أكتبُ لأنّ في داخلي طائراً لا ينام!

حوار مع الكاتب العراقي د. سعد صبّار السامرائي

حاوره: أحمد أبو دياب

سواء في سيرورة الكتابة أو في انشغاله بتجارب علم الأحياء، يظلّ سعد السامرائي مشغولًا بجوهر الأشياء، بتلك الذبذبة الخفيّة بين الموت والحياة، بين الحرف ولغة الجين، بين ما يُقال وما يُحجب. يقف على تخوم العلم، ويُبحر في لجّة الأدب، مؤمناً بأن التخصصات سُبلٌ متقاطعة تقود إلى فهم الإنسان.


وُلدَ في العراق، ولم تُقَيّده حدودُ الجغرافيا، حيث تنقّل بين المدن والمختبرات واللغات حتى استقرَّ باحثًا وأستاذًا في سلطنة عُمان، يدرّس العلومَ البيولوجية في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية، ويكتب القصة والمقال والنصَّ الفلسفي، كما ترجم أعمالًا بارزة ضمن مشاريع ثقافية رائدة. يحمل سجله جوائزَ عربية مرموقة، منها جائزةُ الشارقة للإبداع، وجائزةُ عبد الرحمن المشيقح الأدبية، وجائزةُ العربي الكويتية للقصة القصيرة، في شهادةٍ على حضورٍ أدبيٍّ يضاهي عمقَ مساره الأكاديمي.


ما يميّز تجربة السامرائي هو قدرته على وصل الهمّ الإنساني بالقلق المعرفي، وتحويل الفكرة العلمية إلى صورة شعرية، أو مقطع قصصي، أو سؤال أخلاقي. يكتب بوعي العالِم، وقلق الفيلسوف، وتوتر القاصّ الذي يدرك أن كل كلمة قد تكون آخر ما يُقال.


تأملاته القصصية تتوزع بين مجموعات كاملة مثل مجموعتي "أغنية القيصر الأخيرة"، و"ألوان دجلة"، أو قصص منفردة مثل "وهنُ المياسِم"، و"الحلم بالنمر العربي"، و"تمتمات الفجر"، فيما تتخذ نصوصه الفكرية والعلمية طابعًا استقصائيًا كما في "رسالة الجينات"، و"البقاء للأدب: بيولوجيا الحكايات"، فضلًا عن ترجماته التي أصدرها ضمن مشروع "كلمة" عن مركز أبو ظبي للغة العربية، والتي تنقل للقارئ العربي إضاءات من عوالم الطب، والمغامرات، والتاريخ البيولوجي.


في هذا الحوار، نقترب من عالَمِ سعد السامرائي، ونسلط الضوء على مشروعه الثقافي الذي يجمع بين العلم والأدب.

 



 

◈ بوصفك باحثًا في علوم الأحياء وأديبًا يكتب عن الهشاشة والوجود، هل تمثل الكتابة بالنسبة لك نوعًا من التوازن أم شكلًا من أشكال الخلاص من صرامة العلم؟

أتعامل مع الكتابة الأدبية بوصفها متنفّسًا وعزاءً لكل ما يفيض به العالم من تعاسة وعتمة. هذا النوع من الكتابة هو، كما وصفها غسان كنفاني، "مقاومة"، أو كما قال همنغواي، "نزيف"، كلماتٌ من لحمٍ ودم، لا تتيحها الكتابة العلمية الباردة، المحكومة بقالب أكاديمي جافّ في الغالب.

◈ كيف تفهم العلاقة بين "المعرفة" و"الحساسية"؟ وهل يضيق العقل العلمي أحيانًا برفرفة الخيال الأدبي؟

المعرفة الحقة لا تكتمل دون حساسية. فالمعلومة المجردة، مهما بلغت دقتها، تبقى باردة إن لم تُلامس وجدان الإنسان. لكن علينا أولًا أن نحرر مصطلح الحساسية. من وجهة نظري: هي تلك القدرة على التقاط الأشياء العادية وتحويلها إلى قصة مدهشة، تحويل القاحل إلى حديقة غناء، والمجرّد إلى مُجسّد. في كتابه "عالم تسكنه الشياطين"، يقول كارل ساغان: "العلم ليس مجرد مجموعة من الحقائق؛ وإنما وسيلة لرؤية العالم". لكنّ هذه الرؤية تصبح أكثر عمقًا حين يرافقها شعور، خيال، ورجفة وجدانية.

◈ يبدو في قصصك ثمة نزوع واضح نحو الكشف؛ كأن النّص مرآة قَلِقة تعكس ما هو أبعد من السرد الظاهري. هل تكتب للبوح؟ أم للتمويه؟

أتخيل دائمًا أنني أُمسك بالقلم كما يُمسك الغريق بخشبة، وأغوص بها في نسيج الأحلام السوداء. أكتب لأن في داخلي طائرًا لا ينام، طائرًا يشبه "الغراب" الذي جاءني ذات مساء، وقال "لن يعود" ولم أقوَ بعدها على الصمت. عندما أريد الكتابة أشعر أن في داخلي ورم يحتاج إلى استئصال فتخرج الكلمات.

◈ إلى أي حد تشعر أن القارئ شريك في التجربة أم متطفل عليها؟ وهل تكتب له أصلًا، أم تكتب ضدّه؟

لا أكتب له، كما لا أُقصيه من المشهد. أكتب لأن في النّفس حاجةً إلى قول شيء، فإذا صادف النّصُّ من يسمعه، اكتملت الرحلة، وإن لم يصادف، تكفينا المحاولة. أعتقد أن القارئ الحقيقي يعيش في هوامش النص، يملأ فجواته، يبعث الحياة في سكتاته. أعتقد أنَّ لكل قارئ، كاتبٌ يليق به. أحيانًا أشعر أن القارئ الحصيف يعرف أكثر من الكاتب، وأنه يرى ظلالًا لم يفصح عنها الكاتب.

◈ تنتمي إلى العراق، وتقيم في سلطنة عمان، وتُقرأ أعمالك في أكثر من بلد. كيف تنظر إلى مفهوم "الانتماء"؟ هل هو شعور داخلي أم ظرف خارجي؟

أترجم حاليًا كتابًا عن الهوية والانتماء بعنوان "ضد الهُوية"، ولا أرغب أن تتأثر إجابتي بما قرأت أو ترجمت في هذا السياق. ومع ذلك، أجد نفسي بين أهلي في سلطنة عُمان، أكنّ لهذا البلد حبًّا كبيرًا، فهنا وُلد جميع أبنائي، وابنتي مَلك تتحدث اللهجة العُمانية في المدرسة بطلاقة. في هذا الانتماء اليومي نعيش، فيما نظل نعتز بجذورنا العراقية.

◈ هل فقدت المدن معناها القديم لديك كأماكن حنين؟ أم أنك ما زلت تؤمن بمكان أول لا يُمحى رغم التنقلات؟

المدن لا تفقد معناها؛ وإنما يتغيّر موقعها في القلب. بعض المدن تُغادر الجسد، وتبقى في الروح، مثل بيت العائلة الذي نشأت فيه ولعبت مع أخوتك، ملعب كرة القدم الترابي، مدرسة الثانوية، جامع الحي السكني. لا أقول إن الحنين إليها ثابت، فالحنين نفسه يتبدّل، يرقّ أحيانًا، ويشتدّ أحيانًا، لكنه لا ينطفئ تمامًا. في كتاباتي، مدينة سامراء حاضرة دائمًا في السرد.

◈ كتبت القصة، المقال، النص المترجم، وحتى النصوص الفكرية. متى تشعر أن "القصة" لا تكفي؟ وما الذي يدفعك لتجاوزها نحو أجناس أخرى؟

كل شكل يجيء في وقته، بالنسبة للقصة القصيرة، هي أقرب الأجناس الأدبية إلى قلبي، أحب قراءة القصص كما أحب كتابتها، وأتحدى نفسي في كتابة أنماط سردية مختلفة منها، كما فعلت في المجموعة الأخيرة "أغنية القيصر الأخيرة" عندما كتبت قصصًا بطابع الخيال العلمي التأملي، وهي مختلفة تمامًا عن ألوان دجلة. أتجاوز القصة عند كتابة النصوص العلمية والفكرية، مع ذلك يبقى السرد، والتوتر الدرامي والتشويق عناصر لا غنى عنها في الكتابة.

◈ في ظل تشظي الأجناس الأدبية، هل ما زلت تؤمن بالحدود بين القصة والمقال والرواية؟ أم أن الكتابة عندك هي فعل حر يرفض التعليب؟

كنت أقرأ كتابًا باللغة الإنجليزية بعنوان "أطراف مبعثرة"، وهو عمل عصيّ على التصنيف لكاتبه الطبيب والأديب البريطاني إين بامفورث. شدّتني فكرته، وهذا التلاقي المدهش فيه بين العلم والأدب، بين كتابة المقالة، والشذرة، والأقوال المأثورة. ومع ذلك، تبقى للقصة ملامح تميزها عن غيرها، كما هو الحال مع الرواية والشعر أيضًا. غير أن التخوم بين هذه الأجناس ليست بعيدة، ويمكن للكاتب أن يجيد هذه الأشكال.

◈ هل تؤمن بأن الكتابة يمكن أن تكون فعلًا سياسيًا –لا بمعناه الحزبي– بل بوصفها مقاومة لطمس الإنسان، للرقابة، للتفاهة؟

نعم، هي فعل مقاومة، وهي أقدم وسيلة للبقاء، نراها في الملاحم الكبرى، جلجامش، الإلياذة، الإنيادة، ونلتمسها في ألف ليلة وليلة، عندما نقرأ ثنائية الحكي والبقاء. فعل الكتابة والقراءة ذاته هو فعل بيولوجي تطوري، يتمثل بالبقاء. والبقاء بلغة علم الأحياء هو للأصلح لا للأقوى، فالنصوص الصالحة التي تحاكي طبيعتنا البشرية هي التي تبقى، وما عداها يندثر.

◈ ما هو الثمن الذي دفعته –شخصيًا أو روحيًا– بسبب كتاباتك؟ وهل صادفت لحظة خشيت فيها من نشر نص؟

غالبًا في النصوص الفكرية التي تشرح نظرية التطوُّر، أواجه استغراب واستنكار المجتمع لقلة معرفتهم العلمية. فأغلب الناس لا يعرفون معنى النظرية، أو الفرق بين الفرضية والنظرية، أو الفرق بين العشوائية والصدفة. لذلك، يصعب أحيانًا كتابة نص علمي، يراه الناس يتعارض مع ما تشربوه فكريًا.

◈ هل تسعى في كتاباتك لتأسيس أسلوب خاص يُعرف به النص حتى دون توقيع؟ وما الذي يشكّل "الأسلوب" لديك: المفردة، الإيقاع، التركيب، أم ما لا يُقال؟

أرجو ذلك، لكن الطريق طويل ويحتاج لنحت الأسلوب الذي يتضمن اللغة والإيقاع والفكرة. والأهم من ذلك هو الاستمرارية في القراءة والكتابة.

◈ في زمن الاضطراب العام، ما وظيفة الأدب؟ هل ما زال قادرًا على إحداث أثر أم صار مجرّد عزاء مؤجل؟

الأدب تعبير مخادع للحياة، لكنه مع ذلك يملك قدرة غامضة على النفاذ إلى الداخل. فعندما نقرأ حكاية ماتعة أو قصة شائقة، يحدث شيء حقيقي في الجسد: تُفرَز هرمونات مثل الأوكسيتوسين، الذي يعزّز الشعور بالتعاطف والامتنان، والأدرينالين الذي يرفع التوتر ويقرّبنا من مصائر الشخصيات. نصبح، من دون أن نشعر، أرقّ قلبًا في عالم يزداد تصحرًا وتخصرًا.

◈ هل أنت راضٍ عن المسار الذي قطعته حتى الآن؟ وما السؤال الذي يطاردك كلما أتممت نصًا؟

أشعر بامتنان دائم، وأحمد الله على كل النِّعَم. كثيرًا ما تطرق فكرة العمل القادم باب ذهني وأنا لا أزال أكتب العمل الذي لم يُنجز بعد. أدون تلك الفكرة، وأتركها جانبًا لبعض الوقت؛ فإن بقيت تُلحّ، رأيت فيها إشارة على جدارتها، وأبدأ بالكتابة. أكتب يوميًا وبانتظام، ضمن نظام واضح، فالفكرة وحدها لا تكفي، إن لم تجد انضباطًا يحميها من التلاشي.

◈ بعد هذا التراكم بين العلم والأدب، هل تفكر في كتابة نوع أدبي مختلف مثل الرواية العلمية أو سيرة ذاتية رمزية؟

أعتقد أن المشكلة تعود إلى أمرين: الوقت والشغف. أعمال الترجمة محكومة بعقود زمنية محددة، يضاف إليها التزامات التدريس والبحث الجامعي. لذا؛ فإن ما يتاح لي من وقت يصلح لكتابة قصة قصيرة أو مقالة، أو حتى كتاب علمي أو فكري، لكنه يتطلب صبرًا واستمرارية. فعلى سبيل المثال، استغرق مني كتاب رسالة الجينات ثلاث سنوات، وكتاب البقاء للأدب نحو سنتين ونصف. أما الشغف، فهو الدافع الأهم في تجربتي، فمتى ما نضجت فكرة عمل ما في خيالي سواء رواية أو أي جنس أدبي آخر، وعثرت على ذلك الوميض الداخلي، أبدأ العمل عليها، بإذن الله.

◈ ما الحلم المؤجل في تجربة سعد صبّار؟ أهو كتاب لم يُكتب بعد، أم سؤال لم يُطرح بعد، أم وطن لم يعد بعد؟

في الحقيقة لا أعرف، وربما تتغير إجابتي بعد عام أو خمسة أعوام، لكن ربما يكون الحلم المؤجّل عملًا يجمع هذه الأشتات كلّها، كتابًا يتداخل فيه السؤال مع السرد، وتنعكس فيه ملامح الوطن.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها