تَمَلَّكَ الفكر المشرقي المغاربة على مرّ التاريخ، ألا ترى أن الفكر المغربي يستحضر النموذج المشرقي. فهل استحضر المغاربةُ النموذج المشرقي بدافع التجاوز أم بدافع التقليد؟
دفعت هذه الفرضية إلى التحقيق في هذه القضية، ذلك أن الخطابات التاريخية «المشرقية» في الأدب العربي تخفي أكثر مما تُظهر، مواقف تكشف عن أدلة نفيها للأدب العربي في بلاد المغرب، وقد نتج عن ذلك ظهور خطابات يمور بها الفكر المغربي، تؤكد النزعة الإقليمية التي يتمركز حولها الأدب المشرقي «فالمغاربة منذ القدم كانوا يتهمون إخواننا العرب في المشرق العربي بعدم اهتمامهم بالأدب المغربي أو الأندلسي»1.
أبانت الكتابات التاريخية عن أشكال التبخيس والتنقيص، قياساً على المقولة التي لهَجَها "الصاحب بن عباد": «هذه بضاعتنا رُدّت إلينا» التي أصبحت مثلا سائراً حين نستحضر علاقة المشرق بالمغرب.
الإشكال أن "الصاحب بن عباد" كان يتوقع قراءة الأدب المغربي، فإذا به، يقول "محمد عابد الجابري" يندهش ويشعر بخيبة أمل، «لأنه نسي أن ابن عبد ربه أندلسي، وأنه عندما ألّف كتابه ألّفه للأندلسيين والمغاربة لا من أجل أن يبيعهم بضاعتهم التي بأيديهم، بل لينقل إليهم مشهداً وصوراً عن «الإنسان العربي» في المشرق»2.
وتبعاً لذلك، نتنبه إلى خصوصيات تبدُو لنا في دفاع كلِّ أمة عن موروثها وتثبيته، نومئ هنا إلى مقاصد أدباء الأندلس مثل "ابن بسام" و"ابن حزم" وغيرهما، حيثُ أشاروا «بوضوح أو بإضمار إلى مقاصدهم من تأليف كتبهم؛ ومنها البرهنة مع تميز الشخصية الأندلسية واكتسابها هويَّتِها، وعلى وجود تقاليد ثقافية خاصة بها، وكان ذلك الشعور الحاد بالتَّمَيُّز في الشخصية وفي الهوية والتقاليد منذ افتتاح الأندلس (...)، فالهوية الأدبية هي جزء من الهوية المجتمعية العامة. ارتبط الاهتمام بتأريخ الأدب، إذن، بتعْزيز الهوية، وبتجذير التقليدية قديماً»3، نلحظ إذن، أن لأسلافنا مقاصد يسعون من خلالها إلى «توجيه التاريخ والمساهمة في صنعه»4، وهذا العهد بمن والاهم من مؤرخي الأدب المغربي، ذلك أنهم أبانوا عن تاريخهم بوعي منهجي، يضاهي تجارب فكرية تجاهلته: قصداً أو جهلاً.
في هذا الصدد، نؤكد أننا لا نبتغي استقصاء الكتابات التاريخية المهتمة بالموضوع، بقدر ما نريد التنبيه إلى أن حوار المشرق والمغرب تاريخي بامتياز يظهر جانب الهوية.
ننفتح على تجارب "عبد الله كنون" و"المختار السوسي" في الأدب المغربي، لنقول إنَّ خطابهما يَثوي عناصر في كليتها تُبَيِّنُ بعدَ استجماعها بنيتهُ الظاهرة، وهذا معنى قولنا: يوجد خطابٌ يروجه الخطابُ ذاته عن النبوغ المغربي في الأدب العربـي، متمثـلا فـي إسهام سوس في النبوغ الـمغربي، ومن جملة المقاصــد5 الباعثة على التأريخ للأدب المغربي بناءُ صرح يُظهر الأدب، باعتباره لم يجر التأريخُ له من حيثُ التصور إلا مع هذين العلمين، من هنا بدأ "المختار السوسي" تحقيقهُ، مُهَيِّأً الأسباب التي تضيفُ حلقة من حلقات العلم العربي المفقودة إلى الأدب العربي في قفارِ المغرب.
يُخبر "المختار السوسي" عن زيارته للزاوية الدلائية من آيت إسحاق في سفح الأطلس الكبير، متسائلاً عن وجود آثار العلماء، راوياً أنه استحضر كل ما قرأه من كتب حول الزاوية، فعلم أن «الخلود لأمثال هؤلاء لا يكون إلا بالتسجيل بالأقلام فاختمرت هذه الفكرة في نفسي عن ناحية سوس الذي أعرف فيها من أمثال الزاوية الدلائية عشرات فعشرات»6.
عمل "المختارُ السوسي" على التأريخِ لجزء من جوانب المغرب، بعد نفيه إلى «إلغ» لِيُمَكِّنَ القارئ من التعرف على آداب المغاربة التي لم يُكتب لأكثرها البقاء بسبب دواعي الأيام، وهيمنة الخطاب التعميمي المشرقي على الخطاب المغربي، وذلك باعتبار المغرب ظِلاً للمشرق، وتلك القسمة تحتاجُ إلى نقد يُظهر أن الشبيهَ المختلف له ما يُميِّزُهُ، ويُثبِتُ استقلالهُ التاريخيَ، ارتباطاً بكيانه العربي من خلال تحديد المغرب المتنوع، حيثُ يضم «طائفة من أبناء الأمازيغ الشلحيين البدويين في نشر اللغة وعلومها وآدابها (...)، ومن مفاخر المغرب أن هذا العمل بنفسه أو أكثر منه كان في بوادي درعة، وفي تافيلالت، وفي دكالة، وفي الريف، ولكن أين من يجمع لنا هناك مثل هذا الجمع»7.
إن "المختار السوسي" يشير إلى جوانب متروكة في الأدب المغربي، وبهذا يحدد المختلف، ثم يفكر ضمن هوية مشتركة تُوحِدُ المشرق والمغرب، تقوم على مكونين هما العروبة والإسلام في قوله: «دين العروبة ولغة الدين، وعادات تكونت تحت نظرهما في قطر امتزج فيه العرب والبربر تمازج الماء القراح بالراح»8.
نهج علماء المغرب نهج المشرقيين، حيث جمعتهم سلطة دينية التفوا حولها وتقيدوا بها، ولكن التزامهم بهذه السلطة الدينية لم يمكنهم من الإفادة من آدابهم وإدراجها ضمن حلقات الأدب العربي؛ مُولِّداً إشكالا يسائل الأسباب الكامنة وراء التهميش؟
في المنحى نفسه، أرّخ "عبد الله كنون" للأدب المغربي، مُحيلا إلى شروط وجود هذا الأدب، وهما: العروبة والإسلام، وبما أن محاولتنا تنصرف إلى حدود تاريخية متباعدة، ننخرط في هذا السجال الثقافي من أجل التعرف على الإشكالات الجديدة التي يفرضها سياق العصر، لإثبات النبوغ المغربي في سياق الأدب العربي، والتأريخ له بعد أن نُظر إليه نظرة استصغار، تؤكد تفوق النموذج المشرقي على النموذج المغربي، الذي حكمت عليه دواعي الأيام بالتناثر، فلم يكن من "كنون" إلا أن استجمع نصوصاً تجعل الآخر الشبيه يتريث في حكمه، ثم سلك طريقاً يختلف، بدون شك، عن النموذج المشرقي، مُستَدعياً المشرق إلى المغرب من أجل إثبات التجاوز، انطلاقاً من حوار المغرب مع المشرق تماثلاً، ونقصد به حوار الـْمِثْلِ للـمِثْل.
نلحظ إذن أن دلالة المشرق كما يرسمها الفكر الحديث، تتمثل في «مصر أولا، ثم لبنان ثانياً، وقد تموضعت كل من سوريا والعراق في المرحلة الثالثة، لا من حيث التحقيب التاريخي، ولكن من حيث تراتب الفاعلية الثقافية»9.
تولى المشارقة التأريخَ للأدب العربي، وتناولوا العصور قضيةً قضية، بدءاً من أصل اللغات إلى سقوط الأندلس؛ فأهملوا حلقة الأدب المغربي، وحسْبُك أن تطّلع على كتب تهتم بتاريخ الأدب العربي، لكل من أحمد الاسكندري ومصطفى عناني10 مصطفى صادق الرافعي11، وحنا الفاخوري12، وأحمد حسن الزيات13 وشوقي ضيف لأهميتها في تاريخ الأدب العربي، لترى أنها تجاهلت حلقة الأدب المغربي على اختلاف سياقاته ورجالاته قصداً أو جهلاً، ومرد ذلك إلى إهمال المشارقة للمغاربة، ولنا وقفة عند هذا الأمر.
وبناء على ذلك، نشير إلى قضية أخرى أثبتها "شكيب أرسلان" في «قضية خفاء الأدب المغربي على المشارقة، وإنكار كثير من هؤلاء لكثير من مزايا إخوانهم المغاربة»14، ولا ندري سبب خفاء الأدب المغربي وإن تجلى في الأفق، ولا نعرف سبب إنكارهم لهذا الأدب غير البينية الثقافية، التي أثبتت هوية المغرب واختلافه، إذا كان الأمر جلياً نستطيع معالجة هذه الثنائية الضدية الحادة، بدءاً من تحديد الأصول الثاويةِ التي يمتح منها الفكر المغربي، بناء على إثبات خصوصية أنستها الخطابات التعميمية بالمشرق، وإن باشرنا الحفر بدت لنا فعالياتها، رغم التباسها الناتج عن التعميم، الذي أجهز على ثقافةٍ بأكملها، حيثُ إن «أكبر نتيجة وأخطرها لهذا الخطاب التعميمي هو قراءة المغرب العربي من خلال المشرق، فضلا عن الخصيصة المطلقة والتجريدية لقراءة المشرق لذاته، والمنسحبة نتائجَ وأحكاما، على المغرب العربي هو الآخر»15.
هذه حقيقة هذا الخطاب، الذي أفرغ الثقافة المغربية من كل مكوناتها، كما لو أن المغرب نسخة من المشرق، وبهذا المعنى بدا أن أدب الخصوصية لا يكاد يُرى في الساحة المغربية، حتى أصبح المغرب تابعاً لا يحق له أن يتكلم، وهذا الأمر يدعو إلى المقاومة، والانفتاح على الخصوصية16 التي تحدد هويتنا الذائبة في خطاب المشارقة التعميمي.
إن البحث في جزئيات أدب الهامش، والانكِباب عليها يبعث على تثوير مجال البحث في أدب الهامش/ الخصوصية، من خلال جعل هذا الأدب أثراً يُفكرُ فيه بوعي، ويُراعي سياق العصر، فتداول خطاب الخصوصية منظوراً إليه بوعي يزيلُ عنه آليات الحجب، يُمكِّنُ من تفكيك خطاب السلطة التعميمي، ويعَرّفنا بالهوية من خلال تحديد الخصوصية بوصفها أمراً لا بد منه لفهم هويتنا المختلفة عن الهوية الثقافية للمشرقيين، والمنسجمة معها انسجاماً يَكشف عن التماثُل بين نموذجين.
ومعلوم أن الاختلاف ينهل من روافد تربطُ بين الأدب المغربي والأدب العربي، ولا تحول دون «استفادة الأول من خصوصية الواقع المغربي بما يتضمنه هذا الواقع من أصالة تتمثل في الإنسان المغربي وفي التراث المغربي والفنون الشعبية المغربية»17، بهذا، نؤسس لتعددية الواحد انطلاقاً من عد المغربِ أفقاً للفكر؛ أي أننا لا نتحدث عن المشرق والمغرب بوصفهما "أنا"، فإن كان المشرق "أنا" فالمغرب "أناه المختلف"، ذلك أن علاقة المغرب والمشرق يحددها التشابه والاختلاف أيضاً.
على أن الوحدة في ذاتها ليست لاهوتية أو أيديولوجية، ورغم أن خطابها يحجب جُزئيات تُكَونُ خطاب الهوية، ويُكرس للخطابات التعميمية، فإن الاشتغال على التنوع في الوحدة هو الأقدر على تقريبنا من: «خطاب الهامش»، و«الواقع وتغيير رؤيتنا إليه، إنها المقاربة المستكنهة لواقع تتبلد سماؤه، بتكاثف الخطابات التعميمية، بل لواقع تنفلت سماته وتفاصيله، انشباكاته وتناسلاته، لواقع لم يتكون خِطابه بعد»18.
ونحن هنا لا نشيّد صرحاً دوغمائياً ينجذب إلى التمركز، إنما نحفر في موضوع جعل من هوية الآخر [المشابه] هويتنا، وقد نتج عن ذلك الإقرار بالذوبان والخضوع له، وهذا يدل على الجهل بالخصوصية، وصيغتها هوية مختلفة كانت هي سرَّ الصراع الدائم بين المشرق والمغرب، الذي أثبت اختلافه عن المشرق من خلال هوية متنوعة. إن نوعاً من هذا التأَولِ يحتاج إلى جيل يبَشِّر بأدب مغربي يُؤول هذه النصوص المغربية؛ انطلاقاً من توظيف متصورات معرفية أكثر جذرية في الفكر المعاصر، بهذه الطريقة، ستجرنا قضايا الفكر المغربي إلى خيط يصعب تحديده، وتلك فاتحة اللذة التي نستهلها بثقافة الأسئلة.
وإن تقَبُّلا من هذا النوع لعلاقة المشرق بالمغرب من دون وعيٍ منهجي متسائل، ترك الهوة عميقة بيننا وبين حقيقة مختلفة، فأظهرَ الآخر تفوقه وكان «المغلوب مولعاً أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزَيِّهِ ونحلته وسائر أحواله وعوائده»19.
ومن الواضح أن عقدة الخضوع لثقافة يُفْعَلُ بها أو تتغذى على نفسها، هو ما يجعلنا أمام تقليد منقول يولّد ثقافة التناسخ، بلا حجة ولا دليل، ولهذا، ينبغي ألا نستجيب للوحدة، متمثلةً في الوحدة الدينية واللغوية (...)، دون أن نراعي الفوارق والاختلافات «فإذا كانت اللغة مثلاً هي الرابطة الأمتن والأقوى بين البلاد العربية، فيجب ألا ننسى أن بجانب العربية الفصحى لهجات إقليمية دارجة بجانب العديد من اللهجات البربرية»20، واللهجات ذاتها منقسمة، ومختلفة، حيث يتعذر الفهم وتضيع المعاني في متاهة الاختلاف، فضلا عن أن البعض يعتبر لهجته/ لغته هي الأسمى والأبقى، مما يفضي إلى تطاحن لغوي يؤسس لمقولة المركز والهامش.
تأكد أن النقاد المغاربة حتى إن آمنوا بالفوارق واختلاف المغرب عن المشرق، فإن آراءهم غالباً ما تكون ترديداً للقضايا الكبرى التي شغلت العالم العربي مثل القومية، فأبقت هذه القضية المغرب تابعاً لا يحق له أن يتكلم عن اختلافه، مُقراً بالخضوع للنموذج المشرقي المفتون بذاته، ونخص بالذكر الخطابات التي تستمد قوتها من الحداثة.
وبناء على ذلك، إن الاختلاف إلى خصوصياتنا المحلية أمر يدعو إلى التفكير على نحو خلاَّق مبتكر، بحيثُ تكون ذاكرة الشعب موضوعاً للمقاربات النقدية، والانفتاح، إذن، أمر مُلِحٌ يفرضه سياق العصر، ذلك أن إعادة الاعتبار لخطاب الخصوصية «الهامش» على نحو عالمي غير مؤسس على ثنائية ميتافيزيقية «الخصوصية والعالمية» يؤسس لخطاب يَتمثَّل المغرب بوصفهِ أفقاً للفكر.
المفروض إذن بحث مكونات خطاب الخصوصية المحلية في مناطق المغرب المختلفة ثقافياً وبيئياً واجتماعياً (...)، سواء بالنظر إلى الفكر بوصفه حَمَّالاً لتلك الخصوصيات المحلية، أو بالتفكير وجمعِ المتاح الذي هو الآن عُرضة للإهمال، بل الأجدر أن نولِيَ اهتماماً كبيراً للسرود المنبعثة من أفواه الأجداد باعتبارهم خزائن ثقافية فيها من العلم المستفاد الشيء الكثير، فإن لم نستجمع ثقافتنا، فجائز أن يُقِرّ المغربي بذوبان هويته في خطابات المشرق التعميمية، وهذه الثنائية تُضمِرُ قضية منطقية «الغالب/ المغلوب» أو التبعيَّة للأصل.
وبما أن الصراع قائم على أشدِّه بين أصل وفرع، فإن أسبابه غائبة ونتائجه تستند في الغالب إلى ادعاء يجعل من التجربة المغربية فرعاً يُبْتنى على أصل، والأصل، يقول "التهانوي": «ما يبتنى عليه غيره من حيث إنه يُبتنى عليه غيره". والفرع "ما يُبتنى على غيره من حيث إنه يُبتنى على غيره»21.
تبقى فكرة الأصل تراود المشرقي بشكل دائم، رغم أن الفلسفات من نيتشه إلى دريدا حسمت مع فكرة الأصل، وتبنت نقدا جينيالوجيا/ تفكيكيا يُخَلْخِلُ تجليات التمركز، ويُثبتُ الاختلاف الذي ما ينفك يعيد نفسه، ويعود إلى الأصول عَودا أبدياً، ليتأملها ويقرأها بعيون جديدة من أجل فكر مغاير ناقد لا يُغَيِّبُ الحقائق، بل يُفكك المتعاليات ويتولى نقد مركزية المركز، ومن آيات ذلك أن الاختلاف «لا يكون تابعاً للمماثل «Identique» أو القرين «l’égal» لا يتطابقان»22، وعلى هذا الأساس، فالمشرق بصفته مركزاً يستحضر شبيههُ المختلف المغرب باعتباره تابعاً، والتبعية لا تعني نسخ التجربة المشرقية، كما هو متصور في التداول المشرقي، إنما تفيدُ «تبعية الاختلاف: بمعنى الإشارة إلى حالة مُتناقِضَة تُمثل في آن واحد اعتماداً واستقلالا ذاتياً»، وبيان هذه التبعية: إدراكُ المشرق أن المغرب يرضع من الثدي نفسها التي وفرت له أسباب الحياة وهي: العروبة والإسلام؛ فبديهي أن هذين المكونين يثبتان تنوع الهوية المغربية، وانفتاحها على ثقافة الآخر الذي أسهم بشكل كبير في إعادة تشكيلها.
على أنه ينبغي إعادة التفكير في التشابه والاختلاف اللذين تستجمعهما الهوية في أفقها المفتوح على التعدد، بدلا من الانسياق إلى ما تفرضهُ المعبودات العقلية التي لا يمر حين من الدهر حتى تجدد فتكون آليةً للحجب، ألا ترى أن قراءتنا للهوية في ارتباطها بأسئلة الحداثة تُعد تفكيكاً لأصنام المعبودات العقلية، التي تَشِم الهوية وشْماً لا يُعَرِّفُ الذات بحاضرها، أو ماضيها، أو مستقبلها، ومع ذلك فإن تأمل أعمال المفكرين المغاربة، يُبينُ أنهم فككوا مفهوم الهوية وفق ما يُمليه عليهم وعيهم الأيديولوجي، حتى صارت القناعة الأيديولوجية لكل مفكرٍ هوية ثقافية يُرجع إليها للتعبير عن الذات وأحوالها مع الآخر.
وبناء على ذلك، أصبح استشكال الهوية أمراً مُلحاً؛ إذ ارتبط موضوعها بالثقافةِ، فاستدعاء الهوية من منظور ثقافي لا يراعي سياقَ التقدم قد ولَّدَ إشكاليةَ الهوية، ولعل من الأسبابِ التي مست الهوية، وجعلتها موضع إشكالٍ في الحقبةِ الحديثةِ استحضار الذات العربية لما يُسمى «بـ(صدمة الحداثة)». وإنا نرى هنا أنه من غير الضروري التذكير بالصراعِ مع الاستعمار، أو صراع الأنتلجانسيا فيما بينها حول الهوية، فجميع هذه المراحل التي مر منها الفكر العربي الحديث بلغت المنتهى في الدفاع عن هويات متقاتلة.
وحسبنا قولا أن سعت الأيديولوجيا العربية إلى إثبات تمركزها حول هوية موصولة بوجودها الحضاري؛ أي أن الأيديولوجيا تقوم على قواعد يأتمر بها المفكرون، وهذا إشكال على كثيرٍ من الوهم، لأن الهوية انفتاحٌ على التنوع، ولا يحددها الانتماء الميتافيزيقي لهويةٍ ثقافية ما.
الهوامش: 1. يقطين سعيد. الثقافة الجديدة، العدد: 10 )1978(.. ص: 81.┃2. حسن حنفي، محمد عابد الجابري. حوار المشرق والمغرب، نحو إعادة بناء الفكر القومي العربي، ط 1، )بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر. 1990(. ص: 17.┃3. محمد مفتاح، مشكاة المفاهيم: النقد المعرفي والمثاقفة. ط 1، )الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000(.. ص: 248.┃4. محمد مفتاح، التلقي والتأويل: نحو مقاربة نسقية، ط 1، )الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي. 1994 (، ص: 8.┃5. في كتابه تحليل الخطاب الشعري: (استراتيجية التناص) يُمكننا محمد مفتاح من التعرف على أن«مقصدية المتكلم (والسياق أيضا) [هما] العلة في توجيه الخطاب وفي جعله يصطبغ بلون معين) يُنظر: ــــ تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص). ط 3، )الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،1992(، ص: 59.┃6. السوسي، المختار. المعسول. المغرب: بدون ذكر دار النشر. )بدون طبعة(. ص: (ب).┃7. المعسول. ص: (د).┃8. المرجع نفسه. ص: (ب).┃9. مجلة الكرمل. محمد بنيس. )1984(. " تعددية الواحد". العدد11/229.┃10. ينظر: أحمد الاسكندري ومصطفى عناني، الوسيط في الأدب العربي وتاريخه، ط5، )مصر: مطبعة المعارف، 1925(.┃11. ينظر: الرافعي، مصطفى صادق. تاريخ آداب العرب. ط 1. (بيروت: دار الكتب العلمية. 2000م). الفاخوري، حنا.. الجامع في تاريخ الأدب العربي، ط 1. )بيروت: دار الجيل. 1986(.┃12. الزيات، أحمد حسين. تاريخ الأدب العربي. مرجع مذكور.┃13. كنون، عبد الله، النبوغ المغربي في الأدب العربي، مرجع سابق، ص: 18.┃14. مجلة الكرمل، دراسة:" تعددية الواحد: لمحمد بنيس، العدد 11/ 1984، ص: 222.┃15. يبين "علي حرب" أن الخصوصية تعد «معطى ينبغي الاشتغال عليه وتحويله إلى عمل فكري يصاغ صياغة مفهومية تمنحه عالميته الجامعة، بقدر ما تقيم صلة بينه وبين الحقيقة. وكلما كانت هذه الصلة قوية وصادرة عن تجربة غنية، قوي نفوذُ المفهوم في العمل الفكري، وازدادت قدرته على الانتشار والإشعاع، أي على الانتقال والتراسل، أو على التواصل والتعارف». علي حرب،. أوهام النخبة أو نقد المثقف. ط:1، )الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي. 1996(، ص: 10.┃16. إدريس الناقوري، علامات من الثقافة المغربية الحديثة، ط1، )بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979(. ص: 31.┃17. بنيس، محمد. مجلة الكرمل، مرجع سابق، ص: 222.┃18. ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون، تحقيق: حامد أحمد الطاهر. ط 1، )القاهرة: دار الفجر للتراث.. 2004(، ص: 192.┃19. سبيلا، محمد. )1985(. الفصول الأربعة، العدد28. السنة الثامنة. ص:229.┃20. محمد علي التهانوي، كشف اصطلاحات الفنون والعلوم، تحقيق تقديم وإشراف ومراجعة وترجمة رفيق العجم، عبد الله الخالدي وجورج زيناتي. ط 1، (لبنان: مكتبة لبنان ناشرون. 1996(. ج 1/ 213.┃21. إدريس كثير، عز الدين الخطابي. )2000(. أسئلة الفلسفة المغربية. الدار البيضاء: منشورات الزمن. ص: 56/57.┃22. أرمسترونغ، بول بي. القراءات المتصارعة: التنوع والمصداقية في التأويل، ترجمة: فلاح رحيم. )لبنان/ بيروت: الكتاب الجديد المتحدة (2009) ط1.