بُطُوْلَةٌ!

شعيب خليل محمد

لا أدري لماذا يصرُّ والدي على أنَّ جارنا "وليد" أقوى منّي..

- " عضلات عضلات.. ما شاء الله عليك".

يقول بنبرةٍ أقربَ إلى السخرية كلّما ألفاني أمارس رياضة حمل الأثقال في حديقة المنزل، أو رآني -بالمصادفة- أحدّقُ في جسدي المفتول بزَهو، ثم يضيف -في كل مرّة- قبل أن ينصرف إلى شأنه:
- "على فكرة.. وليد جارنا أقوى منك".

وليد الشاب النّحيل الذي امتصَّ الفقر والجوع جسدَه ولم يفضُلا منه سوى العظم والجلد؟ إنّه لا يستحقُّ حتى أن يقارن بي، يا للجنون!

ذات مرة دخل عليَّ في غرفتي وأنا أشاهد أولمبياد حمل الأثقال، اطفأت التلفاز بسرعة، بينما أخذ ينظر بعينين نصف مفتوحة إلى الصُور الملصقة بجدران الغرفة، قال بنبرة جادّة استفزّتني:
- جارنا وليد أقوى من كل هؤلاء.. ألم تلاحظه كلَّ يومٍ يحملُ شيئاً أثقل من هذا الذي يحمله أبطالك الخارقون؟

وكدتُ أن أصرخ رفضاً، ولكن قلتُ لنفسي ربما الشيخ قد بدأ يخرَف، خاصة في هذه الأيام التي ضاعف فيها من ساعات عمله على حساب ساعات نومه بسبب الغلاء، وإلّا كيف لعاقلٍ أن يعدَّ هيكلًا عظميًّا أقوى من "توم ستولتمان"، أو "جيف كابس"، أو "ألوكسي نوفيكوف"؟

وفي آخر مرة -وقد أتاح له المرضُ النّومَ بما فيه الكفاية- صرختُ في وجهه بحدّة: أقول لك أريد أن أصبح أقوى رجل في العالم، بينما أنت تصرُّ على أن أكون مثل وليد الذي لا يقوى على حمل نفسه.

وغادرتُ الغرفة غاضباً.

اختفى أبي بعد ذلك، اختفى إلى الأبد، ولكن كلماته بقيت تتردّدُ في أذني كلما نظرت إلى الصور الملصقة بجدران غرفتي، أو مارست رياضة رفع الأثقال "جارنا وليد يحمل شيئاً أثقل ممّا يحمله هؤلاء العاجزون".

ورحت أتساءل في نفسي:
- ما الذي يحمله وليد يا ترى؟

 وفكّرتُ أن أسأل أختي الكبرى عمّا يحمله جارنا وليد، فلعلّ صديقتها (شقيقة وليد) حدّثتها عن أخيها الأسطورة، غير أن إخوتي الصغار أخبروني أنها خرجت إلى السوق لتبيع خاتمها الفضي وتشتري بثمنه خبزاً، فقرّرتُ أن أنتظره في الشرفة لأرى بنفسي ما الذي يحمله..

كان يجرُّ جسده في الشارع، وعلى كتفه كيس أسود لا أدري ما فحواه، وأياً كان.. فلا أظن أنني سأحتاج إلى أكثر من كفّ واحدة لحمله.. ولكن حقّاً ما ذلك الشيء؟ ولماذا يصرّ أبي على تسمية من يحمله بالبطل؟ وهل إذا حملته أنا أيضاً سأكون بطلًا بنظر أبي؟

ألحَّ عليَّ فضولي بالنزول إليه قبل أن يلتهمه الزقاق الصغير المؤدّي إلى منزله، واكتشاف ما في ذلك الكيس. ابتسمتُ له، وعرضتُ عليه المساعدة في حمل الكيس، نظر إليَّ مستغرباً، وقال وهو يبتسم:
- شكرًا لك.. إنه ليس ثقيلًا..

لم أكن أريد أن يشعر بما يدور في رأسي، ولكن الفضول دفعني لأن ألحَّ عليه مرة أخرى رغماً عن إرادتي.

كان ينظر ورائي في تلك اللحظة، قال والابتسامة تستعمر مساحة إضافية من وجهه:
- انظر.. هؤلاء إخوتي يتسابقون على حمل الكيس.. ستتأكّد الآن أنه ليس ثقيلًا.

كانوا كومة من فوضى تتحرك، يتدافعون في الزقاق تسبقهم صرخاتهم وأياديهم التي تمتَدُّ بعشوائية، أنزل الكيس من على كتفه وأعطاه للأوَّل. شعرتُ بالخيبة والغيظ لفشلي في تحقيق الغرض الذي نزلت من أجله، غير أنَّ الكيس مَرَقَ من بين اليدين الصغيرتين بشكل غير متوقع، ووقع على الأرض، وتناثرت أرغفة الخبز.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها