من القرية إلى القلم

سعاد فوائد


في زاوية الحي القديم حيث تختلط أنفاس الزمن برائحة الخبز الطازج وتتداخل أصوات الباعة مع همسات المارة، كانت ريم تعيش كأي فتاة تحلم بلا حدود، تختبئ خلف حجاب الأمل الذي لا ينكسر بين زوايا القلب. حلمها النقي كان أن تكتب كلمات تنبض بالصدق تحاكي وجدان البشر، وتبعث فيهم نور الحياة وسط عتمات الزمن. رغم القسوة التي تحيط بها كانت تكتب سرياً في دفتر صغير، تسرّه إليها الليالي الخافتة وترى فيه سفينتها الصاعدة من قرية لا تعرف الرحيل إلى بحار الحروف.

كانت الأيام تسير بنسق ممل، تعيد نفسها برتابة تميت الأحلام، لكن نهر الأمل في داخلها لم يجف كان دفترها الصغير هو نافذة الخلاص التي تهرب إليها، حيث يستطيع الحرف أن يزهر وسط الخراب في مساء مفعم بضجيج الريح وعواء السماء، داهمت العاصفة الحي وأطاحت بأوراق متناثرة بين الأرصفة وهناك على باب بيتها وجدت رسالة غير موقعة مكتوبة بخط رقيق وجميل تحمل في طياتها نبضها كلمات تشبهها كمرآة صامتة تعكس سرها، إذْ ملأتها قشعريرة من الغموض والفضول كأنها نداء لم تُجب عليه سابقاً.

مرت ريم في رحلة فك رموز تلك الرسالة رحلة ممتلئة بالتساؤل مقدمة بوابة لعالم جديد يتسع أكثر من حدود قريتها، بين الكلمات شعرت بأنها ليست وحيدة في هذا الحلم؛ وجدت نفسها في حكايات من التقتهم، أشخاص عانوا وظلوا يحلمون ويقاومون، لم يتركوا ظلال الضعف تغرقهم، بل أضاءوا شموع أمل في ظلماتهم الطويلة في أطراف المدينة.

التقت ريم برجل أكاديمي يُدعى فؤاد، كان هرماً في مجاله ومثقفاً رفيع المستوى يحيط به هدوء الحكمة ورزانة الفكر، رأت فيه مَن يحمل تاريخاً زاخراً من المعرفة والبحث وصوتًا يعكس وقار الزمن ورقة القلب معًا. قال لها بابتسامة دافئة: "يا ريم، الكتابة ليست مجرد نقل أفكار، بل هي إحساس ينبع من أعماق الروح، وما تدونينه يُكتب بالقلب لا بالعقل". أضاف بقوله: "عليك أن تتوقفي عن الإفراط في التحليل، ودعي كلماتك تتدفق بحرية، فحينها فقط تنطق الحروف بالحقيقة والصدق. ابتسمت له ريم بخجل، وقالت بصوت خافت: "ها أنا الآن، أفتح قلبي على مصراعيه، أسير في عتمة الحلم لا بعيونٍ متحيرة، بل بروح تغني للحياة بكل الحروف"، بينما كان العالم يبدو جليديًا علمها ذلك الهرم أن الحياة تنمو رغم الخراب وأن بذرة الرجاء قوية الجذور مهما صمدت الرياح، في طريقها إلى القرية زارت فنان تشكيلي يدعى المصطفى كان يحوّل كل ألم إلى جناحين يحلق بهما الروح نحو سماء الإبداع، وحتى الألم صار في يده لوحة تأسر القلوب.

عادت ريم إلى دفترها مساء واستعادت أنفاسها المتقطعة بين الحقيقة والخيال حتى بدأت كلماتها تنساب كأنهار عذبة تتغذى من ينبوع الإلهام، كانت تروي من خلالها قصصاً جديدة ملأت صفحاتها بحكايات أهل نسيان لم تروَ من قبل كلمات تتغنى بحلم لا يموت وأصوات صامتة تهمس في أذن الزمن، لم يعد الدفتر مجرد مذكرات صغيرة، بل صار نافذة تطل على العالم الرحب، تحمل رسائلها عبر الزمن إلى قلوب المستمعين تضيء دروبهم وتمنحهم دفء الأمل.

وعلى الرغم من أن رياح الحياة ما زالت تعصف بشدة، إلا أن روح ريم ازدادت صلابة وعزيمة فقد تملكت من القوة ما يجعلها تقف بثبات في وجه العواصف، وأدركت أن الحلم بيدها وأن كلماتها هي الجسر الذي يربط بين الألم والتحول، بين اليأس والرجاء كانت تعانق الأمل كما تعانق الطفلة الدفء تغرس بذور الشغف في كل قلب تصادفه، متجاوزة القيود التي فرضها الواقع.

بعد سنوات من الكتابة الصامتة والرحلة الطويلة مع الأحلام، استطاعت ريم أن تنشر أول مجموعة قصصية بعنوان "همسات من القلب". حقق الكتاب نجاحًا كبيرًا وصدى واسعًا بين القراء الذين وجدوا في كلماتها دفء الأمل وقوة التغيير. بعدها جاءت روايتها الشهيرة "على أجنحة الحلم"، التي جسدت فيها تجربتها الشخصية بطريقة مؤثرة وأصبحت من أكثر الكتب مبيعاً.

ريم لم تعد مجرد فتاة تكتب في زوايا الحي القديم، بل أصبحت صوتًا يُسمع ملهمة لكل من يجرؤ أن يحلم ويتحدى الصعاب، الآن تخرج إلى الناس بابتسامة لا تغيب وقلب ممتلئ بالقصص التي تضيء دروب الحياة داعيةً الجميع لأن يكتبوا حكاياتهم ويشاركوها مع العالم.

ريم لم تصبح فقط كاتبة مشهورة، بل صارت صوتًا يعانق الأمل في أعمق النفوس، وكل كلمة كتبتها كانت بداية لفصل جديد في حياة آلاف القراء في كل ندوة وفي كل لقاء كانت تزرع بذور الإلهام في قلوب سامعيها والعروض تزدحم من كل مكان لتكون جزءًا من رحلة تحكي قصة الإنسان الذي لا يستسلم، والآن بينما تنظر ريم لأفق لم تُكتب فصوله بعد، تبتسم وهي تعلم أن رحلتها ما زالت تبدأ، والكتاب الحقيقي هو ما هو قادم!

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها