كانَ "يامنُ" يسكنُ في بنايةٍ قديمةٍ يسكنُها كثيرونَ، لكنَّ أحداً لا يعرفُ أحداً. يلتقونَ عندَ البابِ، فيصمتونَ، أو يتبادلونَ كلماتٍ قصيرةً باردةً ثم يمضونَ كأنهم غرباءُ في فندقٍ عابرٍ. وكانَ أكثرَ ما يزعجُ يامن ذلكَ الممرُّ الطويلُ بينَ الشققِ، ضيّقاً، باهتَ الضوءِ، تملؤهُ رائحةُ الجدرانِ المغلقةِ. كلما عادَ مساءً شعرَ أنَّهُ يدخلُ إلى يومٍ ناقصٍ. في صباحِ يومِ جمعةٍ، انطفأتْ المصابيحُ القديمةُ في الممرِّ كلِّهِ. بقيَ المكانُ معتماً حتى في الظهيرةِ، وبدأَ الجيرانُ يتذمّرونَ ثم يصعدونَ إلى بيوتهم دونَ فعلٍ. وقفَ يامنُ قليلاً، ثم نزلَ إلى السوقِ، واشترى مصابيحَ جديدةً، وبعضَ الطلاءِ الأبيضِ، ونَبتتيْنِ صغيرتينِ لا يعرفُ لماذا اختارهما. عادَ وبدأَ العملَ وحدَهُ. بدّلَ المصابيحَ واحدةً واحدةً، ومسحَ الغبارَ عن الجدرانِ، ووضعَ النبتتينِ قربَ الدرجِ. بعدَ ساعةٍ، فتحَ بابُ الشقّةِ الأولى، وخرجَ رجلٌ مسنٌّ يحملُ مفكًّا وقالَ: أظنُّكَ تحتاجُ إلى يدٍ أخرى.
ثم خرجتْ امرأةٌ من آخرِ الممرِّ تحملُ دلوَ ماءٍ، وخرجَ طفلٌ يضحكُ لأنَّهُ يريدُ أن يلوّنَ الحائطَ، وخرجتْ فتاةٌ أحضرتْ شريطًا لاصقًا، ثم آخرونَ...إلخ.
وفي المساءِ، كانَ الممرُّ قد تغيّرَ تماماً. صارَ أبيضَ نقيّاً، مضاءً بهدوءٍ، وعلى الجدارِ لوحةٌ صغيرةٌ رسمَها الطفلُ لشمسٍ كبيرةٍ تفتحُ ذراعيها.
منذُ ذلكَ اليومِ، صارَ الجيرانُ يتوقّفونَ للسلامِ، ثم للكلامِ، ثم لتبادلِ الصحونِ في الأعيادِ، ثم للسؤالِ إذا غابَ أحدٌ يوماً. وأصبحَ يامنُ إذا عادَ من عملِهِ متعباً، لا يدخلُ إلى ممرٍّ ضيّقٍ كما كانَ من قبلُ، بل إلى مكانٍ يعرفُ اسمَهُ ويعرفُ أسماءَ من فيهِ. وفي ليلةٍ ممطرةٍ، انطفأَ أحدُ المصابيحِ الجديدةِ. ابتسمَ يامنُ؛ لأنَّهُ لم ينهضْ هذهِ المرّةِ وحدَهُ.
فُتِحَتْ ثلاثةُ أبوابٍ في وقتٍ واحدٍ!