نقطة هادئة في زحام الداخل

جمال بربري

لم أكن أعلم أن قدَمِي، حين انحرفت يسارًا ذلك اليوم، كانت تسير بي نحو انقلابٍ صغير في داخلي. كان كلّ شيء يبدو عاديًا، رتيبًا كأنه مكرَّر من أيام سابقة:
الشارع نفسه بألوانه الكالحة وبيوته العجوز الشائخة، الأرصفة التي لا تهتم بخطونا كجرذان عمياء، الوجوه المستعجلة، وضغط الساعات المتشابكة في الرأس.
لكن داخلي لم يكن على ما يُرام.
كنت أعيش صراعًا صامتًا لا يسمعه أحد، وكأنّ رأسي مدينة مزدحمة بلا إشارات مرور تعاني التمزق والضياع.
كلّ الأفكار تعبر بلا ترتيب، وكلّ الأسئلة تقف في طابور الانتظار.
بينما أسير، لمحتُ من بعيد لافتة صغيرة كتب عليها:
"مكتبة– الدخول مجانًا"
لم أكن أبحث عن كتاب.
في الحقيقة، لم أكن أبحث عن شيء.
لكن قدمي مضت كأنها تعرف طريقًا لا أعلمه، أو لعلها سئمت الدوران في المتاهة ذاتها.
دخلت.
كان المكان هادئًا على نحوٍ يُشبه الحُلم، تعمه سكينة غريبة تشبه سكينة المساجد أو سكون الكنائس الأثرية العتيقة…
الهواء بارد قليلًا، ورائحة الورق المعتّق تعانق الأنف كأنها ذِكرى.
كان هناك رجلٌ مسنّ خلف مكتب صغير، ينظر في دفترٍ دون أن يرفع بصره.
لم يسلّم، ولم يسألني عمّا أريد، كأن حضوري لم يكن غريبًا، بل متوقّعًا.
سرت بين الرفوف الطويلة ببطء، أقرأ العناوين لا بعيني فقط، بل بشيء يشبه الحنين.
ثم وقفتُ.
كان هناك كتاب صغير، لا يحمل عنوانًا لامعًا ولا غلافًا لافتًا، لكنه جذبني كأنّه يناديني من بعيد.
سحبته برفق كمن يمسِّد على رأس طفل يتيم فقد أبويه.
جلست على الأرض، وأسندت ظهري إلى رفٍّ خشبي، وبدأت أقرأ.
"إلى من يتظاهر بالقوة، وهو يتفتّت في صمت…
إلى من يضحك كثيرًا ليخفي خوفه من الانهيار…
إلى من يشعر أن العالم لا يراه…
اعلم أنّ هناك من يراك، حتى لو لم يقترب".
توقّفت.
السطور ليست مجرد كلمات.
كأنها رسائل كتبتها الأيام، وجاءت لتجدني في اللحظة المناسبة.
تابعتُ القراءة.
كل صفحة تُضيء منطقة مظلمة في داخلي.
كل جملة كأنّها وُلدت منّي، أو كنتُ أنا من كتبها ونسي.
"ما الذي نخسره إن اعترفنا بأننا متعبون؟
من قال إن الثبات فضيلة في كل وقت؟
أحيانًا، الانكسار هدوء…
والدمعة حكمة".
كأنّ الكاتب يعرفني.
يعرف رعشة يدي حين يعلو صوتي بلا سبب،
ويعرف ضيق صدري من زحام لا تراه العيون، ويعرف وحدتي التي لا تبدو واضحة، لكنها مقيمة في زاوية القلب.
لم أرفع رأسي إلا حين دخل ضوء الشمس من النافذة، كأنّه يُربّت على كتفي.
نظرت حولي…
المكتبة كما هي.
الرفوف، الكتب، الرجل العجوز لا يزال خلف المكتب، ينظر هذه المرة نحوي، لكنّه لا يبتسم، فقط يرفع رأسه كأنه يطمئن أنني فهمت.
قمتُ ببطء، ووضعتُ الكتاب على الطاولة.
همستُ:
– "هل يمكنني استعارة هذا الكتاب"؟
ردّ العجوز، بصوت خافت كأنه قادم من بُعد:
– "هذا الكتاب لا يُعار، هو فقط يظهر لمن يحتاجه، ثم يختفي".
فركتُ عيني بدهشة، لكنّه تابع وهو يُغلق الدفتر:
– "أنتِ وجدتِ ما كنتِ تبحثين عنه… أليس كذلك"؟
لم أُجبه.
فقط ابتسمت.
وخرجت.
عدتُ إلى البيت، لكن الكلمات لم تفارقني، بدت الحروف والمعاني كعرائس الليل تتجسد أمامي في كل خطوة أخطوها.
جلست على سريري، أضأت المصباح الخافت، وحدقت في السقف.
هناك سؤال واحد يتردّد في رأسي:
لماذا الآن؟
لماذا يظهر كتابٌ كهذا في لحظة شعرت فيها أنني أختنق من الداخل؟
هل كان كل ما حدث مصادفة؟
أم أن هناك لحظة ما، حين تتوقف فيها الحياة عن التظاهر، وتبدأ في الحديث معك بصدق؟
أغمضتُ عيني.
ورحتُ أسترجع جمل الكتاب.
"من قال إن عليك دائمًا أن تشرح نفسك؟
الصمت أحيانًا لغة أوضح".
نعم…
لقد تعبتُ من الشرح، من تفسير تعبي لمن لا يسمع، من تبرير هدوئي لمن يريدني صاخبة، ومن الادّعاء بأنني بخير فقط لأن الجميع يتوقع ذلك.
ثم جاءني صوتٌ داخلي، لم يكن يشبه التفكير، بل يشبه مناجاة:
"هل تعيشين حياتك كما هي، أم كما يريدون؟
هل تختارين، أم تتأقلمين؟
هل تفرحين فعلًا، أم تبتسمين كي لا تُسألي؟
هل قرأتِ نفسك كما قرأتِ هذا الكتاب"؟
صمتّ.
وسألت نفسي سؤالًا كنت أخاف الاقتراب منه:
"متى آخر مرة كنتِ فيها صادقة مع ذاتك"؟
لا أتذكر.. فجدران الذاكرة -على ما يبدو- تآكلت بفعل وجع الأحزان وأمطار التعاسة ومرارة الأيام.
ربما لأننا في سباق… سباق مع الزمن، مع الناس، مع التوقعات، مع معايير النجاح التي لم نكتبها نحن.
ووسط هذا السباق، سقط مني شيء… أنا.
لكن ذلك الكتاب… تلك الصفحات…
كانت كأنّها مرآة لا تعكس شكلي، بل روحي.
في الصباح، استيقظتُ بشيء من الخفة.
ليس فرحًا تامًا، ولا وضوحًا كاملًا،
لكن كأنّ شخصًا ما بداخلي، كان نائمًا… واستيقظ.
جلستُ أكتب في دفتري الذي لم أفتحه منذ شهور.
"أريد أن أعود إليّ.
أن أعيش دون أن أبرر، دون أن أعتذر عن اختياراتي،
أن أتعلم كيف أكون لي، لا فقط لهم.
أن أبحث عن لحظتي، لا صورتهم عنّي.
أن أهدأ… فقط أهدأ".
في نهاية اليوم، وبينما أرتب أشيائي، فتحتُ حقيبتي بلا سبب…
فوجدتُ الكتاب.
الكتاب الذي لم أستعِره.
الذي لا يُعار.
الذي يُقال إنه يختفي.
كان بين دفاتري، ساكنًا كأنه لا يُريد لفت النظر.
فتحتهُ…
فوجدتُ مرآة صغيرة ملساء، وُضعت بعناية داخل الغلاف الخلفي.
تأمّلت وجهي فيها…
لا شيء تغيّر في ملامحي، لكنني نظرتُ إليّ كما لم أفعل من قبل.
أدركتُ حينها…
أن بعض الكتب لا تُقرأ بالعين، بل تُقرأ بالقلب. تحس بالروح وأنامل الفؤاد.
وأن المكتبة، لم تكن مبنًى من خشب ورفوف…
بل كانت بابًا صغيرًا إلى نفسي.
أغلقتُ الصفحة.
ابتسمت.
لقد عدتُ.
 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها