عرضت دور السينما في السابع عشر من يوليو 2026 فيلم المخرج البريطاني الشهير كريستوفر نولان، والذي خرج به من عباءة الخيال العلمي التي طبعت أعماله السابقة، ليخوض تجربة مختلفة تماماً: اقتباس سينمائي لملحمة "الأوديسة The Odyssey" اليونانية القديمة التي كتبها هوميروس Hómēros قبل نحو سبعة وعشرين قرناً.

الفيلم من إنتاج شركة "سينكوبي" (Syncopy) الخاصة بنولان وزوجته إيما، وتوزيع "يونيفرسال بيكتشرز"، وبلغت ميزانية الإنتاج مبلغ 250 مليون دولار، مما يجعله أضخم مشروع في مسيرة نولان الإخراجية. وصُوّر الفيلم بالكامل بكاميرات آيماكس، واستغرق التصوير أكثر من تسعين يوماً في ست دول من بينها اليونان وإيطاليا وآيسلندا، سعياً وراء واقعية بصرية تليق بحجم الملحمة الأصلية بعيداً عن الإفراط في المؤثرات الرقمية.
وتصدّر بطولة الفيلم النجم مات ديمون في دور "أوديسيوس"، في أداء وُصف بأنه من أفضل أدواره، وتقاسمت الأدوار الرئيسة آن هاثاواي في دور "بينيلوبي"، زوجة أوديسيوس المخلصة، وتوم هولاند في دور "تيليماخوس"، الابن الذي يخوض رحلته الخاصة بحثاً عن هُوية ومكانة في غياب والده، وروبرت باتينسون في دور "أنتينوس"، أبرز الخُطّاب، وزيندايا في دور الإلهة "أثينا"، راعية أوديسيوس وحاميته. كما ضم الفيلم أسماء مثل شارليز ثيرون، ولوبيتا نيونغو، وميا غوث، وبيني سفدي، وجون برنثال، وجون ليغويزامو، والمغني ترافيس سكوت في دور الراوي/الشاعر الذي يفتتح الحكاية.
ويبدو أن نولان لم يسعَ إلى نسخة "متحفية" من الأسطورة، بل إلى قراءة معاصرة لها: فقد أثار اختياره لممثلين من خلفيات أصول غير يونانية أو غير بيضاء، جدلاً واسعًا وصل إلى حدّ اتهامات بـ"الخيانة" لروح النص الأصلي. غير أن كثيراً من النقاد ردّوا بأن "الأوديسة" نفسها ليست وثيقة تاريخية جامدة، بل نص شفهي تناقلته الأجيال وأعيدت صياغته عبر قرون طويلة قبل أن يُدوَّن، وأن معيار نجاح أي اقتباس هو مدى اقترابه من روح النص لا من تفاصيله الحرفية، وهو ما رأى كثيرون أن نولان حقّقه من خلال إخلاصه لثيمات القدر والهوية والعودة.

وقد تتبعت قصة الفيلم رحلة عودة "أوديسيوس"، ملك جزيرة إيثاكا اليونانية، إلى وطنه بعد نهاية حرب طروادة، وسط رحلة محفوفة بالمخاطر والكائنات الأسطورية، بينما تنتظره زوجته "بينيلوبي" وابنه "تيليماخوس" في الوطن، محاصَرَين بجمع من الخُطّاب الطامعين في عرش الجزيرة وزوجة الملك الغائب.
واختار نولان أن يفتتح الفيلم من داخل حصان طروادة نفسه؛ أي من قلب الحدث الذي أنهى الحرب، قبل أن ينتقل بالسرد بين الماضي والحاضر بأسلوبه المعروف في تفكيك الخط الزمني، وهو ما جعل بعض النقاد يرون أن بداية الفيلم تضعنا في نقطة قريبة جداً من الذروة الدرامية للقصة كلها.
ولا يقدّم نولان "الأوديسة" على أنها مجرد مغامرة بحرية مليئة بالوحوش والآلهة، بل يعيد توجيه بوصلة الملحمة نحو سؤال أكثر إنسانية: ماذا يفعل الغياب الطويل بالرجل الذي يعود؟ وماذا يفعل بمن ينتظرونه؟ يظهر أوديسيوس في رؤية نولان كرجل بالغ القدرة والدهاء، لكنه في الوقت نفسه رجل أنهكه القتال والتيه حتى باتت وظيفته -كونه محارباً وملّاحاً وقائداً- هي ما يفصله عن أسرته وعن إنسانيته ذاتها.
ويتقاطع مع هذا الخيط الإنساني خيط فلسفي عن علاقة الإنسان بالقدر: هل نحن صناع اختياراتنا، أم ألعوبة في يد القدر؟ يترك نولان مساحة لهذا الغموض دون أن يحسمه، تاركاً للمُشاهد أن يقرأ في صمت ما يراه مناسباً، بينما يؤكد الفيلم في جوهره أن العالم، رغم كل قدرية الأسطورة، يبقى نتاج اختيارات بشرية.
وقد اعتمد أسلوب نولان على تفتيت الخط الزمني وتوزيع الحكاية بين الماضي والحاضر. هذا الأسلوب، الذي شكّل نقطة قوة في أفلام مثل Dunkirk، يمنح القصة الملحمية -التي تُروى أصلاً بشكل حلقي متقطع في النص الأصلي- نبضاً درامياً أكثر حيوية، ويجعل الخيوط المتوازية (رحلة الأب في البحر، ورحلة الابن في الوطن) تتقاطع بطريقة تكشف عن الموضوعات المشتركة بينهما. وقد رأى بعض النقاد أن هذا التقطيع الزمني يصطدم أحياناً بالطبيعة الحلقية لحكاية هوميروس، فيبدو السرد متعباً أو مربكاً في بعض المقاطع، ويأخذ من العفوية العاطفية للحظات يمكن أن تكون أكثر تأثيراً لو رُويت بخط مستقيم.
وقد أعاد أسلوب نولان بناء شخصية "أوديسيوس" على مقاس مات ديمون وحساسية نولان السينمائية. ففي النص الأصلي، يمثل أوديسيوس رجل الحيلة بامتياز، وصاحب فكرة حصان طروادة، والقادر على خداع "بوليفيموس" العملاق ذي العين الواحدة، والناجي من أخطر المآزق بذكائه لا بقوته وحدها. غير أن نسخة نولان تُخفت هذا الجانب البارز من الشخصية؛ فمشهد كهف "بوليفيموس" -وهو من أكثر المشاهد المتوقَّع أن تُبرز حنكة أوديسيوس التقليدية- يمر دون أن يستثمر تلك اللمعة الذهنية الشهيرة التي طالما ميّزت شخصية أوديسيوس، وهو ما دفع بعض النقاد إلى القول إن ديمون -الممثل القدير الذي يُتقن أدوار الصلابة والاستقامة أكثر من أدوار المراوغة والخديعة- لم يكن الاختيار الأنسب لتجسيد رجل "الحيلة" الأول في الأدب الإغريقي.
وقدعوّض نولان هذا التراجع في جانب الدهاء بتعميق جانب آخر من الشخصية ظل هامشياً في أغلب المعالجات السينمائية السابقة: الجانب الأخلاقي والنفسي المنهك للملك العائد من الحرب. فأوديسيوس في هذا الفيلم رجل يتأرجح بين النقيضين في كل مشهد تقريباً: محب وقاسٍ، متعجرف وهشّ، مذنب وبريء، عنيد حتى الحماقة أحياناً، لكنه في الوقت نفسه شديد الذكاء حين يتعلق الأمر بالبقاء. إنه قائد لا يحظى دائماً باحترام رجاله كما كانت الحال في الملحمة، بل يظهر في لحظات أقرب إلى "المسؤول المتردد" منه إلى "الملك الأسطوري الذي لا يُقهر"، وهو اختيار جريء يمنح الشخصية واقعية معاصرة، لكنه أيضاً يجرّدها من جزء من هالتها البطولية التقليدية.
أما الخيط الأعمق في الشخصية فهو ثقل الذنب الذي يحمله أوديسيوس طوال الرحلة: ذنب قراره بحرق طروادة وما خلّفه ذلك من دمار، وذنب فقدان رجاله واحداً تلو الآخر في طريق العودة، وبشكل خاص وفاة ابن عمه الشاب "سينون" التي تطارده وتتحول إلى أحد أثقل أعباء ضميره. هذا الصراع الداخلي بين "البطل" و"المسؤول عن موت من حوله" هو ما يمنح الفيلم لحظاته الأكثر تأثيراً، إذْ يتحول أوديسيوس من محارب يبحث عن المجد إلى رجل يحاول فقط أن يتصالح مع ما فعلته الحرب بروحه، قبل أن يتصالح مع من ينتظرونه في الوطن.
أما من الناحية البصرية، فقد أجمع أغلب النقاد على أن التصوير الكامل بكاميرات آيماكس، والاعتماد على مواقع تصوير طبيعية حقيقية بدل الاستوديوهات الرقمية، منح الفيلم حسّاً ملحمياً أصيلاً يليق بالقصة، فهو عمل يجمع بين "الحكي الذكي، والإبهار البصري، والأداء التمثيلي المتقن.
يذكّرنا فيلم "الأوديسة" بأن أعظم الحكايات الإنسانية قابلة دائماً لإعادة القراءة والتأويل، وأن معيار وفاء أي اقتباس لأصله ليس التطابق الحرفي بل التقاط جوهره الإنساني. كما يطرح الفيلم، من خلال شخصية أوديسيوس، سؤالاً معاصرًا بامتياز: ماذا يفعل الانشغال الدائم - بالعمل، بالمسؤولية الكبرى - بعلاقتنا بمن نحب؟ وهل يمكن لمن ابتعد طويلاً أن "يعود" فعلاً، أم أن كل عودة هي في جوهرها بداية جديدة يجب أن تُبنى من الصفر؟! ويقدّم الفيلم درسًا في الطموح الإنتاجي والجرأة الفنية: فالمراهنة على فيلم بهذا الحجم والتعقيد، اعتمادًا على وسائل تصوير تقليدية إلى حد كبير في زمن هيمنة المؤثرات الرقمية، هو تذكير بأن الطموح الفني الحقيقي لا يزال قادرًا على إيجاد جمهوره في السينما المعاصرة.