محو المسافة بين الكلمة واللون!

عنوان معرض دلدار فلمز في البحرين

غازي عانا


 لوحاته خلاصة ما بقي من الشكل هناك، وما علق في الذاكرة من حلم 

تعرّفتُ على الفنان دلدار فلمز قبل حوالي العقدين من الزمن تقريباً، كان مهتمّاً في النقد الفني وكتابة الشعر، يقرأ كثيراً، ولكن دائماً كتاباته كانت تحمل نكهة خاصة، هي نثرات، خواطر، أو قصائد، المهم أنها لا تشبه في صياغاتها كتابات الآخرين ولا أشعارهم، والأهم برأيي، أنها أي (كتاباته ورسوماته) كانت تشبه دلدار من الداخل، كمن يحاول أن يدوّن بعض ما يتذكّر من حلم بأشياء أو خيالات تشبه في بعضها ما بقي من الشكل هناك، فيعيد بعفويته وباللاوعي على سطح لوحته أو على بياض الورق ترتيب تلك الفوضى، وكل الهذيان واللامعقول الحاصل في هذا العالم منذ تلك الفترة إلى اليوم، كانت لوحاته بصياغاتها أقرب إلى مفهوم "الموتيف"، وقصائده خربشات تفيض بالأفكار والصور، والأهم أنه في كل منهما كان متحرّراً ومنفلتاً من كل القيود الأكاديمية، والمذاهب التي بقيت تؤطّر هذين الشكلين من الإبداع، حالة يمكن تصنيفها بالسهل الممتنع، نحسبها سهلة من كونها تعتمد البساطة والاختزال في الكلمة والرسم مع احتفاظها بقوة التعبير وما تحتويه من أسرار ومفاتيح المعرفة الروحية التي تفيض بالجماليات الكامنة فيما وراء المشهد أو النصّ، والانتصار أولاً وأخيراً ودائماً للإنسان كقيمة عليا في الحياة.

بقينا دائماً على تواصل ومحبّة، رغم ابتعاد كل منّا عن الآخر بسبب الظروف والصعوبات التي ما زالت تحيق بنا من كل اتجاه، دلدار استطاع من خلال متابعته للكتابة والفن الذي حاول دراسته أكاديمياً فيما بعد في غربته، أن يبقى مخلصاً للرسم واللوحة التي بدأت هواية وتعلّقاً، وتحوّلت قبل فترة إلى غواية أسرته بمتعتها، وما زالت تشغله وهو يتبعها برغبة العاشق، أكاد أجزم بأنه لم ينقطع عن الرسم أو الكتابة ولا يوم، والأهم برأيي تلك "التيمات" -مجموعة العناصر البصرية- أو السمات الخفية التي كانت في أول لوحة رسمها، هي ما زالت -ولو نسبياً- موجودة في أعماله اليوم بمعرضه الأحدث "محو المسافة بين الكلمة واللون".

إن الشخصيات في لوحة "دلدار" تبدو أحياناً كأنها كائنات استعارها من كوكب آخر، هي ناهضة متداخلة بتواشج مع بعضها في الكادر الواحد تشبه العوالق، ولكنها بقيت تحمل جنون وإرهصات ما يحصل على أرضنا اليوم، كأنها مرآة لأفكار كل منّا والمدفونة بخوف الإفصاح عنها من عمر هناك، هي لسان حال كل الناس الحقيقيين والصادقين وتشبه إلى حدّ كبير سيولات بركان انفجر حديثاً، أو تلك الحقيقة التي تصدمنا دائماً كونها لا تأتي إلّا عارية، وهنا لا بدّ برأيي المتواضع أن ما تحتويه تلك اللوحات والقصائد تمثّل طريقة تفكير وحياة، بالإضافة لما علق في ذاكرة دلدار من أيام الطفولة إلى الآن، تحتوي كل شَغَبه من غير محظورات، كما لا تخضع تلك المفردات إلى أي جاذبية، فهي تسبح في فضاء المشهد بصدق وشفافية خالصة، تشبه ثرثرة بصرية أنيقة، تُحاكي بمحبةٍ جماليات تلك السهول وكروم العنب في الشمال السوري، وبعضاً من الحِكَم والأقوال على قصاصات معلّقة على جدران غرفته الصغيرة في دمشق القديمة، ودائماً من غير ادّعاء أو فذلكة يمكن أن تؤثّر أو تقلّل من قيمة الأشياء على بساطتها وحلميتها التي تفيض بالنُبل والروحانيات.

✧ "محو المسافة بين الكلمة واللون" 

عنوان معرضه الأحدث في غاليري (آرت كونسيبت) في بيت جمشير، ضمن فعاليات ليالي المحرق في البحرين، منذ بداية ديسمبر- كانون الأول الماضي.

في هذا المعرض الذي ضمّ بحدود الخمسين عملاً بمقاسات مختلفة وأكثر من خامة وصياغة، وكأن دلدار أراد أن يُضيف إلى المعنى من قصيدة "علاج المسافة" للشاعر قاسم حداد معنى جديداً، يقدّم من خلاله احتمالات ومقترحات جمالية خاصة بقناعاته هو دون غيره، تروحِنُ النصّ وتجعله أكثر حلمية، ليس تفسيراً للأفكار أو مقاصد الشاعر ولكنها بشكل ما طريقة فهم الرسّام لفلسفة النصّ، إن ما عرضه دلدار يشبه إلى حدّ بعيد كتابة سيناريو كنصّ بصري مختلف، جديد ومدهش حول مسرح الحياة التي عاشها الفنان مقسّماً مشاعره بين الوطن والغربة، وهو من جرّب الغربة في الوطن قبل أن يغادره، وهي أصعب وأشدّ مرارة من الغربة في بلاد الله الواسعة. وهو اليوم -كما في كلّ مرّة وكلّ تجربة- عرض أعماله التي تتسم عادة بالتنوّع والمغامرة في الشكل قبل اللون؛ لتبدو وكأنها مقترحاً بصرياً موازياً وسُريالياً أكثر غموضاً، فيه فلسفة من نوع خاص عن فهمه لفكرة "علاج المسافة"، هو رسم بلا هوامش أو حدود يمكن أن تؤثّر على صياغة فضاءات مدهشة وغرائبية لتلك "المسافة" التي تفصل بين الإنسان وكثير من القضايا الراهنة، والتي تشكّل أساس العلاقة الإشكالية ومنذ الأزل بين كل من (الحبّ والكراهية، الحياة والموت، بين الوطن والغربة، بين الرجل والمرأة ... إلخ)، وهذا كان أحد موضوعات ديوان "علاج المسافة" للشاعر قاسم حداد حين تحدّث عن البحث الوجودي، ليستكشف الشاعر مواضيع مثل البحث عن المعنى، الموت، والوجود، في محاولة لـ"علاج المسافة" بين الإنسان وأشياء كثيرة. 

جاء في سيرة الفنان الذاتية: (يواصل "فلمز" مسيرته الفنية مناغماً بين الشعر والنقد والتشكيل، في سعي دائم لتجاوز الحدود بين اللغة والصورة، بحثاً عن أُفقٍ جمالي ووجودي أعمق).

دلدار فلمز.. الشاعر، الكاتب، والتشكيلي، هو اليوم برسوماته التي قدّمها في معرضه (محو المسافة بين الكلمة واللّون)، وكأنّه يمارس شكلاً مختلفاً من تجسيد الصورة التي أراد الشاعر إيصالها للقارئ، وهو كناقد يرى بعين ثانية المشهد الذي يريد تقديمه للمتلقي، نلاحظ اجتهاده في البحث عن حلول بصرية وجمالية جديدة لهذا الخراب الحاصل اليوم في حياتنا، والذي يعتمده الشاعر "حداد" أيضاً كموضوع في ديوانه "علاج المسافة": (الألم والفقد: تعكس القصائد تجربة الألم الإنساني، والانتحار كخيار، ومحاولات الشفاء الذاتي).

هذه السطور اخترتها من مداخلة لفتتني للصديق الفنان التشكيلي حسكو حسكو حول معرض دلدار:
".. رسوماته ومخطوطاته وهذه الشبكة من الاحتمالات والنمو الدائم للأشكال والتبدّل، تقودك لتجد نفسك أمام حلم أخرس لشاعر صعلوك، دلدار فلمز يرسم الكلمات والمشاعر، ويقرأ المجسّدات والصور بعين مدرّبة على الاتساع، في حين تبدو الشخوص معلّقة في المساحة بين الزمان والمكان، مثل فلاح ينثر بذور تشكيلاته في أرضية اللوحة فتنبت في كلّ مخيّلة صوراً مختلفة المذاق والرائحة".

في لوحات دلدار كثير من المفردات الغريبة والمبهمة أحياناً، وتموضعها في أمكنة ووضعيات قد تزيد من تماهيها، ولو أنها قد تشبه بالأساس أشكالاً نعرفها، هذا التماهي ينسحب حتى على شخوصه وحيواناته المُدلَّلة والتي يكرّرها في أكثر من عمل، مؤكّداً ربما على رمزية الأشياء أكثر من شكلها في العمل مثل السمكة، العنزة الثيران ودودة القزّ، وغيرها الكثير من المخلوقات المتحوّلة من جنس إلى آخر، المهم أن نسلّم بأن لا محظورات في لوحة دلدار فلمز المفتوحة على كلّ المذاهب والأساليب والاحتمالات الممكنة لدهشة تدوم.

لوحات دلدار التي يعرضها هذه الأيام في بيت جمشير ضمن فعاليات ليالي المحرق في البحرين، هي حالة وجدانية تنعكس بصدق وعفوية خالصة على شكل مجموعة من الاقتراحات الجمالية بالرسم واللون لمضمون قصائد ديوان "علاج المسافة" للشاعر البحريني قاسم حداد، هي تبدو كطريقة جديدة في فهمه للشعر بلغة تشكيلية مخاطباً بصيرتنا قبل بصرنا، وربما نشوة البصيرة هنا في هذه الحالة قد تربك العين المرتبكة بالأصل، من تماهي الأشكال وروحنة بعضها في لوحات دلدار التي تفتح شهيتنا وخيالنا لكثير من التحرّر والتحليق في ما وراء المشهد، وفلسفته التي قد تبدو للوهلة الأولى بدائية وغير معقّدة على الأقل، لكنها في الحقيقة هي تحمل في مضمونها وإسقاطاتها كثير من الرمزية والإيمان بقدرة الفن على التفسير وتقديم الاقتراحات الجمالية لمجمل القضايا العالقة في حياتنا المعاصرة، التي تفيض بالمنغّصات والتلوّث البصري الذي يحيق بنا من كل جانب.

أخيراً؛ تحية تقدير للصديق الفنان دلدار فلمز على هذه القراءة الممتعة والمختلفة لديوان الشاعر البحريني قاسم حداد "علاج المسافة " مع كل التقدير، والشكر للجهة المنظّمة لفعاليات ليالي المحرق في البحرين التي أتاحت لنا فرصة طيّبة لمشاهدة أعمال الفنان بهذه الرحابة في المساحة والوقت.

 


الصور: صفحة الفنان على منصة "فيسبوك"
Photos © Künstler Deldar Felemez

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها