عندما تتحول اللوحة إلى سؤال إنساني

قراءة نقدية في التجربة التشكيلية للفنان أحمد جمال عيد

د. شيرين طاهر


في تاريخ الفن لا تُقاس قيمة التجارب التشكيلية بقدرتها على إنتاج الصور فحسب، بل بقدرتها على تحويل الصورة نفسها إلى أفق للتفكير. فالفن، كما يرى الفيلسوف الفرنسي موريس مرلو-بونتي، ليس مجرد تمثيل بصري للعالم، بل هو «طريقة لرؤيته من الداخل وإعادة اكتشافه»؛ أي أنه تجربة إدراكية يتقاطع فيها الحسّ مع الفكر. ومن هنا تتحول اللوحة إلى مساحة للتأمل في الإنسان والذاكرة والوجود، لا مجرد سطح تتجاور فيه الألوان والخطوط.

ضمن هذا الأفق يمكن قراءة التجربة التشكيلية للفنان المصري أحمد جمال عيد بوصفها تجرِبة تنتمي إلى هذا التصور المركّب للصورة. فهي تجربة لا تتعامل مع اللوحة بوصفها موضوعًا بصريًا مكتملًا، بل بوصفها فضاءً دلاليًا مفتوحًا، تتقاطع فيه الرموز مع الأسئلة الوجودية، وتتداخل فيه التجربة الفردية مع الذاكرة الثقافية الجمعية.

وقد اكتسب هذا المسار الفني بعدًا إضافيًا مع حصوله عام 2025 على المركز الثاني في جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي عن كتابه «الذاكرة البصرية: التراث العربي في تجليات الفن التشكيلي المعاصر»، وهو بحث يسعى إلى تحليل العلاقة بين التراث البصري العربي والممارسات التشكيلية الحديثة، من خلال قراءة نقدية لتجليات الذاكرة الثقافية داخل الصورة المعاصرة. وقد جاء هذا الفوز ضمن منافسة ضمت عشرات الباحثين من مختلف البلدان العربية، ما يعكس المكانة التي بات يحتلها اسمه في مجال النقد التشكيلي المعاصر.

ولا يمكن فصل هذه الخلفية الفكرية عن طبيعة إنتاجه التشكيلي؛ فالفنان الذي يشتغل على النقد والبحث يمتلك وعيًا إضافيًا بطبيعة الصورة وبالأسئلة التي تطرحها داخل الثقافة البصرية المعاصرة. ولذلك تبدو لوحاته أقرب إلى مختبر بصري تتجاور فيه التجربة الفنية مع التأمل الفكري.

تقوم اللغة التشكيلية لدى أحمد جمال عيد على بنية تجمع بين التعبيرية والسريالية الرمزية. فالشخصيات التي تظهر في أعماله غالبًا ما تتخذ ملامح متحوّلة وأجسادًا مبسّطة، بينما تتجاور الألوان في تضادات لونية واضحة تمنح التكوين توترًا بصريًا مقصودًا. وهذه المعالجة لا تهدف إلى تمثيل الواقع كما هو، بل إلى الكشف عن الحالات النفسية والوجودية التي يعيشها الإنسان المعاصر.

فالخطوط السوداء القوية التي تحدد ملامح الوجوه والأجساد لا تؤدي وظيفة تقنية فحسب، بل تعمل بوصفها بنية بنائية تضبط الإيقاع البصري للوحة. أما الألوان فتأتي غالبًا في تضادات واضحة بين الأحمر والأخضر والأزرق، وهو تضاد لوني يمنح العمل طاقة تعبيرية ويخلق نوعًا من الصراع البصري داخل التكوين.

وقد أشارت بعض الدراسات التحليلية إلى أن قوة هذه التجربة تكمن في قدرتها على تحقيق تكامل واضح بين الشكل والمضمون، بحيث لا تنفصل العناصر التشكيلية عن الدلالة الفكرية للعمل، بل يخدم كل منهما الآخر في إنتاج خطاب بصري متماسك يثير وعي المتلقي ويحفّز تأويله.

في هذا السياق يحتل الإنسان موقعًا مركزيًا داخل أعمال أحمد جمال عيد. غير أن هذا الحضور لا يأتي في صيغة تصوير واقعي للشخصية، بل في شكل رمزي يعبّر عن حالات الاغتراب أو التوتر الداخلي التي يعيشها الإنسان المعاصر.

ففي إحدى اللوحات يظهر الرأس منقسمًا إلى نصفين متضادين لونيًا، بينما يحتجز الدماغ داخل قفص حديدي في أعلى الرأس، في حين تمسك اليدان بقلب أحمر كبير في أسفل الجسد. إن هذا التكوين يقدّم استعارة بصرية مكثفة للصراع بين العقل والعاطفة؛ فالقفص الذي يحتجز الدماغ يرمز إلى القيود الفكرية، بينما يشير القلب المكشوف إلى محاولة الإنسان التمسك بعاطفته في مواجهة هذه القيود.

وفي لوحة أخرى تظهر امرأة بملامح غير واقعية تحمل سمكة فوق رأسها، بينما يبرز القلب التشريحي في منتصف الجسد. هنا تتجاور رموز الحياة اليومية مع الرموز الوجدانية في تكوين واحد، وكأن العمل يطرح علاقة رمزية بين الاحتياجات المادية للحياة، وبين العمق الروحي للإنسان.

تكمن قوة هذه الأعمال في كثافة الرموز التي تحتويها. فالسمكة، والطيور، والهاتف، والقلب التشريحي، جميعها عناصر تتجاوز حضورها الواقعي لتتحول إلى علامات دلالية داخل السرد البصري للعمل. فاللوحة هنا لا تقدم مشهدًا واحدًا، بل تفتح فضاءً للتأويل، بحيث يصبح المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى.

في إحدى هذه الأعمال يظهر رأس الإنسان على هيئة هاتف قديم تنمو من سماعته أزهار صغيرة. هذا التكوين السريالي يطرح سؤالًا حول طبيعة التواصل الإنساني في العصر الحديث: هل أصبح الإنسان مجرد وسيط للاتصال؟ وهل فقدت العاطفة حضورها داخل منظومة التواصل المعاصرة؟

أما اللون في تجربة أحمد جمال عيد فيؤدي دورًا يتجاوز الوظيفة الجمالية المباشرة. فاللون الأخضر الذي يهيمن على كثير من الوجوه لا يشير إلى طبيعة واقعية، بل إلى حالة نفسية أو روحية، بينما يظهر الأحمر بوصفه لون العاطفة أو التوتر الدرامي، ويمنح الأزرق الخلفيات عمقًا بصريًا يوحي بالمسافة أو العزلة.

ومن اللافت كذلك حضور بعض المفردات المستلهمة من التراث الثقافي المصري والعربي داخل هذه الأعمال. فصورة المرأة التي تتكرر في عدد من اللوحات تظهر بوصفها حاملة للذاكرة الحضارية والرمزية، حيث تتقاطع الصورة الأنثوية مع رموز الحياة اليومية ومع المخيال الأسطوري المرتبط بالثقافة المحلية.

غير أن هذا الاستلهام للتراث لا يأتي في صيغة استنساخ أو تكرار، بل في شكل إعادة صياغة معاصرة له. فالعناصر التراثية تتجاور مع مفردات حديثة مثل الهاتف أو الخلفيات الرقمية أو التكوينات الهندسية، مما يخلق حوارًا بصريًا بين الماضي والحاضر.

وفي هذا السياق يمكن استحضار تصور الفيلسوف الألماني ألكسندر بومغارتن، مؤسس علم الجمال الحديث، الذي رأى أن الجمال ليس خاصية ثابتة في الأشياء، بل تجرِبة إدراكية تتشكل داخل العلاقة بين الحسّ والتخييل؛ فالفن في نظره هو «فن التفكير بطريقة حسية». وهذا التصور يبدو قريبًا من تجربة أحمد جمال عيد، حيث تتحول الصورة إلى مجال لإنتاج المعنى لا مجرد تمثيل بصري للعالم.

ولا يقتصر حضور الفنان على المجال التشكيلي وحده، إذْ يمتلك مسارًا أكاديميًا وثقافيًا واسعًا. فقد صدر له ثلاثة وعشرون مؤلفًا تنوعت بين الكتب الأكاديمية والنقدية والأدبية، كما نشر أكثر من ثمانين بحثًا علميًا محكمًا في مجالات التصميم والتواصل البصري والفنون التشكيلية، وشارك في مؤتمرات علمية دولية تناولت قضايا الفن المعاصر والوسائط البصرية الحديثة. كما يشغل منصب أستاذ التصميم والتواصل البصري بجامعة جدارا في المملكة الأردنية الهاشمية، وله نشاط ملحوظ في مجال الدراسات البصرية والبحث الفني.

في ضوء ذلك؛ يمكن القول إن تجربة أحمد جمال عيد تنتمي إلى نوع من الفن الذي لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة بصرية مفتوحة حول الإنسان المعاصر. فالإنسان في لوحاته يظهر دائمًا في حالة تحوّل: رأس يتحول إلى هاتف، أفكار تتحول إلى طيور، أو جسد يحمل قلبه خارج صدره.

هذه التحولات لا تمثل مجرد خيال سريالي، بل تعكس محاولة فنية لقراءة الإنسان في زمن تتداخل فيه التقنية مع الذاكرة، والواقع مع الخيال. ومن هنا تكتسب هذه التجربة قيمتها داخل المشهد التشكيلي العربي المعاصر، إذْ تفتح أمام اللوحة أفقًا للتفكير في الإنسان بوصفه كائنًا يعيش بين الواقع والرمز، وبين الماضي والحاضر، وبين ما هو مرئي وما يظل خفيًا داخل أعماق التجرِبة الإنسانية.

ولعل هذا الأفق التأويلي هو ما يمنح أعمال أحمد جمال عيد قدرتها على الاستمرار داخل الذاكرة البصرية للمتلقي؛ فهي أعمال لا تكتفي بأن تُرى، بل تدعو إلى التأمل وإعادة القراءة، وتذكّر بأن الفن –في جوهره– ليس مجرد صورة للعالم، بل طريقة أخرى لفهمه.

 


الهوامش والمراجع:
1. موقع مصراوي Masrawy، «أحمد جمال عيد يفوز بجائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي»، 13 ديسمبر 2025.
2. موقع بوابة الأهرام Ahram Gate، «التشكيلي أحمد جمال عيد الفائز بجائزة الشارقة للبحث النقدي»، قسم الثقافة والفنون.
3. موقع Sharjah24 الإخباري، إعلان نتائج جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي الدورة السادسة عشرة.
4. موقع دائرة الثقافة في الشارقة Sharjah Department of Culture، صفحة جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي.
5. راما أحمد هنانده، «جماليات التعبير والمضمون في لوحات الفنان أحمد جمال عيد»، مجلة PHAROS International Journal of Arts and Design.
6. وصال العش، «الجمال بوصفه مفهومًا وتحولاته الدلالية في فنون الصورة لدى أحمد جمال عيد»، مجلة النقد في نقد للدراسات الجمالية.
7. Maurice Merleau-Ponty, Eye and Mind, Northwestern University Press.
8. Alexander G. Baumgarten, Aesthetica, Paris: L’Herne Editions.
9. قاعدة بيانات الباحثين Google Scholar، ملف الباحث أحمد جمال عيد.
10. قطاع الفنون التشكيلية – وزارة الثقافة المصرية، السيرة الذاتية للفنان أحمد جمال عيد.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها