سؤال المصطلح النقدي قبل ابن سلام (ت 231 ھ) الجُمحي

بهيجة الوردي

على سبيل التمهيد:

لا شك في أن دراسة النّقد قبل ابن سلام، ودراسة المصطلح النقدي قبله على وجه الخصوص، ذات أهمية بالغة لا تنكر، لاعتبارين: أولهما أن هذه المرحلة، في سيرورة وصيرورة نقدنا الأدبي العربي، مرحلة تأصيلية تأسيسية، وهي المدخل إلى فهم ما بعدها. وثانيهما أن مفتاح الفهم السليم لأي منظومة معرفية هو المصطلح؛ لأن مصطلحات العلوم والفنون تشكّل لغة خاصة، أي «نوعاً مقنناً ومُرَمَّزاً من أنواع اللغة العامة»1.

ولما كان من الثابت في الدراسات المصطلحية أن العلاقة بين المصطلح، مطلق المصطلح في أي مجال علمي، وبين الخطاب الثقافي علاقة جدلية2، وأن المصطلحات تخضع لمحددات زمنية وتاريخية وثقافية3، فالنتيجة أن المصطلح النقدي قبل ابن سلام الجمحي يطرح جملة من الإشكاليات، تتصل بأمهات القضايا المصطلحية، من قبيل التوثيق وطبيعة المصطلح وأصوله، وآليات وضعه والمرجعيات المعرفية والمحددات الثقافية والسّياق المرجعي لهذا المصطلح النقدي.

وسنقتصر في هذا المقام على قضيتين من أهم تلك القضايا وأوثقها صلة بموضوع بحثنا، ألا وهما: قضية توثيق المصطلح النقدي وتوثيق مصادره، وقضية الاضطراب والتداخل والفوضى المصطلحية. وذلك لأن القضيتين، من جهة، تمثلان المدخل الطبيعي لدراسة النقد الأدبي قبل ابن سلام الجمحي؛ ولأن لهما، من جهة ثانية، تأثيراً كبيراً على تلقي المعاصرين المصطلح والنص النقديين قبل ابن سلام الجمحي.

 

✲ قضية توثيق المصطلح النقدي وتوثيق مصادره ✲

إن دراسة التراث النقدي العربي لا يمكن أن تقوم لها قائمة، ولا أن تسير وفق خطوات منهجية متكاملة، ولا أن تفضي إلى نتائج علمية معتبرة، بغير الانطلاق من توثيق المصطلح النقدي؛ إذْ المقدمة الصحيحة لأي دراسة جادة هي التوثيق، فبه، يضيف د. الشاهد البوشيخي: «يتم ضبط المصادر التي بها المادة الخام، وييسر أمر الرجوع إليها، وبه يتم التأكد من صحة نصوص تلك المادة سنداً ومتناً، وبه تحصر ضروب المعلومات التي تحتوي عليها تلك النصوص وتحصى، ثم يأتي من بعد ذلك ما بعد ذلك من دراسات»4.

وإذا تأتى ذلك؛ فإنه سيمهد الطريق لتحقيق جملة من الأمور منها5:
◅ معرفة حجم الشاهد والغائب والمطبوع والمخطوط والمحقق وغير المحقق والمجموع وغير المجموع... من مصادر النقد العربي. مما يحيطنا علما بقيمة المستند النصي للأحكام المطلقة اليوم على النقد العربي، ويبين وجوه تصريف الجهد في مجال الإعداد العلمي للنص النقدي.
◅ معرفة مدى إسهام كل شخصية ومصدر، وكل طبقة أو طائفة، وكل عصر ومصر... في النقد ومصطلحه. وسيتميز بذلك الصحيح من المنحول، والوحيد النسبة من المتنازع فيه... مما سيسمح بتكوين دواوين نقدية ومعاجم مصطلحية لعديد من الشخصيات والطبقات والفترات.
◅ معرفة مدى حضور كل قضية ومصطلح في النقد العربي عامة، أو لدى عنصر ما أو مجموعة ما من المجموعات التي أسهمت فيه خاصة. وستسمح هذه المعرفة بتحديد زمان ومكان ولادة كل مصطلح، وعلى يد من ترعرع ونما، أو متى وكيف انقرض.
◅ دراسة المصطلح دراسة وصفية فتاريخية: انطلاقاً من كشافات خاصة وعامة، يمكن أن تخرج في فهرس واحد شامل لمصطلحات النقد العربي كلها.

أما مصادر المصطلح النقدي فهي مجموع النصوص التي نجد بها مصطلحاً نقدياً، وهي جميع الكتب التي بها نصوص شعرية أو نثرية استعمل فيها النقاد، قبل ابن سلام، ألفاظاً نقدية6. وهي، لكثرتها، تكاد تشمل، كما بينا في مصادر نقد المرحلة، المكتبة التراثية كلها.

ويمثل توثيق هذه المصادر حجر الأساس في بنيان النقد العربي، ويلزم من أجل إدراك ذلك اتباع جملة من الخطوات التوثيقية، أجملها د. الشاهد البوشيخي فيما يلي7:
◅ البحث عن النصوص التي استعمل فيها مصطلح نقدي.
◅ استخراج تلك النصوص في جذاذات خاصة، قابلة لأن تصنف حسب المصدر أو القائل أو المصطلح.
◅ التثبت من نسبتها إلى من نسبت إليه، وفق مقاييس الرواية، بدراسة الأسانيد رجالا وطرقاً، واتصالًا وانقطاعاً.
◅ التثبت من الصيغة التي ورد عليها متنها، بمقابلة جميع الصيغ التي روي بها، واختيار ما هو الأليق بالسياق ولغته، والقائل وعصره ومصره، إلى غير ذلك من المرجّحات التي قد تختلف من نص إلى نص.
◅ تصنيف المقبول منها والمردود، تصنيفاً تاريخياً حسب القائلين، بعد جمع الطرق والصيغ كلها للنص الواحد، وبيان حالها ودرجتها من القبول والرد.

 

✲ قضية الاضطراب والتداخل والفوضى المصطلحية ✲

لعل من أبرز الإشكالات التي يطرحها المصطلح النقدي قبل ابن سلام، ما غلب عليه من سمات الاضطراب والتداخل والفوضى، فافتقر في جوانب غير قليلة منه إلى الضبط والتحديد الدقيق للدلالة الاصطلاحية8. ويبدو أن على رأس العوامل التي أدت إلى هذه القضية، ما يصطلح عليه د. الشاهد البوشيخي بظاهرة التطور المصطلحي، وهي مثل بقية الظواهر الطبيعية والبشرية، لها قوانين تحكمها وعوامل تحركها، ومظاهر تتجلى فيها9.

ولا شك أن إغفال التغيرات الدلالية التي عرفتها المصطلحات النقدية، يخل بالفهم السليم، ويجعل وصف التطورات التي طرأت على الجهاز المصطلحي النقدي قاصراً10.

ومن أبرز مظاهر ظاهرة التطور الدلالي للمصطلح النقدي التخصيص والتعميم؛ فالأول يعني تضييق الدائرة المعنوية للمصطلح، ونقله من عموم إلى خصوص، ومن الغموض إلى الوضوح، ومن الإدراك المجمل العام إلى الإدراك المفصل الدقيق، على عكس الثاني11.

ويرجع د. عبد الحي القرشي أسباب واقع اضطراب المصطلح النقدي وغموضه إلى مجموعة من العوامل أهمها:
◅ غياب الشاهد على المصطلح: حيث تزخر نصوص النقد في المرحلة المدروسة بعدد كبير من المصطلحات النقدية، يستعملها النقاد دونما تمثيل لها، ومن ذلك مصطلح المعاظلة في النص المنسوب إلى عمر، رضي الله عنه، ويقول فيه عن زهير بن أبي سلمى: «كان لا يعاظل بين الكلام، ولا يَتْبَع وحشيّه، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه»12.

وكان من نتائج عدم التمثيل للمصطلح النقدي أو الاستشهاد له، أن اختلف فهم النقاد القدامى أنفسهم له، ناهيك عن المتأخرين والمعاصرين. ويكفي أن نمثل لتباين فهوم النقاد القدامى لمصطلح المعاظلة بنموذجين من قرنين مختلفين: قدامة بن جعفر (ت 337ﮪ) وابن رشيق (ت 456ﮪ).

تعني المعاظلة عند قدامة: «مداخلة الشيء في الشيء»13. ويميز فيها بين وجه جائز، وهو مداخلة بعض الكلام فيما يشبهه من وجه أو فيما كان من جنسه، وبين وجه منكر، وهو أن يدخل بعضه فيما ليس من جنسه، وما هو غير لائق به، ويكون ذلك في فاحش الاستعارة. ويمثل ببيت أوس بن حجر:
وَذَاتُ هِدْمٍ عَارٍ نَوَاشِرُهُا ** تُصْمِتُ بِالْمَاءِ تَوْلَبًا جَدِعَا
وفيه استعار التولب، وهو ولد الحمار، للطفل14.

ويوسع ابن رشيق مفهوم المعاظلة، فيجعلها تشمل جانبين: البلاغي والعروضي. البلاغي يضم ما ذهب إليه قدامة، وكذلك تداخل الحروف وتراكبها، وتركيب الشيء في غير موضعه. والعروضي ترادف المعاظلة فيه التضمين15.
◅ غموض المصطلح في ذاته: وهذا حال عدد كبير من المصطلحات، مثل: ماء الشعر والرونق والرقة؛ فهي مصطلحات تبدو، وفي عيون المعاصرين، بصفة خاصة، غامضة ومبهمة وغير محددة المعنى16.
◅ الترادف المصطلحي: ويؤدي إلى التداخل المصطلحي، ولا سبيل إلى معالجته إلا بتوجيه البحث إلى تدقيق النظر في إيجاد الفروق بين المصطلحات، وفي العلاقات القائمة بينها، من ترادف وتقابل وما إلى ذلك. ومن ذلك أنه لا يمكن دراسة مصطلحات مثل التهذيب والإطناب، إلا في ضوء مصطلحات أخرى مجاورة للأول، مثل: التحكيك والتنقيح والتثقيف والتصفية، وللثاني كالتذييل والتتميم والإيغال والتكرار17.
◅ المرجعية المعرفية والسياق المعرفي: إذ لم تكن الدراسات النقدية والبلاغية بمعزل عما يجري من مناظرات كلامية وخصومات مذهبية، كان لها الأثر الكبير في توجيه النقد والبلاغة هذه الوجهة أو تلك، بما يناسب هذا التصور الكلامي أو ذاك. ولا نعدم الشواهد الكثيرة على هذا العامل، ولنذكر منها قضية اللفظ والمعنى ونظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني، مما لا يمكن فهمه حق الفهم دون استحضار الخلفية المذهبية الكلامية التي وجهت هذه التصورات النقدية، وأرفدت مصطلحاتهم بحمولات كلامية لا نجدها عند نظرائهم ممن لم يخضعوا للمؤثرات المذهبية الكلامية18.

وإذا كان المصطلح، والمصطلح النقدي قبل ابن سلام في مقامنا هذا، هو مفتاح النقد، فإن مفتاح المفاتيح، كما يرى د. الشاهد البوشيخي، يكمن في دراسته دراسة مصطلحية، «تعتمد العلمية بشروطها في الوسائل، من الاستيعاب إلى التحليل، فالتركيب فالتعليل. وتعتمد التكاملية حسب أولوياتها في المراحل، من الوصفية إلى التاريخية، فالموازنة فالمقارنة»19.

 


الهوامش: 1. علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية، د. علي القاسمي، دار صائغ ولبنان ناشرون، لبنان، ط2/2019، ص: 94. ┇ 2. في قضايا المصطلح النقدي والبلاغي والعروضي والإعلامي، عمر عتيق، دار جرير، الأردن، ط1/2015، ص: 13. ┇ 3. علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية، ص: 100. ┇ 4. مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين: قضايا ونماذج، ص: 41. ┇ 5. نفسه، ص: 41-42. ┇ 6. مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين: قضايا ونماذج، ص: 44، بتصرف. ┇ 7. نفسه، ص: 47. ┇ 8. المصطلح النقدي التراثي وإشكالية القراءة، د. عبد الحي الورياكلي القرشي، ضمن: النص التراثي اللغوي والأدبي: إشكال القراءة والتجديد، أعمال الندوة العلمية التي نظمها مختبر الأبحاث المصطلحية والدراسات النصية بشراكة مع شعبة اللغة العربية وآدابها، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز فاس، يومي: 28-29 نونبر 2019، إعداد وتنسيق: دة. لطيفة بلخير ود. خالد السقاط، مطبعة آنفو برنت، فاس، ط2021، ص: 134. ┇ 9. مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين: قضايا ونماذج، ص: 94. ┇ 10. نفسه، ص: 86. ┇ 11. نفسه، ص: 86-87. ┇ 12. طبقات فحول الشعراء، 2/63. ┇ 13. نقد الشعر، قدامة بن جعفر، تحقيق وتعليق: د. محمد عبد المنعم خفاجي، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت، ص: 174. ┇ 14. نفسه. ┇ 15. العمدة في صناعة الشعر ونقده، ابن رشيق القيرواني، تحقيق: النبوي عبد الواحد شعلان، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1/2000، 2/1039 إلى 1041. ┇ 16. المصطلح النقدي التراثي وإشكالية القراءة، د. عبد الحي الورياكلي القرشي، ص: 138. ┇ 17. نفسه، ص: 137. ┇ 18. المصطلح النقدي التراثي وإشكالية القراءة، ص: 139-140. ┇ 19. نظرات في المصطلح والمنهج، د. الشاهد البوشيخي، دراسات مصطلحية 2، مطبعة آنفو برنت، فاس، ط3/2004، ص: 16-17.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها