تعزيز الإنسان.. والهوية الشخصية

موجات جديدة في فلسفة التكنولوجيا

دة. نعمية البخاري


 

يقول الهولندي فيليب بري مدير مركز فلسفة التكنولوجيا وعلم الهندسة: تعزيز الإنسان هو مجال داخل الطب والهندسة الحيوية اللذين يستهدفان استحداث تكنولوجيات وتقنيات للتغلب على الحدود الراهنة للقدرات المعرفية والبدنية للإنسان. وتعتمد تكنولوجيا تعزيز الإنسان على التقدم في الهندسة الوراثية، وعلم الصيدلة والهندسة الحيوية والسيبرنية والنانو تكنولوجي. ولقد أصبح ممكناً في هذه المجالات استحداث تقنيات تحسن من وظائف الإنسان إلى ما هو أكبر من المدى السوي. إن التطبيقات المتصورة بلا حدود، تتضمن تعزيز الإنسان مثل: القوة العضلية والتحمل، والرؤية والذكاء، والمزاج والشخصية.
 

وتستلزم إمكانية تعزيز الإنسان إعادة التفكير في أهداف الطب.. ونعرف أن الهدف الأول للطب هو علاج الأمراض، وحالات العجز. معنى هذا أن الطب ظل تقليدياً علاجياً؛ ويهدف تعزيز الإنسان إلى إدخال تحسينات على الوضع الإنساني بما يتجاوز مجرد الصحة.
 

ومن أهم القضايا موضوع الجدال بشأن تعزيز الإنسان؛ تأثيرها المحتمل في الهوية الشخصية. ونفهم هنا الشخصية على أنها مجموع الصفات المدركة التي تجعل من المرء شخصاً متفرداً، خاصة كما يفهم نفسه. ويمك توقع أن يؤثر تعزيز الإنسان في الهوية الشخصية؛ لأنه يتضمن إدخال تعديلات على عقل الإنسان وجسمه، وتزويد المرء بقدرات غير عادية. وطبيعي أن هذه القدرات الجديدة يمكن أن تغير الطريقة التي ينظر بها الإنسان، وتغير سلوكه أو تغير طريقة معايشة خبرته بالعالم وبنفسه.. وأكثر من هذا أنه يمكن تعديل البشر إلى حد الكائن الحي الناتج عن ذلك، ولا يمكن التعرف عليه تماماً بوصفه عضواً من الهوموسابينس (الإنسان العاقل)، وأقد أصبح إنساناً بديلاً، أو شكل حياة ما بعد الإنسان الذي من شأنه أن يؤدي إلى تغييرات أكثر جذرية في الهوية الشخصية.


▼ تقنيات التعزيز

توجد ثلاث تقنيات رئيسة للتعزيز البشري: أعضاء صناعية (مطابقة أجهزة وأنسجة صناعية بديلة)، معالجة صيدلانية (استخدام العقاقير لتحسين الأجهزة البيولوجية)، والهندسة الجينية أو الوراثية. وعمليات التعزيز المقابلة يمكن تسميتها بالأجهزة البديلة والكيماوية والجينية.

وتعتبر التعزيزات بأجهزة بديلة تعزيزات ناتجة عن مطابقة الأجهزة البديلة للجسم البشري. والجهاز البديل هو جزء اصطناعي للجسم، ويمكن استخدام قطع الغيار الاصطناعية إما لتحل محل (أجزاء) من أعضاء الإنسان، وإما مكملة للأعضاء لحسين وظائفها. وجدير بالذكر أن القليل جدّاً من الأعضاء البديلة المستخدمة الآن يمكن تصورها على أنها تعزيزات أصيلة، نظراً لأن الغالبية العظمى منها لا تستطيع أداء الوظيفة على نحو أفضل من أداء الأعضاء بشكل سوي. ولكن هذا يمكن أن يتغير بفضل التقدم في الأجهزة التعويضية العصبية، وتقنيات الإنسان الآلي، فضلاً عن تزايد الأعضاء الاصطناعية الحيوية.

والتعزيزات الكيماوية هي تعديلات كيماوية للأعضاء أو العمليات البيولوجية، والتي تحقق أداءً وظيفياً أفضل وأرقى. ونذكر من أشهرها عقاقير تعزيز الأداء في الرياضة (المنشطات)، ويوجد منها بالفعل الكثير، بما في ذلك مواد هرمونية مثل: سترويدات نباتية وهرمونات نمو الإنسان. وتوجد فئة مهمة من التعزيزات الكيماوية المدرجة ضمن العقاقير المنشطة نفسياً، وهي عقاقير كيماوية تغير بشكل مؤقت أو دائم الأداء الوظيفي للمخ، مع تغيرات ناتجة عن ذلك في الإدراك الحسي والإدراك المعرفي، والحالة المزاجية أو سمات الشخصية أو السلوك. ويمكن استخدام هذه العقاقير المنشطة نفسياً للتعزيز مثل: مقويات الذاكرة، أو عقاقير الذكاء، وهي عقاقير منشطة نفسياً وتقوي القدرات المعرفية مثل: الذاكرة، واليقظة، والسهولة اللفظية والفكر الإبداعي.

أما التعزيزات الجينية فهي تعزيزات عن طريق الهندسة الجينية، وتتضمن الهندسة الجينية أو التعديل الجيني تعديل الجينوم (DNA الدنا) في الخلايا. ويحدث هذا عادة عن طريق تدخل دنا ( DNA) غريب. والملاحظ حتى الآن أن التعزيز الجيني للإنسان لا يزال إلى حد كبير ضرباً من الخيال العلمي، ولكن ربما لن يغيب طويلاً. ومن المتفق عليه عامة أن التعزيزات الجينية تتحقق على أفضل وجه عن طريق تعديل الخط السلالي الجيني، والملاحظ في مثل هذه العمليات معالجة جينوم الخلايا الجرثومية، بحيث تتضمن جينات فائقة متميزة من حيث سمات معينة، وسوف يكون بالإمكان بفضل هذه الطريقة خلق أطفال حسب الطلب.

وهناك إمكانية نظرية إضافية هي: استخدام دنا الحيوان (DNA)، بدلاً من دنا الإنسان في الهندسة البشرية الجينية البشرية، وسيكون منتج هذه العملية من البشر حاملين لجينات معدّلة غير بشرية، بمعنى أنهم يحملون دنا من نوع آخر. وتوجد بالفعل الحيوانات الحاملة لجينات غير جينات النوع وتحمل دنا من نوع بشري، مثل الدجاج الحامل لجينات غريبة، ويمكنها تركيب بروتين بشري في بيضتها.

وثمة إمكانية أخرى؛ وهي خلق كيانات خرافية بشرية -حيوانية-، وهذه الكيانات الخرافية هي كائنات عضوية مصنوعة من لقاحتين (Zygote) مختلفتين أو أكثر. ويعتبر الكائن الخرافي البشري- الحيواني مؤلف من نوعين متداخلين من اللقاحتين؛ إحداهما حيوانية والأخرى بشرية. وتوجد بالفعل كائنات خرافية مثل تلك التي تجمع بين الغنم والماعز، تسمى (sheep, goat = geep)، وأيضاً دجاجة لها مخ طائر من نوع الغرِّي، وكائن من بشر وأرنب، ولم تسمح السلطات المسؤولة بأن تنمو وتكبر إلى أكثر من المرحلة الجينية.

▼ التعزيز البشري والهوية الشخصية

ترتكز الأهمية المعنوية والاجتماعية للهوية الذاتية على واقع أنها تحدد كيف يشعر الناس تجاه أنفسهم، كما أنها محدد قوي لنيات الناس واتجاهاتهم وسلوكهم، والملاحظ أن مفهوم الذات الذي نما بشكل ضعيف يمكن أن يولد إحساساً بدونية الذات؛ وهو ما يتمثل بالإحساس بالدونية والنقص. وإنه من المرجح أن يؤدي تعزيز الإنسان إلى إحداث تغييرات كبرى في الهويّات الشخصية، ولذلك فإن من الأهمية بمكان تقييم أن التغييرات من المرجح حدوثها؛ لنعرف هل هذه التغييرات مقبولة لدى الفرد والمجتمع أم لا؟

وتفيد دراسة تحليلية أولية عن الإنسان؛ أن التغييرات في الهوية الشخصية الناتجة عن تعزيز الإنسان لا يكون إلا لخير الإنسان.. إن عمليات تعزيز الإنسان تهدف إلى ناس أفضل حالاً، لديهم احترام أكثر لذواتهم، ويحظون بتقدير أرفع شأناً من الآخرين.

ولا ريب في أن البشر الذين يتمتعون بعدد محدود فقط من صفات الإنسان الخارق؛ سيظلون في نظر الناس على الأرجح بشراً عاديين. ولكن أشكال التعزيز الأكثر تطرفاً يمكن أن تؤدي إلى كائنات لا يمكن الزعم بأنهم كاملي العضوية في السلالة البشرية. مثال ذلك أن الكيانات الخرافية البشرية- الحيوانية، سيجري تصنيفها في مكان ما بين البشر والحيوانات؛ حيث إن الحيوانات تحتل موقعاً في الترتيب الطبيعي أدنى من البشر، فإن تلك الكائنات سوف تنظر إليها باعتبارها أدنى من البشر؛ على الرغم من قواهم المعززة، فحاسة الشم عندهم أفضل والقوة البدنية لديهم أكبر، ومن ثم لن يوصفوا بأنهم أصحاب شخصية كاملة.

إن وجود بشر معززين بإمكانات فائقة ومختلفين يمكن أن يؤدي إلى خلق مكانات وهويّات اجتماعية خاصة بهم، ومن ثم نشأة تصنيفات اجتماعية جديدة تشير إلى طبقات مختلفة من الإنسان السايبورج، أو الكائنات الخرافية، أو البشر من ذوي التعزيزات الفائقة، وأطفال حسب الطلب علاوة على التوقعات والانحيازات المقترنة بذلك عن مكانتهم الأخلاقية ودورهم في المجتمع، وطبيعي أن هذه الانحيازات الاجتماعية سوف تنعكس في القوانين والسياسات، كما تنعكس بدورها في مفهوم الذات عن الكائن المعزز، ولكن يصعب التنبؤ بتداعيات ذلك على احترام النفس، نظراً لأن احترام النفس قد يزيد أو ينقص نتيجة للهويات الاجتماعية الجديدة، ولكن توجد مخاطرة ذات شأن كبير، وهي أن الكائنات المعززة لن تنظر إلى نفسها، ولا الآخرين سينظرون إليهم باعتبارهم أكفاء متساوين؛ إنما فقط بأنهم إما متفوقين عليهم أو أدنى منهم.

ومن المرجح –أيضاً- أن عمليات التعزيز البشري ستكون لها آثار خطيرة على الهوية الشخصية، وستكون لها هذه التأثيرات أكثر ترجيحاً بشكل خاص لعمليات تعزيز الحالة المزاجية والشخصية، أو عمليات التعزيز التي تضيف سمات الإنسان الفائق أو التي تخترق حدود النوع، وعمليات التعزيز التي تغير في المظهر البصري على نحو يتجاوز ما هو عادي.

واضح إذاً أننا سنكون أمام غلطة أخلاقية، إذا ما تسبب التعزيز البشري في إحداث تقسيمات بين الهُويات التي من شأنها أن تخلق طبقات معينة من البشر، أو الكائنات شبه البشرية في المجتمع، وتسود رؤية تمثل مكانة أدنى مستوى. وهكذا فإن تكنولوجيا تعزيز الإنسان يمكن جداً أن يكون مصيرها هو الإضرار، وليس تحسين نوعية الحياة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها