تتنوع دِلالات كلمة صحراء في المعجم العربي؛ بيد أن هذا التنوع في الدلالة يخفي وراءه وحدة في الإحالة؛ فالصحراء تدل على المكان الشاسع المُقفِر الخالي، وعلى الأرض الجدباء القاحلة؛ كما تدل على عدم النضج، والتحمل، وعلى اللااستقرار والقساوة والشَّظَفِ... إلخ؛ ولكنها تحيل، في الوقت نفسه، إلى منطقة جغرافية بعينها، هي منطقة الشرق الأوسط، بمناخها، وأشكال الحياة فيها، وثقافتها، وفنونها، ونمط سكانها في العيش والسلوك والتفكير. وسنجتهد في هذا المقال لإجمال تفصيل هذه المفارَقة العجيبة التي تحملها كلمة صحراء في طياتها.
لغوياً، الصحراء اسم يعني الفَيفاء، أو البيداء، أو القَفرة، أو المَفازة، أو الفَلاة، وجميعها كلمات تكثِّفها الكلمة الأجنبية التي تستعمل، في الأعم الأغلب، كمرادف للصحراء (sahara) وهي desert باللسان الإنجليزي، أو désert باللسان الفرنسي. يفيد المعنى الأصلي لكلمة صحراء قطعة من الأرض فسيحة وخالية، ذات غطاء نباتي ضئيل وموارد مائية شحيحة أو منعدمة.
وللكلمة جموع في العربية، أكثرها استعمالًا: صَحارٍ، صحارِي، صَحْراوات، وصَحارَى؛ ويتغير معنى الكلمة، جزئياً أو كلياً، بحسب سياق استعمالها، وتبعاً لنوع الصحراء المراد الإشارة إليه من الاستعمال. أما إيتيمولوجياً، فالصحراء كلمة مشتقة من حروف عربية ثلاثة: الصاد والحاء والراء؛ ومن أفعال عربية ثلاثة تتقاطع معانيها وترتبط ارتباطاً لا تنفصم عُراه بمرادفات كلمة صحراء. أول هذه الأفعال، هو الفعل صَحَرَ، وله معنيان: أولهما، طهي الطعام النَّيِء، وثانيهما التعرض لضربة شمس لافحة. والثاني، الفعل صَحِرَ، ومعناه ميل لون الشيء إلى الحُمرة الخفيفة؛ والثالث، هو الفعل تَصَحَّر، أي تحول الأرض -أو المكان- الخصبة المثمرة إلى أرض جرداء قاحلة، ومنه قولنا تصحَّر المكان وتصحَّرت الأرض، أي تحوَّلا إلى صحراء.
وهنالك أيضاً العديد من الكلمات والأفعال المستخدمة، سواء في العربية الفصحى أو العامية، مشتقة من كلمة صحراء، ولها ارتباطات وثيقة بمعانيها. منها، على سبيل المثال، الفعل أصْحَرَ، ومعناه الخروج إلى الصحراء والارتحال فيها، ومنه قولنا أصْحَرَ الناس، أي خرجوا إلى الصحراء واتخذوها فضاء للارتحال والسفر. ويُستعمَل هذا الفعل أيضاً مع المكان، فيفيد اتساع الأخير وصيرورته مثل الصحراء، كقولنا أصْحَرَ المكان، أي اتسع وصار شاسعاً كالصحراء.
كما يستعمل الفعل، بالمِثل، مع موضوع أو قضية، فيفيد أن الموضوع أو القضية، وبعد أن كانا أثناء مناقشتهما محاطين بالغموض والالتباس، قد صارا بيِّنيْنِ واضحين، ومنه قولنا أصْحَرَ الأمر أو الموضوع، أي صار ظاهراً جلياً بعد غموض والتباس. ومنها أيضاً، الاسم البديع للجمل، الذي يحيا في الصحراء كموطن طبيعي له، وهو سفينة الصحراء. والاسم يختزل قدرة الجمال العجيبة على التأقلم مع مناخ الصحراء، وأيضاً استعمالَ البدو الصحراويين لها كوسيلة نقل وتجارة حيوية؛ كما يكثف أيضاً ثقافة الصحراء وأسلوب حياة سكانها.
ومن الناحية الجغرافية، تزخر منطقة الشرق الأوسط بالعديد من الصحاري ذائعة الصيت، كالصحراء الكبرى، والصحراء العربية، والرُّبع الخالي، وصحراء سيناء، والصحراء الليبية. أما دينيا، فقد كانت الصحراء، في الديانات الإبراهيمية الثلاث، رمزاً يجسد عدة معان ودلالات روحية: فهي ملاذ للاختبار، حيث يُختبَر الفرد والجماعة، ومكان للقاء الإله وتحقق معجزات أنبيائه وكرامات أوليائه، وهي أيضاً رمز للتحول العظيم على الصعيدين الفردي والجماعي.
أما من الناحية الثقافية، هذه المرة، نستطيع القول بأن تيمة الصحراء كان لها أثر بالغ على جميع أشكال الأدب والفن، من الشعر والرواية إلى الرسم والسينما. فقد بدأ الأدب والشعر العربيان كشكل شفوي من سرد القصص والحكايات، انبثق من ثقافة قبائل البدو التي عاشت في الصحراء وارتحلت عبرها لعدة قرون. كما كانت فكرة أو تيمة الصحراء العربية مصدر إلهام لا ينضب للعديد من أعمال وموضوعات الأدب والقصص الغربيين. حتى إن الدارسين في هذا المجال يُجمعون، على أن أكثر الأفكار التي نعثر عليها في الأدب والقصص الغربيين، عن الحب الرومانسي الملحمي، والغرابة، والسحر، والمغامرة، والاستكشاف، وكثرة كاثرة من الأفكار المتعلقة بالمصير، والروحانية، والتصوف، واكتشاف الذات، ليست، في حقيقتها، إلا وحياً من مناظر الصحراء العربية القاسية، وامتدادها اللانهائي، وعُزلتِها، وتنوع أشكال الحياة فيها.