرض بثقل سنوات خبرتها المسرحية؛ لتدخل في مباراة أداء مع زميلها الجسمي في عرض مسرحي فاجأ به المخرج حسن رجب جمهوره بمسرحية ترك لها خشبة عارية وفضاء أسود، وبأسلوب اختزالي اشتغل بحنكة على الأمكنة والحالات والتناقضات أيضاً، فحرك فضاءات العرض لتصبح الحكاية قضية فكر بين الأجيال، اجتماعية وأخلاقية متعددة. ليفوز هذا الثلاثي الجميل برفقة المؤلف ومسرح الشارقة الوطني بالجائزة الكبرى لأفضل عرض في مهرجان أيام الشارقة المسرحية في دورتها 12، وجوائز التمثيل لأفضل ممثل وأفضل ممثلة، ويعبر بعدها هذا العرض الحدود إلى قاهرة المعزّ، حيث مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.

ومن صبر عائشة، أنها أصيبت في يدها أثناء أيام البروفات على هذا العرض، حينما تعثرت وسقطت على الأرض، غير أنها أصرّت على إتمام رسالتها الإنسانية السامية في هذه المسرحية، لتتشافى بتصفيق الجمهور وإعجاب النقاد وعشقها للخشبة، الذين أهلوها مجتمعين لنيل جائزة التمثيل باقتدار.

اللوال.. جائزتان في التمثيل لعائشة عبد الرحمن

كذلك تعتبر مسرحية "اللوال" كسابقتها "آباء للبيع أو للإيجار" نقطة تحول أيضاً وعلامة مضيئة في تاريخ المسرح الإماراتي وكل المشتغلين فيه، فمن خلال نص إبداعي كتبه المتميز إسماعيل عبدالله وأخرجه المتألق محمد العامري، ومثل فيه بالإضافة إلى فارسة التكريم، مبدعون كثر أهمهم: محمد إسماعيل ود. محمد يوسف، وسعيد بتيجة وحميد سمبيج، وأحمد عبدالرزاق وناجي خميس وآخرون، ومن إنتاج مسرح الشارقة الوطني، حصلت عائشة عبدالرحمن على جائزة أفضل ممثلة دور أول في مهرجان المسرح الخليجي في دورتها العاشرة التي أقيمت في دولة الكويت 2009، وكذلك حصل إسماعيل عبدالله على جائزة التأليف، والعامري على السينوغرافيا، وسعيد بتيجة أيضا ًعلى جائزة التمثيل. وكذلك حصدت مسرحية اللوال على عدة جوائز حينما عرضت في أيام الشارقة المسرحية في دورتها السابعة عشرة 2007، حيث أكدت عائشة عبد الرحمن خلال هذه المسرحية وعبر المهرجانين المحلي والخليجي أحقيتها بأن تكون نجمة ترصعت في سماء المسرح بجائزتين في التمثيل في المهرجانين، وهو أمر لا يحدث كثيراً، أو قد لا يحدث مجدداً إلا مع سماء عائشة الإبداعية.
 

إن كل دور تؤديه عائشة على الخشبة يجب أن يكون إضافة لتاريخها المسرحي.. هكذا تنظر إلى المسرح عائشة.. فهي بطبيعتها تحب الأدوار الصعبة والمركبة.. وفي نفس الوقت.. لا تردد في قبول دورٍ ولو كان قصيراً طالما يحمل معنى كبيراً أو يجسد حدثاً اجتماعيّاً مهماً.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها