المطالع لرواية "بنات الصبار" سيكتشف تمركزاً أنثويّاً في السرد، من خلال تقليص الفعل الحضاري للذكر وقولبة نموذج، وتنميط وجوده بشكل معياريّ ساقط، ويلخص وجوه من منطلق التعميم باعتباره بدائيّاً عاجزاً، وطرفاً غير قادر على تحمّل المسؤولية الحضارية، في محاولة رامية نحو تقطير نفس "الأفكار الأساسية عن الشّرق وصبّها في قالب منفصل له دلالته ووجوده الذي لا ينازعه شيء، وكانت تلك الأفكار تشمل نزعة الشرق للملاذ الحسية، وللاستبداد، و(عقليته) المنحرفة، وما اعتاده من (عدم الدقة)، وتخلفه" (إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، 2006، ص: 323)، إلى درجة أن كلمة شرقي يسهل عليك التعرف عليها، وهذا التنميط يسقط على الذّكر في التّسريد، حيث يسهل تصنيفه، من ثم يأتي الصّوغ من خلال الاستهداء به، غايةً في معاينة وجود الذكر داخل السّرد من منظور النساء، مهيكلا بتصورها للذكر في مخيّلتها الذاتية ومنظومتها الفكرية وميولاتها الوجدانية، عبر الاسترشاد بنمطين مشتغلين بشكل نسقيّ داخل العمل:
النّاظر إلى تشكيل النّص، سيعاين أنّ ظهور الذكر ينطوي على نوع من الفلَس القيميّ، في إطار الاستذكار (Masculinism) القائم على الرؤية الدونية والانتقاصيّة في جميع المواقع التي يحضر فيها الذكر، وجاء تخليق المصطلح قياساً (بالاستشراق) الحامل لمجموعة من "الأفكار الأساسية عن الشّرق، وصبّها في قالب منفصل له دلالته ووجوده الذي لا ينازعه شيء، وكانت تلك الأفكار تشمل نزعة الشرق للملاذ الحسية، وللاستبداد، و(عقليته) المنحرفة، وما اعتاده من (عدم الدقة)، وتخلفه، وهكذا استعمال الكاتب لكلمة شرقي يسهل عليك التعرف عليها" (إدوارد سعيد، الاستشراق: ص323).
ولعل آلية النمذجة والمعيارية تتجسّد في مدارات التّفاعل والتّبئير مع الذكور، سيما أنّ «الأب حميد» و«أحمد زوج سارة» إلى جانب «حسن» و«أنير»، مطلّون من داخل السرد، باعتبارهم خارج نزعة الممارسة القائمة على التقدير والاحترام، ما يبرّر أن الأنثى لم تستطع تجاوز الرّدات الانفعالية على الثقافة الذكريّة، خصوصاً أنّ اطلاع )عبد الله إبراهيم( (1957) على السرود النسائية بشكل موسع، مفض إلى وجود "مخاطر الاندفاعات المتطرفة التي شهدتها الآداب الأخرى منذ منتصف القرن العشرين، وحاولت نقض الأدب الذكوري برؤية الإقصائية، إلى درجة المحاكاة الضدية" .(عبد الله إبراهيم، موسوعة السرد العربي،ج6، قنديل، 2016، ص: 6-7) خصوصاً أن:
◅ شخصيَّة «الأب حميد»: تأتي منزوعة الفاعليّة الصوتيّة والتعبير. مثار عبر المسرود المعروض، ومتحَدَّث عنه بالنّيابة، في شكلٍ يُجنّبه إسناديّة الصّوت السردي، خصوصاً في سياق الإدلاء بالرأي، مجرّداً ومسلوباً من الكلام المعبّر عن الذّات؛ إذْ تمّ تعطيل آلية التّفاعل الذاتيّ، وتوظيف إوالية التنكير والإقصاء من المشاركة، علماً بأنّ النّصّ مهيكل على أرضية (التعدد الصوتي)؛ وبالتالي، يحضر عبر صيغ التّصوير المنبعثة من ذات أنثويّة، تستنطقه من خلال رؤيتها للعالم، وتصنّفه في دائرة السّلطة الذكورية المعبّر عنها عبر التّسريد و(التَّبويح).
وفي سياق رؤية الأنثى لعالم الأب، ننصّص على معاداة الأبوية، إلى درجة قول «صونيا» إحدى بناته في المفتتح السرديّ: "في عقل أبي، صالون حلاقة يساوي وكر دعارة" (كريمة أحداد، بنات الصبار، دار الفنك، 2023، ص: 11)، تبريراً لعملها في غير علم، واطراد الأكاذيب في سياق الاستتارة، وفي مجرى السرد، تسرد «صفاء» طبائع «الأب» قائلة: "هل يعتقد أبي أنني سعيدة لأنني ولدت وكبرت؟ كلما كبرت ازدادت تعاستي أنا أيضاً، وازداد الضغط علي. يطلبونني بتعلم الأشغال المنزلية حتى أكون مستعدة للزواج بعد عامين أو ثلاثة. يطالبونني بتغطية رأسي، بارتداء ملابس طويلة وواسعة، بالسير قرب الحائط، بإطراق رأسي في الرجال، بالتّخلّص من نظرتي التي بدأت تتغير، من دماغي الذي بدأ ينضج، وبإخفاء جسدي الذي بدأ يتّخذ شكله الأنثوي" (بنات الصبار، ص: 44).
وتستطرد «صونيا»: "حرمنا أبي من بعض أفراد عائلتنا الذكور. منع أمي من رؤية أعمامي، ومنعنا، أخواتي وأنا، من رؤية أبناء أعمامي وعمّاتي وأخوالي وخالاتي.." (بنات الصبار، ص: 128)، وقد جاء الأب مبَأراً ومبئِراً حياته بصوت سردي مستهيم غير حقيقي داخل القبر، وتغريبه بدرجات، كونه بعيداً عن صوت الواقع، سيما في الحديث بلسانه عبر النيابة، وإلباسه خطاباً تأنيبياً مقوّلا عن السّاردة، غرضه إبانة المشاعر المردودة على التأسي، وإلحامه الشعور بالندم من سلوكاته، وتشكيكه في تصرفاته مع تأكيده لحاجتها إلى التقويم.
◅ شخصيّة «أحمد»: في المدار نفسه، يتبدّى وجوه تقليديّاً، وهو يخبرنا عن مشاعره تِجاه زوجته قائلاً: "لا أعرف من الذي أخبرها أنها ستكون جميلة وهي صلعاء. الشعر نصف جمال المرأة، وكل من تلجأ إلى قص شعرها تعتبر من المتشبهات بالرجال، وأنا أكره النساء المترجلات" (بنات الصبار، ص: 142)، وينقل مقترناً في حدّ تواجده بالإساءة إلى النساء، من خلال تنميط سلوكه بتسريد ذهنيته التقليدية، والتأثر بعقلية الأبوية، مبرراً زواجه بـ«ـسارة» برغبة أبوية ومقصد التخلص من هيمنة الأب "لم أحب أبداً، والدي هو الذي أقنعني بالزواج، عندما قال لي إنها بنت ناس تنتمي إلى عائلة مرموقة، وستكون زوجة صالحة.. كل ما يهمني ساعتها هو الاستقلالية والتحرر من سلطة والدي. فكّرت أن الزواج منها سيحقق هدفي في التخلص من سلطة أبي" (بنات الصبار، ص: 142)، ومع «نجوى» الخليلة المتخلى عنها في رسالة مضمونها "لقد اكتشفت لأنني لا أحبك حقّاً. وكل ما كان بيننا مجرد نزوة عابرة، وأنا لا أريد أن أضيع شرفك... أرجو أن تتفهمي وضعي. وداعاً" (بنات الصبار، ص: 146).
بدعوى إقحام «الأب» في سياق المركزية الأبوية في المجتمع المغربي، «الأب» المقرون أساساً بالجشع في تخيير النساء، من خلال جعل معيارية المال معادلة للشرف. إلى جانب التقليد، يطرد سلوك «أحمد» في التسريد خارج دوائر المحافظة، من خلال مجونه وسهراته الحمراء، وشبقيته في علاقته بالنساء، "يثمل فقط مع والده وأصدقائه وزملائه ومومساته، مثل أغلب الرجال في شمال أفريقيا والشرق الأوسط" (بنات الصبار، ص: 212). وحضوره خائناً مقيماً لعلاقات متعدّدة، "في كل مرة أحاول فيها الابتعاد عن النساء، أجدني أقترب منهن أكثر، كأن قوة خفية تجرني لذلك رغماً عني" (بنات الصبار، ص: 299).
◅ شخصيتا «حسن» و«أنير»: الخوض في نظرة الصحفي «حسن» رفيق «شاديا» إحدى بنات الصبار، ناظراً إلى عالم الأنثى، في قولها: "حسن الذي يمدح دائماً النساء المتحررات على صفحة؛ فإنه يتحدث عن صديقته التي تخلى عنها لأنه لا يستطيع أن يتزوج متحررة جدّاً مثلها" (بنات الصبار، ص: 86)، والنقل ينطوي على الانفصامية، بين الباطن التقليدي، والمظهر الحضاري، في تصوير مزدوج للرجل المغربي، قائم على الثنائية الفكرية والذهنية، المشيّدة على مزج الحداثة السلوكية بالتقليد الفكري والهندسة الذهنية، وعلى المنوال نفسه، تظهر شخصية «أنير»، ذات التّكون الأمازيغي، غير مستبعد من مدارات رؤية الأنثى داخل السرد، بالوعي نفسه، حيث يقوّل في التسريد: "لا أستطيع أن أتزوج غير عذراء.. امرأة نامت معي قبل الزواج (...) لكنني بالفعل إنسان بلا ضمير. أعترف أنني أتحمل جزءاً من المسؤولية فيما حصل لشاديا، بل نصف المسؤولية. غير أنني لن أتراجع ولن أعتذر" (بنات الصبار، ص: 244)، ولعلّ التوظيف عينه، بالوعي نفسه، يجعلنا حتماً أمام المنطق الأنثوي في التسريد، عبر هيمنة الصوت الواحد دون المغايرة في الوعي النظري إلى الشخصية، من ثم فقدان التوازن السردي، بتكرار الشخصيات، وتفاعلها داخل السرد بمغايرة اسمية، بوحدة وظيفية، تنتصر بشكل عير مباشر إلى الأنثى، وتصغّر الذّكر في الحضور السردي.

من خلال العمل، يتبدّى صوت التخييل في قطع تامّ مع التجربة، لكن إنتاجية الأدب، تحتّم في حدّها الاسترشاد بآلية التعددية الصوتية، بإبداء حيز قادر على احتواء أصناف الخطاب والطّبقات، دون غلبة الصّوت الواحد والتعبير الواحد، خصوصاً مع المحمول النصيّ الأنثوي المتقدم بأفكار مناهضة، قياساً بالمحمول النصّي الذكوري المتراجع عبر تسريد عيوبه في مجريات السرد. إذْ يجعل التسريد الأنثى غامطة الحق ومقيدة، والرّجل يحضر ساديا مطلق الحرية، مع التنصيص على جانب أحادي في توظيفه يرتبط بالإساءة، في غياب قطعيّ للنموذج الحضاريّ، ما يؤدي بسقوط الكتابة في دوائر التحيّز، بهيمنة الخطاب الأنثويّ المنزّه، وذلك على امتداد السّرد.