تعتبر مدينة فاس العاصمة الروحية للمغرب، وهي من الحواضر التي حافظت عبر العصور على خصوصية ثقافية واجتماعية مرتبطة بطقوس المناسبات الدينية، وعلى رأسها عيد الأضحى المبارك. وتشكل هذه العادات تراثاً لا مادياً مغربياً، لاشتماله على رموز دينية واجتماعية، وطقوس جماعية تنتقل شفهياً، ومن خلال الممارسة اليومية داخل الأسر الفاسية. بيد أن هذه التقاليد عرفت خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة بفعل التّمدّن، والتغيرات التي طرأت على البنية الأسرية المغربية بشكل عام، فضلاً عن التأثيرات الاقتصادية والإعلامية، الشيء الذي جعل عدداً من الممارسات مهددة بالاختفاء والزوال.
الاستعدادات القبلية للعيد
كانت الأسر الفاسية القديمة تركّز في استعداداتها القبلية على جملة خطوات، وفي مقدمتها الحرص على اقتناء الكبش قبيل العيد بأيام أو أسابيع، وكانت عملية الشراء تتم من أسواق معروفة تقام بضواحي المدينة مثل: سوق عين قنصرة، أو سوق صفرو، أو أسواق الحياينة وزرهون، وغيرها من الأسواق القارة أو الموسمية والتي تقام بالمناسبة. وقد تمتدّ مسافة البحث عن الأضحية أطول، ذلك أن الفاسي حريص على الأفضل والأكثر جودة.
كان اختيار الكبش إلى عهد قريب يخضع لمعايير في غاية الدّقة ومنها سلامة القرون وضخامتها، وبياض الصوف، والثُّغاء الجميل مع اتصافه بالهدوء، فضلا عن عظمته اقتداء بالسنة النبوية العطرة. الشيء الذي كان يجعل الأطفال يرتبطون به عاطفياً، فيقومون بإطعامه وتزيينه أحياناً بالحناء أو الأشرطة الملونة. وأمام تزايد ضغوطات الحياة وانتقال الأفراد والجماعات نحو نمط عيش جديد قوامه الحداثة الفكرية، وتجاوز كل الموروث الذي نظر إليه عند البعض كعائق للتنمية، توارى المشترك اللامادي وخضع اختيار الأضحية لمقاييس أخرى، وهي كلها تغيّب الجانب الروحي. وتتغاضى عن مقاييس الكبش الذي حددت السنة النبوية شروطه، وتعارفت عليها العادات والأعراف والتقاليد سواء بالمغرب أو بكل الأقطار العربية والإسلامية.

التقاليد المهددة بالزوال
من التقاليد التي امتدّ إليها الزوال مرافقة الأطفال لآبائهم إلى الأسواق الأسبوعية من أجل اقتناء الأضحية، وكذا تزيينها بالحناء عشية النحر، والاحتفاظ بالكبش داخل البيت عدة أيام قبل العيد. ويعزى تراجع مثل السلوكيات لضيق السكن الحضري، والبنايات العمودية الشاهقة، فضلا عن تغير نمط العيش الذي أصبح أكثر سرعة، وظهور استراتيجيات جديدة في التسوق كاعتماد الشراء السريع أو الإلكتروني في بعض الأحيان.
تنظيف البيت وتجديد الأواني
تميزت المرأة الفاسية على مرّ التاريخ بحرصها الشديد على النظافة والأناقة. وهكذا كانت النساء الفاسيات في مثل هذه المناسبة يقمن بحملة تنظيف شاملة تشمل غسل الزرابي، وتلميع النحاس، وتعطير البيت بالبخور، مع إعداد أواني خاصة بالشواء والطهي. وكانت بعض الأسر تقتني أواني فخارية جديدة خاصة بطهي "القديد" و"الخليع". وبخروج المرأة للعمل تراجعت بعض التقاليد قليلا كاستعمال الأواني النحاسية والفخارية التقليدية، وتبخير البيت بالجاوي والعنبر، وغيرهما من الأبخرة. أو التعاون الجماعي بين الجارات في التحضير، والاستعداد لعيد الأضحى المبارك، أو غيره من المناسبات الاحتفالية.
طقوس صلاة العيد
صباح العيد، كان الرجال والأطفال يرتدون ملابس تقليدية، ثمّ يذهبون إلى المصلى لأداء صلاة العيد، مرتدين الجلباب الأبيض، ومنتعلين البلغة الفاسية، ومعتمرين الطربوش الأحمر. يتوجهون جماعاتٍ وأفراداً في أجواء يغلب عليها الوقار والتّكبير.
هو نفير جماعي نحو مصليات المدينة التي تقام على مساحات شاسعة بين الأحياء السكنية، ومشهد يماثل الحج بروحانياته وبعبقه الإيماني. وبعد الصلاة تتم المصافحة الجماعية داخل فضاء المصلى أو المسجد، أو في طريق العودة، لتعقبه بعد ذلك زيارة الأقارب وتبادل التهاني بعبارات مثل "عواشر مبروكة"، أو "الله يدخلو عليكم بالصحة والسلامة"، وغيرهما من العبارات التي تفنن المجتمع الفاسي في إبداعها.
إن ولوج المجتمع الفاسي دائرة العولمة، وانصهاره أو انخراطه في موجة التمدن أثر بشكل سلبي على بعض السلوكيات الفردية كارتداء اللباس الفاسي التقليدي، أو الذهاب الجماعي مشياً إلى المصلى، حيث حلّت وسائل النقل بكل أصنافها، وتراجع حضور الأطفال المكثف لصلاة العيد.
طقس الذبح
كان رب الأسرة أو أحد كبارها هو مَن يتولى ذبح الأضحية، وهو أمر متجذر في الثقافة الفاسية، ويسبق الطقس إعداد السكاكين وشحذها، فتوجيه الأضحية نحو القبلة والتّكبير فالدعاء. وبموازاة عملية الذبح، تقوم النساء بتهيئة مائدة الفطور بإعداد الشاي، والتوابل الخاصة بالأحشاء ليتحول البيت إلى فضاء جماعي تتداخل فيه الأدوار بين الرجال والنساء والأطفال، وعلى إيقاعات الموسيقى الأندلسية يتجدّد الوصل بالتاريخ المغربي، وتجتمع الأسرة للاحتفال في أجواء متسمة بالفرح الجماعي.
للذبح عناصر رمزية تتجلى في التضحية والطاعة الدينية والتكافل الأسري. ومن خلال تلك الطقوس والعادات كانت تنتقل الخبرة بين الأجيال. غير أن بعضها امتدّ إليه الزوال خاصة رغبة الأبناء في تعلّم طقوس الذبح التقليدي، أو استخدام الفحم الخشبي المحشو داخل المجامير الطينية للشواء، لتعوض هذه العادة باستخدام المشاوي الكهربائية، والاعتماد على الجزارين الحرفيين، ويعزى الأمر لتغيُّرِ سلوكيات الأفراد أو للتحولات الصحية والقانونية التي أصبحت مطبقة داخل المدن.

المطبخ الفاسي في عيد الأضحى
تفننت المرأة الفاسية وتألقت في الطبخ، وهي بذلك أعطت للمغرب إشعاعاً باهراً. وهكذا أصبح الطعام عنصراً محورياً في التراث اللامادي الفاسي بعدما امتلكت الأسر الفاسية وصفات دقيقة؛ منها ما ميّز بعض أيام الأسبوع، ومنها ما ارتبط بكل يوم من أيام العيد. أولها "بولْفاف" الذي يعدّ أول طبق يُقدم يوم العيد، ويُحضَّر غالباً في الصباح، حيث تُلفّ قطع الكبد بالشحم وتُشوى على الفحم وتُقدَّم مع توابل خاصة كالكمون والملح، إلى جانب الشاي بالنعناع. وثانيها التقلية أو الدوارة وتُحضَّر من أحشاء الخروف بعد تنظيف دقيق ومعقد، وتُطهى بتوابل فاسية مميزة مثل الزعفران والثوم والقزبر والكمون. وكان تنظيف "الدوارة" يُعدّ مهارة نسائية متوارثة، لكن هذا التقليد أصبح مهدداً بالزوال على غرار طرق تنظيف الأحشاء بالطريقة التقليدية، إلى جانب مشاركة النساء المسنات في تعليم الفتيات اللواتي ما عادت تُطربهن مثل هذه التقاليد أمام طفرة التكنولوجيا ووسائط الاتصال المتعددة.
القديد والخليع
كانت الأسر الفاسية على مرّ العصور تقوم بتمليح وتجفيف اللحم للاستهلاك الشتوي، وهو ما يطلق عليه "القدّيد"، وهو عبارة عن شرائح لحم مجففة ومتبّلة. ومنه يُستمدّ "الخليع" كلحم مطهوٍّ ومحفوظ في الدُّهن والتوابل.
بيد أن هذه التقاليد أصبحت مهددة بالاندثار، فما عادت المؤونة من اختصاص الثقافة المنزلية فحسب، بل امتدت إليها عادة المطعمة. كما اختفت عادة تجفيف اللحم فوق سطوح المنازل العتيقة بشكل واسع، إلى جانب عادة استعمال التوابل المنزلية المطحونة يدوياً لتحلّ محلها وسائل التبريد الحديثة والمنتجات الجاهزة التي أبدعت المتاجر في تقديمها بطرق جذابة.
البعد الاجتماعي والرمزي للعيد في فاس
العيد بفاس على غرار باقي المناطق فرصة لإحياء صلة الرحم، وإن كانت الزيارات العائلية قديماً تمتد عدة أيام، وتشمل الأجداد، وكل أفراد العائلة الممتدة، ويميّزها تبادل الأطباق التي أُعدّت بالمناسبة، وكذا تقديم اللحم للفقراء والجيران؛ فإن المجتمع الفاسي تخلّى عن الكثير من التقاليد ومنها الزيارات الممتدة، وتبادل الأطباق بين الجيران، والولائم الجماعية داخل الدرب الفاسي. ويعزى الأمر لمنصات التواصل الاجتماعي التي نابت عن الوصل المباشر. لقد كان الامتناع عن الزيارة يعتبر إخلالا بالأعراف الاجتماعية، وتمرّداً على الموروث، بيد أنه مع التوظيف التكنولوجي غدا الأمر مقبولا، وعُدّت المكالمة الهاتفية صلة رحم، وهكذا تم التطبيع التدريجي مع الإيقاع الجديد الذي فرضته العولمة.
إن هذه التحولات من شأنها أن تغيّب الهُوية والموروث، وتخلق نمط حياة منشطر عن الذات الجماعية، ومن ثم يبقى التدخل الأكاديمي أمراً ملحاً للدراسة، ووضع الاستراتيجيات للتصالح مع الذات، وصون الهُوية التي امتدّ إليها العبث.
الأطفال والعيد
أبدع الأطفال على مرّ السنين في صنع ألعاب من قرون الأضحية، مع إبراز فرحهم الطفولي وهم يشاركون الكبار في السلخ والشواء وغيرها من الأعمال اليدوية التي يفرضها طقس العيد. غير أن هذا التقليد بات مهدداً بالزوال أمام موجة صناعة ألعاب الأطفال، وبسبب تغير الثقافة الاستهلاكية الحديثة التي كرّست سلوكيات جديدة.
أسباب تراجع بعض التقاليد
يمكن تفسير تراجع عدد من العادات الفاسية المرتبطة بعيد الأضحى إلى عدّة عوامل ومن أبرزها: التحول العمراني؛ حيث تقلّصت مساحة البيوت التقليدية ذات السطوح الواسعة، وانتقل الناس للسكن في الشقق الحديثة، والعمارات العمودية ذات الملكية المشتركة. كما يرجع الأمر أيضاً لتغيّر البنية الأسرية من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية. فضلا عن ضعف وتراجع انتقال الخبرات بين الأجيال بسبب التأثير الإعلامي والعولمة التي عملت على توحيد الأنماط الاستهلاكية خاصة بين فئتي الشباب واليافعين. كما عملت العولمة والثقافة المعاصرة على تراجع الخصوصيات المحلية، الشيء الذي أدى إلى تقليص مظاهر الاحتفال التقليدي بسبب الضغوطات المالية، وصعوبة الظروف الاقتصادية التي رافقها ارتفاع تكاليف الأضاحي، وبالتالي عزوف فئات عريضة عن النحر خلال هذه المناسبة التي يجمع كل المغاربة على تسميتها بـ"العيد الكْبير".
إن هذا التحوّل أو التقزيم المادي والمعنوي لشعيرة عيد الأضحى، أو بمعنى آخر إخراجه من نبله الروحي يجعلنا نطرح أكثر من سؤال حول مستقبل الهُويات والثقافات المحلية، ومدى قدرتها على الصمود أمام التيارات الجارفة التي حملها تيار العولمة. وهنا ننبه كل الضمائر الحية، والجهات المسؤولة إلى ضرورة تحمل المسؤولية التاريخية.
أهمية توثيق هذه العادات ضمن التراث اللامادي
تندرج الطقوس الاحتفالية بعيد الأضحى أو العيد الكبير عند الأسر الفاسية ضمن الممارسات الاجتماعية الجماعية. وقد امتدت تلك الطقوس الاحتفالية لتشمل المعارف التقليدية المرتبطة بالمطبخ، والحرف والمهارات اليدوية، فضلًا عن العلاقات الأسرية، وهي عناصر أساسية من التراث الثقافي اللامادي وفق تصور اليونسكو. أمام هذا الوضع الفريد، وأمام التقلبات التي يعرفها المجتمع الفاسي على غرار باقي المكونات الأخرى؛ فإن الأمر يقتضي الحفاظ على هذا الموروث العريق وذلك بالتوثيق الميداني الشفهي، عبر تسجيل شهادات كبار السن، وتصوير الطقوس التقليدية المهددة بالانقراض، في أفق إدماج التراث المحلي في المناهج التربوية والثقافية.
✦✦✦
تعبر عادات وتقاليد الأسر الفاسية في عيد الأضحى عن منظومة ثقافية متكاملة، انصهر فيها الديني والاجتماعي والرمزي والغذائي ليشكل تنوعاً جمالياً، وارتباطاً بروحية المدينة. وقد أسهمت هذه الطقوس على مر العصور في تعزيز التضامن العائلي بين أفراد المدينة، وتثبيت الهُوية الحضرية لمدينة فاس، العاصمة الروحية. وإن كانت العديد من الممارسات بدأ يطالها النسيان؛ فإن الضمير الفاسي لا يزال حياً، وبين الفينة والأخرى تطالعنا المبادرات الطامحة لتوثيق السلوكيات، لكن تبقى الدراسة والتوثيق الأكاديمي أمراً ملحاً، صوناً للذاكرة الجماعية المغربية.