"عراف حضرموت"

رواية المرايا المهشمة.. وأسئلة الهوية الضائعة

عبد السلام فاروق


من هامش مؤتمر علمي في العاصمة البرتغالية لشبونة حول الظواهر الخارقة، تنفتح رواية الدكتور محمود نبيل محمود "عراف حضرموت"، الصادرة عن دار حروف الفارس للنشر والتوزيع بالقاهرة، كباب خلفي إلى عوالم متداخلة: عوالم الذاكرة المسروقة، والتراث الملعون، والهُوية الممزقة بين طبقات التاريخ والحاضر. المؤتمر، بادّعَائه التنويري ومهنيته المصقولة، ما هو إلا قناع رقيق تختبئ وراءه أسئلة وجودية عميقة، وشبكات معقدة من المؤامرات، واختبارات مصيرية تنتظر الشخصيات القادمة من جغرافيا الروح العربية المتباعدة.


تولد الرواية ككائن سردي حي، يشرع في رحلة حفر مضنية داخل طبقات الذات العربية المتعددة: كيان ممزق بين تاريخ ثقيل لا ينفك يلقي بظله الطويل، وحاضر هش يتناثر بين الأصابع كرماد، ومستقبل غامض لا يستدل عليه إلا بومضات نبوءات ملتبسة، تأتي من أعماق الأرض أو من سواد العيون.

بذكاء سردي لافت، يحول المؤلف سؤال الهوية الجامع من نداء موحد إلى جوقة من الأصوات المتصارعة، ترفض أن تختزل في بطل واحد أو خطاب أحادي. إنها تفضل أن تقدم نفسها كمرآة محطمة، كل قطعة منها تعكس زاوية من زوايا الأزمة، وجرحاً من جروح الوجود المتراكم.

أصوات في مرايا مهشمة:

فهذا طه الإسناوي، الطبيب المصري الثري، يبحث عن خلاصه الروحي في طقوس مستوردة، ويغرق في حب مستحيل لوجه غريب. إنه صورة صارخة عن اغتراب النخبة التي تطلب النجاة خارج حدود ترابها وتراثها، ظانّةً أن في المنفى خلاصاً من عبْءِ السؤال.

وهذا الاغتراب لا يختلف في الجوهر عن مأساة مراد بن يخلف، عالم الآثار الجزائري العجوز الذي يؤمن بأن روح الأمة وسر قيامها مدفون تحت التراب ومحفور في الصخر. متحفه - قلعته، ملاذه الأخير من دنس النسيان، ينهب على أيدي غرباء، في مشهد مكثف يختزل دراما نهب الهوية، واستمرار سطو العولمة الجشعة على الذاكرة.

وفي قلب هذه الفسيفساء المتناثرة، يبرز وجه صفوان الحضرمي، العراف اليمني "ابن برهوت"، حاملاً أسرار الغيب في عينيه وعلى جلده. صفوان هو تجسيد لذلك البعد الروحي والحدسي العميق في الثقافة العربية، البعد الذي تقصيه السلطة أحياناً وتستبعده العقلانية المهيمنة أحياناً أخرى، فيجد نفسه منفياً في أراضي الآخر. حضوره يلقي بحجر في المياه الراكدة، مثيراً أسئلة شرقية خالصة بلغة القلب والروح، لا بلغة الخطاب السياسي المباشر.

بينما يقف سليمان الراشدي، الصحفي الكويتي الذي يحمل في داخله جراح سوريا وذاكرتها، كشاهد على الدمار. إنه صوت الذاكرة الجريحة التي تبحث عن معنى وسط الركام، محملاً بثقل الشهادة التي قد تتحول إلى نقمة، وشهادة قد لا يرغب أحد في سماعها.

ولا تكتمل هذه المرآة المهشمة دون ظهور شبح الماضي، ممثلاً في شبح الأب الكاتب. هذا الحضور الخفي الذي يقتحم حاضر ابنه ليس مجرد لعبة سردية؛ إنَّه استعارة عميقة عن ثقل الموروث الأخلاقي والاجتماعي الفاسد، ذلك الماضي الذي يظل حياً ككابوس يخنق أي محاولة للبناء أو التغيير.

جغرافيا الروح والألم:

تتحول الجغرافيا في الرواية من خلفية ثابتة إلى شخصية فاعلة تحمل دلالات نفسية عميقة. لشبونة، بادعائها التنويري، تتحول إلى فضاء للالتباس والامتحان؛ حيث يصبح المؤتمر واجهة زائفة، ويغدو "كابو دا روكا" بوابة سحرية لعوالم أخرى.

وتأتي القاهرة لترسم لوحة التناقض الصارخ؛ حيث تلتقي ناطحات السحاب الفاخرة في المقطم مع فقر "استر" و"نرجس" الهاربتين من أعماق الصعيد، في صورة مصغرة عن هوية ممزقة بين قمة الثراء الفاحش وقاع الحرمان المدقع.

أما حضرموت، فهي القلب الأسطوري النابض؛ الجذر العميق الممتلئ بالدم والذكرى واللعنة في آن واحد، المستحيل استئصاله. تاريخياً، كانت حضرموت مهداً لحضارة عربية جنوبية عريقة، ومركزاً تجارياً حيوياً على طريق التوابل والبخور، وموطناً لمراكز علمية ودينية لامعة مثل مدينة تريم، "مدينة العلم والمتصوفة". هذا العمق التراثي يضفي طبقات من المعنى على شخصية صفوان ومحنته.

وفي الطرف النقيض، تقف أمريكا كفضاء الاستلاب النهائي؛ حيث تتحول الأحلام الفكرية إلى سرقات وفوضى، مؤكدة استحالة العثور على خلاص حقيقي في مرايا الآخر.

ثيمات متشابكة: النبوءة والتراث والسرقة

من تشابك هذه العوالم والشخصيات، تولد ثيمات الرواية المركزية المتشابكة. فهناك هاجس النبوءة والمصير، المجسد في الثنائية بين عقلانية مراد الذي يقرأ المستقبل في نقوش الحجر، وحدسية صفوان الذي يراه في ومضات الرؤيا.

لكن الرواية تحرص على ألا تكون النبوءة قيداً حتمياً، بل تقدمها كـ"إنذار"، تاركة مساحة ضيقة، ولكنها موجودة، للإرادة والمقاومة في مواجهة قوى خفية تبدو مسيطرة على خيوط اللعبة.

وهذا يقود إلى الهاجس الأكثر إيلاماً: أزمة التراث. فالصراع لا يدور حول مضمون التراث فحسب، بل أيضاً حول كيفية الاقتراب منه: بين منهج مراد الأثري العقلاني الذي يحفر وينقب ليفهم، ومنهج صفوان الصوفي الحدسي الذي يتلقى ويتأمل. والمأساة أن كلا الطريقين يبدوان عاجزين عن حماية هذا التراث من السرقة والاستغلال، مما يكشف عن مأزق حضاري معقد.

ولا تغفل الرواية، في تشريحها الدقيق، عن تتبع خيوط القوى التي تستهدف هذا الكيان الهش، ممثلة في فساد الشبكات العابرة للحدود. فشبكات الفساد تمتد من تجارة الآثار غير المشروعة إلى التواطؤ مع مرتزقة أجانب، إلى سرقة الأفكار والأبحاث. إنها ترسم صورة لعالم لا تحكمه دول بقدر ما تحكمه تحالفات مافيا ومصالح عابرة للقوميات؛ عالم يسحق فيه الفرد بكل ما يحمله من تاريخ وهموم، ليصير مجرد رقم في معادلة أو أداة في لعبة لا يعرف قواعدها.

بناء فني متعدد الأصوات:

أما على الصعيد الفني، ينسج الكاتب محمود نبيل "عراف حضرموت" من خيوط متنوعة، متحررة من قيود السرد الخطي التقليدي، ومعتمدة على مزيج غني من اليوميات (لطه)، والاعترافات (للشبح)، والحوارات الفلسفية الثرية، والتأملات الصوفية العابرة، والمشاهد الدرامية المشحونة.

هذه التعددية في التقنية تخلق إيقاعاً سردياً حيّاً، كأنه نبض التجربة نفسها في تشظيها وتركيبها. وتساند هذا البناء لغة متدفقة كجدول، مرنة تجمع بين رصانة الفصحى وحيوية العامية أحياناً، دون أن تفقد نغماً موسيقياً داخلياً يعلو ويخفت، خاصة في تلك المقاطع التأملية التي تكاد تكون أناشيد صوفية.

رواية اللايقين والمقاومة بالسؤال:

في المحصلة، تقدم "عراف حضرموت" نفسها كرواية اللايقين بامتياز. إنها لا تصف انتصاراً مبيناً ولا هزيمة ساحقة، لكنها ترصد، بتؤدة أقرب إلى التأمل وشاعرية تنفذ إلى الأعماق، حالة التيه في منتصف الطريق: طريق بين ماض يثقل كاهل الحاضر، وحاضر يرفض التجلي، ومستقبل يتراءى خلف ستار من الضباب النبوي.

هي رواية ترفض الإجابات السهلة، وتكتفي بتوسيع دوائر السؤال. وبمنحها صوتاً للهامش –للصخر والخرافة والجرح والشبح– فإنها لا تكتفي بإضاءة ذلك الهامش، بل تنتقل به ليكون مركز الكون السردي. وفي هذا التحويل الجمالي بالذات، تكمن مقاومتها الأصيلة: ففي زمن الصراخ الأيديولوجي واليقينيات الجازمة، يبقى السؤال الرشيق العميق الصادق هو، في ذاته، شكل من أشكال المقاومة الجميلة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها