وريقات في حضرة الشعر

قراءةٌ نقديَّةٌ في التَّساؤلات الكُبرى

حاتم عبد الهاد السيد

مَا الشِّعر؟ ولم نكتبه؟ وما جدواه؟ ولماذا نكتبه؟ وكيف يكونُ الخطاب والتعبيرُ عن ماهية الذَّات، وتشكلات الوجود الإنساني الكُبرى؟!

أسئلةٌ كثيرةٌ يُمكنُ أنْ نطرحها لنتمثلَ ماهية الشعر.. جوهره الأسنى.. موسيقاه التي تزعق في فيافي الروح.. رؤاه وتشاكلاته.. أثره على الذَّات والكون والعالم والحياة.
إنَّهُ الشِّعرُ وكفى.. جوهرُ الحقيقة.. صدق البرهان.. دلالة الذات على وجود الإله العظيم، الخالق لتلك الحدائق والجبال والمروج، والسهول والسماء والبحار، التي خلقها لخدمة الإنسان: آدم وحواء. وفي البدء كان الشِّعرُ شمس الحقيقة المنيرة على الكون والعالم.

وفي ديوانه: "وريقات من كتاب الشعر"، للشاعر والمترجم المصري/ حسن حجازي نقف منذ البداية على جوهر الشعر وتساؤلاته الكبرى، يقول:
البحرُ من أمامِكم
والشِعرُ من خلفِكم
فإما الموتُ أو الكتابة
فأينَ تذهبون؟
(الديوان، ص: 4).

إنه يحيلنا عبر الإرث التَّاريخي إلى ذواتنا، حين خاطبَ موسى بن نصير جيش طارق بن زياد ليسير لفتح إسبانيا (الأندلس)، فوجدوا المحيط أمامهم والعَدُو مِن خلفهم، فقال طارق قولته المشهورة:
"البحر من أمامكم، والعدو من خلفكم". فإما عبور البحر وإما الموت والهزيمة. وربما هذا التماثل الإحالي عند حسن حجازي قد جعله يجهر بتلك المقولة التاريخية الشهيرة، وإن عكس المعادلة التى ظننت أنه سيرددها فيقول: "الشعر من أمامكم، والبحر من خلفكم". لكن هذه التخالفية لأفق التوقع – لديّ -كقارئ- تجعلني أتساءل: لماذا الشعر من خلفنا وليس أمامنا؟ والإجابة لدى الشاعر؛ لأنَّ الشعرَ متربّصٌ بنا طوال الوقت، (لو بطّلنا نكتبُ نموت)، وقد نجح الشاعر في استفزاز القارئ منذ البداية لماهية الكتابة وأهميتها كجهاز التنفس للإنسان، فالشِّعرُ هو أكسجين الحياة الخالد.

كما ينطلق الديوان من منطلق ميثيولوجي عبر التعالقات الذهنية، لتماثلات الموروث الفرعوني والإسلامي مروراً بالأزمنة والعصور، فهو يُحيلنا كذلك إلى وصايا "الفلاح الفصيح"، ولكنه يعيد إنتاجها عبر المعاصرة، فالمصري القديم في وصاياه لم يلوث النهر ولم يكذب، ولم يسرق، وهو هنا يعيد لنا هذه المشهدية التاريخية في ثوب قشيب عبر لغة سلسة ودون معاضلات لغوية أو ألغاز رمزية، فهو يدخل بنا إلى التاريخ مباشرة ليحيلنا إلى الشعر، إلى الحياة.. إلى الوجود، يقولُ متمثلاً المصري القديم وشخصية "سيدنا موسى" عليه السلام، الحائر الذي يبحث عن بصيص أمل للخلاص من الهلاك، يقول:
ما حرقتُ سفيني .. ولا مزقتُ دفاتري
وإنما أرسلتُ قلبي .. خلسةً
لعلي أجِدُ قَبساً من حب .. أو جذوةً من نار
أحرِقُ بها زيفكم .. فأينَ تفرون؟
(الديوان، ص: 4).

إنه الشَّاعرُ المقر بالإخلاص للشعر، كما يقر بتجارب الآخرين من الشعراء قبله ينشد المحبة ويرفض خيانة الطريق، يقف على باب الحب والشعر صادحاً عبر خطابية رقيقة، يوظفها فنية لخدمة القصيدة، يقول:
ما خنتُ "ولادة"
وما داهنتُ "جبران"
وما نافقتُ "شوقي"
وما حفظِـتُ حرفاً
من شَعر الأقدمين
إنما سِرتُ
في ركابِ المُحبين
أتقلبُ وحدي
على جمرِ الكلماتِ
وعبثاً تسرقني السنون.
(الديوان، ص :7).

إنَّه إذن الشَّاعر الفطري، الشفاهي الرعوي، ينطلق من محراب الشعر إلى الذات ليحدثها، يعيد مكرورية العصور ويتمثلها ويجلس في شرفة الذات باحثاً عن الأسئلة الكبرى، الماهيات، الحقيقة الأولى: الخلق، الإنسان، الموت والميلاد، الفضيلة، الشعر، جدوى الحياة، إنه يعيش الحياة شعراً ينام ويصحو على صوت القصائد، يجيء الليل فينام وهو قابض بيد على الشعر وأخرى على وطن يتغياه يكتب له الشعر، ويقبض على جوهره الشهي، يقول:
تصبحونَ على خير؟
أم على شِعر؟
فالقابضُ على وطنهِ
كالقابضِ على جمر
(الديوان، ص: 10).

إنه الشاعر المحب، الغاضب الثائر، يدعونا لنغضب من أجل تحرر الأوطان، تحرر القدس، تحرر الذات من العجز.. الخوف.. الظلم، لكنه يبحث في الوجود عن صديق، عن معين، فلا يجد سوى الصمت والبحر يشكو لهما قسوة الأيام، ومرار السنين، يقول:
أقلبُ عيني فما من أحدٍ .. سوى البحرِ
وصوتِ الموجِ .. وانسدادِ الأفق
(الديوان، ص :18).

وفي قصيدته: "أهل دمشق أدرى بشعابها" -والتى أهداها للشاعرة المغربية فاطمة بوهراكة- نراه بلغة تهكمية يلخِّصُ قضايانا العربية، همومنا الممتدة من المحيط إلى الخليج، دموعنا المنسالة، والمنسابة كنهر يتهادى بالوجع الشهي المرير بحب الأوطان، والزاعق، والرافض لكلِّ الممارسات غير المسؤولة من قبل أصحاب الرأي، الإهمال، العجز العربي، التشتت، الخوف، يقول عبر الحوارية الجميلة "التراجيديا السوداء":
قالت: أهل مكة أدرى بشعابها .. قلت: بل أهل دمشق 
والناتو وداعش.. وسكان العَراء
فلا تسألي.. عن المواويل الليلية
والأغاني الكلثومية .. والقدود الحلبية
والموسيقى الصادرة .. من بيتِ الحكمة ببغداد
أين توارت .. وهي تبكي دمشق؟
(الديوان، ص: 24).

إنه يناجي مسيرة الشعر التَّاريخية، يستدعي الشعراء القدامى، يعيد إنتاجية الأحداث، ومسديات التاريخ، فما أشبه اليوم بالبارحة، وما أشبه ثوار التحرير بصراع الملل والنّحل، عبر العصور العربية، التى تلبس عباءة المسرح والدين من أجل الكرسي .. يقول:
أَفَاطِمُ مهلاً .. فقد سَقطَ المتاع..
في مَن أحقُ بالخلافة
بنو العباس.. أو.. بنو أمية؟
أو مِن مَن يمتلكونَ صكوكَ الغفرانْ؟
ومفاتيحَ الجنَانِ القمرية؟
(الديوان، ص: 35).

ولنا أن نلحظ بساطة التعبير وعمقه .. حمولاته الترميزية وسياقاته التي - عبر التراسل والتعالق والتضام، والإحالة والتضمين- تحيلنا إلى عصور ومواقف وشعراء وأماكن وأزمنة متباينة متعالقة، كأنها تتجدد وتعيد ليالينا العربية الحزينة في عصور التخلف والتمذهب والتعصب والحروب، والصراع على قميص عثمان والخلافة المزعومة.

كما يمكن لنا أن نلحظ تخالفية الشعرية هُنا، فلا هي قصيدة نثر أو شعر تفعيلي، ولعله استفاد من عمله في الترجمة، فبسَّط العبارة بقصديّة، أو لعله أراد أن يصل للمعنى من أقرب الطرق، وبتكثيف شديد يحمل مضامين، وحمولات تُحاول تقصيد اللُّغة المائزة لتصل إلينا في شكل خطاب شعري بسيط لغوياً، لكنه يتقصّد التكثيف والتراكيب، ويُحاولُ خلق قصيدة تنتمي للشعر، تتباعد عنه .. تفر منه .. إليه تساوقه.. تتماس معه، وكأنَّها أسلوبية خلف ظاهر المعنى، أو أنها قصيدة المعنى المباشر، الموشّى بمنمنمات تاريخية وفسيفساء تراثية، وبزخارِفَ تحوي المعنى ليصل إلينا دون جهد ودون مواربة ودون ألعاب لغوية.

وتلك لعمري إشكالية كبرى، لكنه -رُبَّما- لكونه مترجماً، أراد للكلمة أن تنطلق في برية وفضاء المعنى، ودن رتوش وبفطرية تشبه رعوية أولى للكتابة الشعرية الصافية الرقيقة، المتهادية على بحر الشعر الذي يسع كُلَّ الأشكال، ويحتوي المعاني التي التقطها عن طريق المجرّة الكونية الممتدة بالحب، ولعله كان واعياً بالمسألة في السُّؤال عن جدوى الشعر الآن، إذ العالم لا يستمع، لا ينصتُ للأهوال الممتدة على محيط الكرة الكونية الزاعقة، يقول:
يا فاطمة: ما جدوى الشِعر في  زماننا؟ .. ما جدوى  الكلمات؟ (الديوان، ص: 40).

إنَّهُ إذن الشعر الشذري عبر الابيجراما التي تُحاول إرسالَ الإشارات الكبرى، عبر الرسائل المكثفة التي تلخص قضايانا الكبرى العربية والإسلامية، عبر رسائل شعرية، قصة شاعرية كبسولة، يقول:
جنيف 2 .. وسيكوس بيكو
من دارفور .. لكردستان
من عربستان .. لكردفان
مزادٌ كبيرٌ .. لبيعِ الأوطان
(الديوان، ص: 41).

ولننظر إلى هذه الرسائل التي اختصت مصر كرمزية تجسدت في ميدان التحرير؛ وكأنه يربط الثورة المصرية بالمواقف النضالية الكبرى للشعب المصري، يقول:
قالوا: "جَوِّع كلبكْ يتبعك .. فإن لم تُطعمهُ ينهشك"
قلتُ: عفواً!.. فالشعوبُ ليست كالقطيع
تُؤمر فتُطيع .. فاحذر أيها القادمُ الجديد
ففي مصرَ شعبٌ عنيد
(الديوان، ص: 49).

إنها قصائد المعنى.. الشعر الهامس الرامز الذي يطرح التساؤلات بعيداً عن قالبِ الشعر الَّذي عهدناه، فهنا كلام منثور، شعر مغلّف بنثر، قصيدة شعرية بامتياز، تتهادى وتحاول أن تجد طريقاً بين ضفاف الشعر وبحره الهائج، لذا نراه يسأل في رفق وببراءة مدهشة: هل يدخل الفقراء الجنة؟ وكأنه يلخص المعادلة الإنسانية لما بعد الحياة، يقول:
هل يدخل الفقراء الجنة؟ .. ربما
هذا إن كانوا سعداء .. على وجهِ الأرض!
إذاً دعنا ننظرُ للسماء .. في رجاء
نتضرعُ بالدعاء .. بالبكاء
علنا نجد السلوى .. ونلتمسُ العزاء
(الديوان، ص: 77).

كما نلحظ استخدام الشاعر لتقنية الكتابة البصرية التشكيلية عبر هندسة الشكل الهرمي، فقد ضُبط مُتلبساً أخيراً بكتابة قصيدة عاطفية، يبكي فيها غربة الذات وهو داخل الوطن، غربة الروح رغم توالي المحن، غربتنا وهيامنا الدائم في حب الوطن، الهرم الأكبر مصر الخالدة أم الدنيا، التي تلبستنا فكتبنا في حب العروس الكبرى "مصر"، أجمل معاني الحب في حضرة الشعر:
ضُبطَ.. ضُبطَ متلبساً
ضُبطَ متلبساً بالشُّروع
ضُبطَ متلبساً بالشروع في الكتابة
ضُبطَ متلبساً بالشروع في الكتابة لقصيدة


الشاعر حسن حجازي


وفي النهاية: يبقى ديوان "وريقات من كتاب الشعر"، تعبيراً نابضاً بالحب الكبير، الذي يحمله الشاعر للوطن وللعالم، فهو مشغول بالوطن وكتابة الشعر إلى ما لا نهاية، وقد عبر عن ذلك – قدر ما يطيق – فخرجت الكلمات بفطرية مطبوعة، تتلمس روح الشعر، علّه يجود – يوماً- على قلمه الفضي بقلائد الذهب الشعرية، لكنه رَغمَ كُلِّ ذلك رأيناه قد أفلتَ من براثن الشكل ليهرب في سرمدية العالم، وحيداً يحمل نأي الوطن، يُغني له عبر الحقول والجبال والسهوب، وعبر المعاصرة والأصالة، يصدح بالعشق وفيوضاته كصوفي حالم بدفء الشعر وتنهيداته، يغزل له من عسجد روحه الفطرية الجميلة قصيدة الحياة، عبر الوجع الشهي الزاعق، في بريّة العالم والكون والحياة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها