التَّخاطُر تقنيةً سردية في رواية "ملائكة السيدة ماريا"

د. عبده منصور المحمودي


في روايته -الصادرة حديثًا عن مكتبة خالد بن الوليد بصنعاء "ملائكة السيدة ماريا"- وظّف الكاتب عبد الفتاح إسماعيل التخاطرَ تقنيةً سردية، في بناء رؤيته، وتسريد سياقاتها، التي تشابكت أحداثُها بين مخاضِ ميلادٍ طويل، وفضاءِ طفولةٍ حالمة. ذلك هو ما سأتناوله، في مقاربتي النقدية -هذه- التي سأتطرق فيها إلى ثلاثة محاور رئيسة: الحيز السردي والشخصية الروائية، التخاطر موضوعًا وتقنية سردية، الأطفال ملائكة السيدة ماريا.

 

أولًا: الحيز السرديّ والشخصية الروائية

 يتعاطى الاشتغال السردي في هذا العمل مع فكرةٍ إنسانية محورية، تشير إلى إمكانية الاستئناس بالتخاطر، في السعي إلى النجاة من تناقضات الحياة المعاصرة، ومعالجة إشكالياتها الفكريّة والثقافيّة والاجتماعية والإيديولوجية.

واتِّساقًا مع شمول هذه الفكرة الإنسانية، تنوّعت شخصيات الرواية، بتنوّع الثقافات والبيئات التي تنتمي إليها، منها ما انتمى إلى البيئة المحلية، كشخصيات: إلهام، والممرضة، والطبيب بديع، وطاهر، والطفلة تفاحة. ومنها ما انتمى إلى بيئةٍ غير يمنية، من مثل الفتاتين الكمبوديّتين: (ماريا)، و(ساريتا)، والطفلة السورية مادلين، والطفل الكرديّ العراقي بلُّور.

وارتبطت كل شخصية من شخصيات العمل بأحداثٍ، اتّسقت مع بُنى الشخصيات الثقافية، وسماتها وهوياتها الفاعلة في تشكيل فضاء الحكاية؛ فإلهام امرأةٌ حاملٌ في نهاية شهرها التاسع، بدأ مخاضها، فانتقلت إلى المستشفى، وهناك اعتنى بها الطبيب بديع ومعه إحدى الممرضات، التي اكتفى السياق السردي، بالإشارة إليها بصفتها "الممرضة"، وكان الأجمل أن تُمنح اسمًا خاصًّا بها؛ لإضفاء نوعٍ من الاتّساق مع حضورها، في مساحة لا بأس بها، من مركزية الأحداث ومركزية التخاطر الفاعل في نسجها.

ومن خلال شخصية الشابة الكمبودية (ماريا) قدمت الرواية قيمة العمل الإنساني، الذي تفانت فيه، لا سيما ما يتعلق منه بعملها في مجال إنقاذ أطفال البيئات، المنهكة بالصراعات والنزاعات المأساوية.

 أمّا الشخصيتان طاهر و(ساريتا)، فقد تناول العمل من خلالهما إشكالية العلاقة، بين طرفي تجربة حبٍّ ينتميان إلى ثقافتين مختلفتين؛ إذْ تقف العادات والتقاليد، في مجتمع الحبيب اليمني طاهر، حائلةً دون زواجه من محبوبته الكمبودية (ساريتا). وقد اتخذت السياقات السردية من هذه الإشكالية نسقًا لاختبار جوهر المحبة، الذي كان فاعلًا، في انتصار هذه التجربة، على ما اصطدمت به، من رؤى وعادات وتقاليد اجتماعية غير عادلة.

وفي سياق إنسانية الفكرة الروائية -أيضًا- اتّسع الحيّز السرديّ المكانيّ، فتنوّع بين أمكنةٍ يمنية، من مثل: مدينة صنعاء، وحصن حبّ في محافظة إب، وعدد من أحياء مدينة تعز. وأمكنة غير يمنية، أهمها: العاصمة الكمبودية بنوم بنه، ومدينة السليمانية شمال العراق، ومدينة حلب السورية، ومدينة بنجلور الهندية. وقد استوعب الحيّزُ السردي الزمني الأحداثَ، التي توزّعت على هذه الأمكنة، في الفترة الممتدة ما بين مطالع العقد الأول، ومطالع العقد الثالث، من الألفية الثالثة؛ إذْ يستند هذا التأطير الزمني، إلى جملةٍ تضمّنت إشارةً إلى تاريخ "آذار مارس 2005م" (ص32)، وإلى مضامين سردية أخرى، أحالت على انتمائها، إلى زمنٍ تالٍ للحرب، التي اندلعت في اليمن عام 2015م.

ثانيًا: التخاطر موضوعًا وتقنيةً سردية

يُراد بمصطلح "التخاطر" تلك القدرة الذهنية، التي يُعتقد أنها فاعلةٌ، في تيسير التواصل بين عقلين متباعدين مكانيًّا، بشكلٍ ذهنيّ، لا تدخل الحواس الخمس في إنجازه.

وانتقل هذا المصطلح من سياقه (الباراسيكولوجي)، إلى الكتابة السرديّة، في هذا العمل، الذي منح شخصياته هذه القدرة الاستثنائية، من أهمها شخصية إلهام ذات العالم التخاطريّ الخارق، وشخصية (ماريا)، التي امتلكت "قدرة خاصة وخارقة للتخاطب مع الآخر عن بعد، روحيًّا ونفسيًّا وعاطفيًّا وعقليًّا" (ص79).

وتنوعت حيثيات اكتساب هذه الملكة الذهنية، من شخصية إلى أخرى. كما حظيت بعناية ملحوظة، ومركزية فاعلة في تسريد أحداث العمل. ولتحقيق نسقٍ من التلقي -المأهول بتداعٍ استيعابي لمركزية التخاطر في هذا العمل السردي- كان لا بد من التأسيس لهذه المركزية، بما يكفي من الإضاءة المعرفية لمصطلح التخاطر؛ لذلك حظيَ بمساحة كافيةٍ، من التعاطي معه من زاوية علمية وتنظيرية، كشفت عن ماهيته، وأنواعه، وتاريخه، وموقف العلم المعاصر منه، وما وصل إليه من نجاحٍ، في سياق الاعتراف به من جهة، وسياق اضطلاعه بدورٍ تواصليٍّ ما ورائيّ من جهةٍ أخرى.

 وانطلاقًا من هذه المساحة المعرفية التأسيسية للتخاطر، بدأ دوره المركزي في تسريد أحداث الحكاية، فكان نسقًا محوريًّا في رؤى الشخصيات التي تماهت معه، فتحدثت عنه، وعن فاعليته وإمكانياته الخارقة؛ فهو عالمٌ مشفّرٌّ بالحب والخير (ص68). كما أنه "ولوجٌ لعالم لائق نقي، متعالٍ فوق أنانية المرابين باسم الرب والأديان والأوطان" (ص58). وهو "عوالمُ من التجليات والصفاء الذهني والخلود الروحي" (ص151)، الذي يتطلب "قيمًا إنسانية سامية تُمثِّلُ مُشتركًا إنسانيًّا بين جميع البشر" (ص80).

وفي هذا السياق، ارتقى التخاطر في الرؤية السردية، فتمثّل فيها ملاذًا آمنًا للبشرية؛ إذ أشار إلى ذلك عددٌ من شخصيات العمل، من مثل ما دار بين إلهام وماريا من حديث عنه، وعن إمكانية أن يغدو "فلسفةً جديدة وبديلة عن مكر السياسة، ونفاق الدبلوماسية على حساب حقوق البشر" (ص51). ومثل ذلك ما تضمّنه سياقُ الحديث عن الفشل، الذي انتهت إليه كل النظريات والفلسفات والأيديولوجيات، وما أفضى إليه هذا الفشل من حيرةٍ، وتساؤلات مختلفة، منها هذا التساؤل المُلحّ: "ماذا لو تحول هذا العالم إلى هالات من التخاطر؟ وأصبح كل شخص يخاطر الآخر، في أي زمان ومكان والحب والخير هما شرطان أساسيان للتخاطر" (ص52)؛ إذ قام هذا التساؤل، على ما تلمسه الرؤية السردية -في هذه القدرة الماورائية- من قيم الحب والخير، ذات الأثر الجوهري الفاعل في تذويب المسافات الفكرية والثقافية، التي تتناسل منها أزمات الصراع، الفاتكة بمسارات الحياة البشرية.

"إلهام" وسردية التخاطر

على ما تجلّى من تمتُّعِ كثيرٍ من شخصيات العمل بهذه الملكة الذهنية، إلّا أن شخصية إلهام، كانت هي الأكثر حظوةً باستيعاب سردية التخاطر، وما اتسم به من مركزيةٍ في صياغة السياقات السردية؛ إذْ بدأ دور إلهام المحوريّ -هذا- في الظهور، منذ وصولها إلى المستشفى، باحثةً عن مساعدةٍ طبيّةٍ، تُيَسِّرُ لها ولادتها.

لم تكن حال ولادة إلهام مألوفةً، بل كانت غريبة؛ إذْ اتخذ الأطباء قرار إجراء عملية قيصرية لها، لكنهم ارتبكوا بما انتابها من هدوء وسكينة مفاجئة، وما حدث من انهيارٍ مفاجئ للممرضة، أعقبه انهيارٌ مماثلٌ للطبيب بديع، ولم يدرك أحدٌ أنّ ذلك لم يكن سوى أعراضٍ، لتمكُّن إلهام من استقطابهما إلى عالمها التخاطري، الذي أُثري بهما، فكانت "حالة التخاطر دائمة ومستمرة بين السيدة إلهام والممرضة والدكتور بديع وجنينها" (ص47).

لم تخرج مضامين التخاطر بين إلهام وجنينها، عن الإشارة إلى ضرورة تأجيل ولادته، وبقائه في بطنها؛ حتى تحين اللحظة المناسبة لخروجه. من ذلك، قول إلهام لجنينها: "أعرف أن العالم استفزك، وفكرتَ بالمكوث في بطني أكثر مما هو طبيعي، لا أطالبك بالخروج؛ لأن كوكبنا ما زال خارج العقل والحكمة، تريث غدًا ستشرق الأرض بنور قلبك، ويحل الأمل بدلًا من الألم" (ص26). كذلك هو الأمر في تبريرها إصرارها على بقائه في مكانه؛ "حتى يكون هذا العالم سويًّا وعقلانيًّا يحب فيه الإنسان أخاه الإنسان" (ص67). وبذلك، قدّم السياق السردي -من خلال تخاطر إلهام مع جنينها- رؤية نقديةً للواقع الممزق بصراعاته، غير المُتّسع لاستقبال حيوات جديدة، قادمة من أرحام البراءة. كما كان تأجيل هذه الولادة سبيلًا إلى التعاطي السرديّ، مع مساحات الأمل. تلك المساحات، التي تحتضن العملَ على تهيئة الحياة، وتأهيلها إلى مستوىً، تحظى فيه الطفولة القادمة، بما يكفي من الرعاية والرفق والعناية.

ثالثًا: الأطفال ملائكةُ السيدة ماريا

اشتبكت الرؤية السردية -في فضائها العام- مع أفكار الواقع القاتمة، بأفكار حداثية أكثر رقيًّا وإنسانية. كما وازى هذا الاشتباكَ إصرارٌ تخاطريٌّ، على الحيلولة دون مبارحة الجنين مكانه الآمن في بطن أمه. وعلى ما في هذه المضامين من سوداوية وإحباط، إلّا أنها لم تقف عند هذا المستوى من التنامي؛ إذْ حرص الاشتغال السردي على اقترانها بمضامين مغايرة، ذات ارتباط بمقاربةِ الممكن والمتاح، من محاولاتِ اجتراح المسارات، التي يمكن من خلالها معالجةُ بؤس الواقع ومأساويته، وبوجه خاص ما يتعلّق من ذلك، بالتداعي مع شتى السبل، التي يمكن من خلالها تهيئة الحياة المعاصرة، لنشأة طفولةٍ سليمة.

ذلك هو ما تجلّى بوضوح، في عددٍ من السياقات السردية، التي حظيت الطفولة باهتمامها الملحوظ؛ إذْ كانت هذه المرحلة العمرية أولويةً لا آخر لها، في دلالة عنوان واحدٍ من فصول الرواية: "الطفولة أولًا وأخيرًا" (ص138). كما امتد هذا الاحتفاء -بهذه الأولوية- إلى عددٍ من السياقات السردية، التي تطرّق بعضٌ منها، إلى موقع الطفولة من التشريعات الأممية والدولية، لا سيما ما يتعلق من ذلك بالإعلان العالمي لحقوق الطفل عام 1959، وما يتصل بذلك من احتفال المجتمع الدولي باليوم العالمي للطفل. وما يفضي إليه من انفصامٍ، بين مضمون هذا الإعلان الدولي، وواقع الطفل في كثير من بلدان العالم، المنهكة بالفقر والصراعات الكارثية. وفي السياق نفسه، يأتي تسريدُ شطرٍ من الجهود والأنشطة الإنسانية، التي قامت بها السيدة ماريا، وهدفت من خلالها، إلى إعادة تأهيل مجموعةٍ من الأطفال، المنتمين إلى بيئاتٍ غير مساعدة على العناية بحياتهم الغضة.

السيدة ماريا وإثراء الطفل

أثّثت السياقات السردية آفاق التلقي -لطبيعة العمل الإنساني الذي اضطلعت به السيدة ماريا- بالإشارة إلى استثنائية هذه الفتاة، ورؤيتها الإنسانية في الحياة، وفكرها المتجاوز حدود الجغرافيات والقوميات؛ فهي "شابةٌ كمبودية شرقية ناصرت الإنسان دون أدنى اعتبار للون أو دين أو قومية" (ص78).

وانسجامًا مع خصوصية هذا البعد الإنساني، الذي انتصرت له السيدة ماريا، جاء اختيارها العمل في المجال الإنساني، لا سيما ما يتعلق منه بالطفولة؛ إذْ قادت حملة "لتأسيس مدرسةٍ لأطفال الظروف الصعبة في الشمال الكمبودي" (ص35)، مع حرصها على أن تلبي هذه المدرسة الغاية من بنائها؛ لذلك كان من أهم خصائصها التكامل في عملها، الذي مكّنها من الاهتمام "بجوانب شخصية الطفل النفسية.. العقلية.. الجسمية.. الاجتماعية" (ص92). كما أنها "ليست ذات مبان ومرافق كما هو في المدارس المتعارف عليها؛ بل مدرسة من الخيام والمساحات الصديقة للأطفال، وبعض الألعاب الحركية والذهنية" (ص36).

وفي السياق نفسه، سعت السيدة ماريا إلى إنقاذ ما يمكنها إنقاذه، من أطفال البلدان المنكوبة بالنزاعات والحروب؛ إذْ سافرت إلى عددٍ من هذه البلدان، فوصلت إلى اليمن، وعثرت في مدينة تعز على الطفلة تفاحة، ذات السنوات العشر، إحدى ضحايا الصراع المستعر في البلد. ثم اتجهت إلى مدينة السليمانية شمال العراق، وهناك لفت انتباهها حال الطفل الكردي بلّور، الذي كان واحدًا ممن قضت الحروب على آبائهم. بعدها صادفت في مدينة حلب السورية الطفلة مادلين، التي لم يبق أحد من أهلها الذين التهمتهم الحرب. كما امتد نشاط ماريا إلى أطفالٍ لم يكونوا ضحايا حروب؛ وإنما ضحايا استغلالٍ وعنف أسريّ، منهم الطفلة الهندية (كريشنا)، التي انتظمت إلى مجموعة أطفال السيدة ماريا، في مدرستها -تلك- التي صارت ملاذًا لهم ولأمثالهم ممن عصفت بأحوالهم قسوة الحياة وتداعياتها؛ فغادروا بلدانهم إليها؛ "ليصنعوا عالمهم الخالي من الموت والدمار، عالم لائق بطفولتهم وطموحاتهم" (ص180). وبذلك، تمكنت السيدة ماريا من تحقيق تقدمٍ عمليّ مهمّ، في انتصارها للإنسان، وللطفولة، كما نجحت في تقديم الممكن، مما تحتاج إليه خصوصية هذه المرحلة العمرية.

من التخاطر إلى الواقع المشترك:

قبل أن تصل السيدة ماريا إلى اليمن -لممارسة عملها الإنساني- كان التخاطر يجمعها مع إلهام، إلى الحدّ الذي صار موضوعًا لعلاقتهما. تلك العلاقة، التي احتار رجال الأمن في تفسيرها، فسألوا ماريا عن هذه العلاقة فور وصولها إلى اليمن، فجاءهم الردّ منها بأنها "علاقة لا تدركها أي استخبارات على وجه هذا الكوكب" (ص33).

ومن خلال آلية التخاطر، بين هاتين السيدتين (إلهام/ وماريا)، تشاركتا السعادة بما وصلت إليه ماريا، من نجاحٍ في عنايتها بالطفولة، وما تنجزه من مشروعات متصلة بها. وهو ما أفضى إلى شعور إلهام، بأن لحظة ولادة جنينها قد حانت، بوصفها "ولادةَ روحٍ جديدة تبعث العالم من جديد" (ص58)، ولادة حلم يفك شفرة البؤس واليأس، ومثلث الموت المرعب الجاثم على حياة اليمنيين: الفقر، والحرب، والمرض. ذلك هو ما بدأ يلوح لإلهام، مصحوبًا بموجةٍ جديدةٍ من آلام المخاض، استشعرت أنها الأخيرة، وأن الجنين فيها "مصمّمٌ على الخروج لهذه الأرض المبعثر ركامها في كل مكان... سيكون ضمن جوقة ملائكة السيدة ماريا" (ص194). ذلك هو ما تحقق بعد لحظات؛ إذْ احتفت الحياة بالمولود الجديد، كما احتفت بانضمامه إلى أطفال مدرسة السيدة ماريا.

لقد طوّع الاشتغال السردي -في هذا العمل- التخاطر لاستيعاب الرؤية السردية، التي انتصرت للطفولة، وعملت على فتح فضاءِ الممكن من آفاقٍ مساعدةٍ، في إعادة الاعتبار لهذه المرحلة العمرية، وإعادة صياغتها بما يتّسق مع الغاية الإنسانية المشتركة، التي تستشرف في الأطفال خلاصًا للبشرية من أحوالها الكارثية، ومستقبلًا عامرًا بقيم الخير والحب والجمال؛ تلك القيم الجوهرية، في إضفاء التعايش والتسامح والسلام، على الحياة البشرية، في شتى البلدان والشعوب، على اختلاف التقاليد والثقافات الإنسانية.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها