أمام إشارة المرور، قُبيل غروب الشمس، تتجمّع المركبات وتتراكم بمحركاتها الهادرة، كلٌ في مساره المحدد، تمتد على جانبيه خطوط بيضاء أو صفراء، متقطعة أو متصلة، مستقيمة أو منحنية، لتنظيم احتمالات الحركة القادمة، ويبدو إلى الأمام طريقٌ ممتد وعلى جانبيه إشارات السرعة وأعمدة الإنارة، كل شيء مرسومٌ أمامك، وفي وسط تلك التقاطعات، ما عليك سوى التحرك، يميناً أو يساراً أو إلى الأمام. وداخل هذه المعادلة المغلقة، يرقب الجميع لحظة الانطلاق بعد التوقف. مشهدٌ يوميٌ يبدو عابراً، لكنه في الواقع مُكرر مُعاد، حاله حال المحطات تلك التي نتوقف عندها، ثم نستأنف مجدداً، مثل لوحة معلقة على جدار، جميلة في الوهلة الأولى.
لو كان بمقدور أحدنا أن يرتقي إلى قمة جبلٍ عالٍ، ليشاهد نفسه من بعيد. ويرى مسار حكايته داخل أمامه، مرسوماً بدقة، مثل خارطة صغيرة، تتوزع تحركاته في أبعادها. أو هي كالرواية تتصاعد أحداثها وتزدحم عند القمة، ثم ما تلبث أن تتناثر شخصياتها وتُحل عقدتها، فتلقننا درساً أخلاقياً آخر، أو موقفاً جديداً من العالم، أو تمنحنا عيوناً جديدة نرى بها ما وراء المشاهد المألوفة.
ولكن في الحكاية ذاتها، قد تتغير الأمكنة أو معالمها، أو تتهاوى وتندثر قبل أن تتشكل مجدداً في لحظة بناء ثانية، وتتولد هذه اللحظة الجديدة في واقع جديد وتصورات مختلفة، خصوصاً حينما يسقط الخيال على مسرح الواقع، ومن ذلك حين تتحول ثنائية النعيم والجحيم في الكوميديا الإلهية لدانتي لاحقاً إلى جدلية لثنائية السلام والصراع داخل عوالم الذات الإنسانية. وفي هذه النقلة من العالم الخارجي نحو الذات، يتحول صراع الجميع إلى احتدام داخلي في النفس البشرية، هي الاستعارة ذاتها، خارج الذات أو فيها، من سياق إلى آخر.
تتغير الأحداث، كالأمكنة، حين تتدخل الأذواق، وقد تتفوق غريزة البقاء على رمزية التضحية. فلئن سقط هاملت صريعاً على مسرح شكسبير متأثراً بجراحه، بعد أن ثأر من الملك كلوديوس، وأعلن تحققّ العدالة، في لحظة تبرز فيها التضحية. إلا أنه نفذ بروحه في حكاية شرودر الألمانية منتزعاً الحكم من الملك كلوديوس بعد أن قضى عليه، لتمتد الحكاية.
نتشارك السماء ذاتها وكواكبها عينها، لكننا ننقسم عندما نصل إلى الهلال، في لحظة يكتب بها الرائي، من موضع الرصد، تاريخ الغد المنتظر بين صوم أو إفطار. قصص مختلفة كل عام، يُعاد فيها المشهد السنوي المألوف، حين يلتمس فريق من الناس هلال رمضان ويتبادل آخرون لحظات الفرح والسعادة. إن الفارق في فعل الرؤية من زاوية الناظر يغيّر نهاية الحكاية في تلك الليلة. إما عيدٌ، أو صيام يومٍ آخر في شهر رمضان، لنبحث بُعيد غروبه عن الهلال.
رحلة قصيرة، قد تبدأ عند إشارة المرور أو لحظات الفجر، ثم تنطوي بُعيد الغروب. وقد تختلف المصائر في الحكاية باختلاف الرواة، أو يشارك الجمهور في رسم أبعادها. هي قصص يتجاذبها الجميع وينسجون أطرافها، فتتكاثر وتنتشر في كل الاتجاهات، بأشكال مختلفة ومفردات مختلفة أيضاً. تبدأ ثم تنتهي، نقوم بها باستمرار، وفي كل مرة يتغير فيها الدور الذي نمثله، أو الفعل الذي نفعله، أو الزمن الذي نستغرقه فيها، أو المكان الذي نتحرك فيه.
تتشبه الحكاية بالنهر، فهو يجري دون تدخل، لا ينتظر ضوءاً من إشارة مرور، أو صافرة من مراقب؛ إنما يندفع من تلقاء نفسه، يتدفق مشكّلاً ضفتيه، يشق الطرق المختلفة ليرسم طريقه في جريانه المستمر، لا يقيّده زمان أو مكان، وضمن هذا المسار، تتباعد المحطة الأخيرة التي يمكن أن تتوقف عندها الحكاية.