عمر عبد العزيز.. وأثير الرّوْحَنَة السردية

د. راشد عيسى

د. عمر عبد العزيز قامة ثقافية عربية يمانية من صفوة الأدباء الألِبّاء مبدعي الرؤى، المبتكرين في غواية السرد الذي يُدرّب الواقعي لأن يكون ميتافيزيقيًا، فهو صاحب أسلوب فريد في ترقية الفكر إلى رتبة شعور، وفي التسامي بالشعور لأعلى معارج الفكر. إنه مِسْراد ألمعي يقدر أن يوجز غيوم فصل شتويّ في قطرة ماء واحدة، ولربما حفزه تخصصه العلمي في الاقتصاد الدولي إلى مكْنته من الاقتصاد اللغوي الباسل الذي يطوّع صلادة اللغة وعاداتها الكسولة إلى لدائن نشطة تتطاير من الأمواج الدلالية الفاتنة، فيؤاخي بين مفاهيم الإلماحات الغنوصية وإشارات الشطح الصوفي، ولُمَع الفكر الوجودي الحرّ بطرائق متباينة من فتنة التعبير عن المروم. أنه ييسر على المعاني الظاهرة تجاوزها لمقاصدها المكمونة، المفتوحة على الوديان السحيقة للتأويل ولذة التخمين والمقاربة.

 

تشهد روايته (سلطان الغيب) على تقانة سردية باهرة تحرج الأرضيّ في رحلة تعاليه إلى ما هو غيْهَبيّ يتسانى بين الإيضاح ومتعة الغموض. فهو روائي نوعي استطاع عبر شخوص (الحمودي، ومريوم، ومهيرة، والبهلول، والشيخ فرح) أن يقدم إضافة جسورة إلى فن بنيان الشخصية في الرواية العربية المعاصرة، تلك الشخصية التي تترنح سجاياها وسيماءاتها بين ما هو بشري وما هو طيفيّ مُتخيّل من عالم الغَيْبُوبيّين البررة مالكي المثابات الطاهرة والملاذات الروحانية الآمنة. إنهم الشخوص النادرون المتعالون عن فيزيائية الإنسان الأرضي المكبل بالحقائق المستعارة، وهؤلاء الشخوص أيضًا هم الحراثون المخلصون في مزارع الجن والغرائب واللامعقول، ولكن بطمأنينة رغيدة، لا يعادلها سلام نفسي آخر.

وهو فنان تشكيلي يرسم ظلالًا فلسفية في درجات اللون وهضاب المغزى، ولا تخلو لوحة له من تواشج سرّاني مع الحدس الصوفي ونوايا درجات الضوء.

آخر كتاب أصدره رواية قصيرة من نوع "نوفيلا" اسمها "مهيرة"، وهي مدوّنة سردية تستدعي فانتازيا المخيال الغيبي لصالح الأنثى المرصعة بالإيقونات الرمزية الخارقة للمألوف، مهيرة فتاة شعبية استثنائية منحها الكاتب أوصافًا أسطورية وإليغورية ذاهلة تنبئ عن طقوس العقل الشعبي فيما قبل ثمانين سنة ويزيد، لتصبح هذه المرأة سيدة النقاء في خوارقها وعجائبها، تكْمل مع كينونة "مريومة" صورة الصبية التي تعيش على الأرض وفق طاقة سحرية أثيرية عجائبية، جعلها أمثولة رئيسة في تاريخ المكان في الشارقة، وفي خلايا الجغرافية الطبيعية، كما أرادها الكاتب أيقونة تجمع في إهابها رباعية [النار والماء والهواء والتراب].

في هذه النوفيلا التي أراها خير مثال على فن الرواية القصيرة، يستنطق الكاتب فيها حزمة من تعاليم وحكم بعض مشاهير المفكرين والفنانين في العالم، ولا سيّما البارزون في الفكر الصوفي ليقيم توازياً معرفياً جاذباً لرؤى الدلالة المضمرة.

لكأني أرى أن الكاتب أراد رسم مهيرة بالألوان الزيتية فرسمها بألوان اللغة الروحانية لتضاهي ألوان قوس قزح، فكانت ألوانه نوايا مفردات وتراكيب من شواهق المفاهيم ومنحوتاتها ولوامعها، ولا يكاد عمل لعمر يخلو من مكارم اللغة التي تنسجم شظاياها مع قطرات الماء التعبيري الذكي.

إن مهيرة انسياح خصيب في كيمياء الكلمات التي سرعان ما تقع في سِحْر الخيمياء. نحن أمام سردية متعففة عن الأساليب التقليدية الآسنة، تضرب أمواجها الناعمة أعتى الجبال المحيطة بشاطئ الكينونة الوجودية البليدة. لهذا استخدمت في إنارتي هذه تلويحات من النقد المجازي الذي يتآمر مع شعرية النقد على التفلت مما هو مكرور من التطبيقات النقدية الجاهزة، وَيْكأني كتبتُ نصاً على نص.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها