سالم العبد قاصٌ مبدعٌ متميزٌ، من الأعلام القصصية القليلة في حضرموت، التي أدركت ووعت رسالة الفن والإبداع، وعملت من خلال هذا اللون الأدبي على إيصال ما تؤمن به، وتعمل على تجذيره وترسيخه، إيماناً منها برسالة الفنان المثقّف المثوّر للوعي والداعي للتجاوز والتغيير، له ثلاث مجموعات قصصية، الأولى بعنوان: (من خارج الدائرة) من إصدرات الجمهورية اليمنية -وزارة الثقافة والسياحة – فرع عدن، في مطلع الثمانينيات، والأخرى: بعنوان: (القواقع)، صدرت الطبعة الأولى عام 2002م، عن مركز عبادي للدراسات والنشر، ونادي القصّة إلمقه بصنعاء، وراوية بعنوان: (ناهية).
ويهدف البحث إلى فتح زاوية لرؤية عالمه القصصي الواسع والعميق، بتناول نصّين من مجموعته الأولى –من خارج الدائرة– هما: (قصة العنوان + سبيت) متخذين منهما نموذجين لزوايا رؤية الرّاوي، أو (أشكال التبئير)، فالرّاوي في القص (الحكي) يعد أحد المصادر في تحديد زاوية الرؤية للنص المحكي.
زاوية الرؤية
يعرّف الكاتب الأمريكي (ويني بوثواين س. بوث: Wayne-C-Booth 1921-2005م): زاوية الرؤية بقوله: "إننا متتفقون – جميعاً – على أن زاوية الرؤية، وهي بمعنى من المعاني: (مسألة تقنية ووسيلة من الوسائل لبلوغ غايات طموحة)"1، ويفسّر الدكتور حميد لحمداني زاوية الرؤية بقوله: "إن زاوية الرؤية عند الرّاوي، متعلقة بالتقنية المستخدمة لحكي القصّة المتخيّلة. وإن الذي يحدد شروط اختيار هذه التقنية دون غيرها، هو الغاية التي يهدف إليها الكاتب – عبر الرّاوي – وهذه الغاية لا بُدّ أن تكون طموحة، أي تعبّر عن تجاوز معيّن لما هو كائن، أو تعبّر عما هو في إمكان الكاتب، ويقصد من وراء عرض هذا الطموح التأثير على المروي له أو على القراء بشكل عام"2.
ويذهب الدكتور الحمداني إلى إهمال التحدّث عن مضمون هذا الطموح وعدم أهميته، مؤكداً على أهمية النظر إلى الطرائق المختلفة لزوايا النظر التي يعبّر بوساطتها عنه، على الرغم من إشارته إلى ضرورة أن يشمل الطموح تجاوز ما هو كائن والتأثير على المروي له، وهو ما سنقف أمامه لاحقاً.
توماتسفسكي وأنماط السرد
يميّز الشكلاني الروسي توماتسفسكي Boris Tomashevsky 1957 – 1890 نمطين من السرد، سرد موضوعي، وسرد ذاتي، ففي نظام السرد الموضوعي يكون الكاتب مطلعاً على كل شيء حتى الأفكار السردية للأبطال، أما نظام السرد الذاتي، فإننا نتتبع الحكي من خلال عيني الراوي، (أو طرف مستمع)، متوفرين على تفسير لكل خبر، متى وكيف، عرفه الرّاوي، أو المستمع نفسه3.
فكيف استفاد القاص سالم العبد من هذين النمطين في السرد؟ وهل اختلفت الغاية التي يهدف إليها في سرد قصصه المتخيّلة، ذاهباً إلى التأثير على المروي له (القارئ)، لكي يُحدث التغيير، أو ليضيف رؤية إنسانية جديدة لواقع لا بد له من تغييره، أو نازعاً إلى إعادة تشكيل الواقع بعد التعايش معه وفيه، مقدماً المثال الذي يطمح ويأمل في إشاعته ونثره على ذرى الواقع (الخيال) أو الحلم الجمعي؟ وهذا ما سنحاول أن نكتشفه من خلال قراءاتنا لقصتي (من خارج الدّائرة + سبيت).
من خارج الدائرة نموذجاً للسرد الذاتي: (الرؤية مع)
كما أشار إلى ذلك تودوروفم (2017 - 1939 Tzvetan Todorov)، في مقال له بعنوان: (مقولات الحكي) – الرّاوي – الشخصيّة الحكائية4 اتخذ القاص هذا النمط السردي في قصته التي حملت عنوان المجوعة، فالرّاوي هنا بطل القصّة، والعنوان يحيلنا إلى (المخفي) وهو المبتدأ المحذوف الذي نستطيع أن نؤوله – قادم، رؤية، رجل، راوٍ، بطل... إلخ، والمسكوت عنه لم يكن كذلك، إلا بقصد اكتشافه من المروي له بعد القراءة، فنبدأ مع الرّاوي (البطل) سرد حكايته؛ إذْ ينطلق بالحديث عكس ما يحيل العنوان، أي من الدّاخل (القرية) بقوله: هنا في قرية (الرّيدة) تختلط علينا الفصول كما تختلط سائر الأشياء5، فهو يضع نفسه ضمن الدّائرة (علينا) إلا أنه يذهب إلى تأكيد عدم رغبته في المكوث فيها –الدّائرة– القرية، "كنت أخرج دونما إحساس يذكر بما يعتمل في الأجواء... واقف على حافّة الوادي الكبير متطلعاً نحو كل شيء ولا شيء"6، فهو (السارد البطل) يتحرّك في الفضاء المحيط بالقرية –حافة الوادي– غير مبالٍ بما تكابده وتعانيه القرية، على الرغم من وعيه بما يعتمل في الأجواء –دونما إحساس– وغير مهتم بالأخطار المحدقة بالقرية إثر الأمطار الغزيرة التي ارتفع على إثرها سيل وادي (بدش) حتى بلغ ارتفاعه نخلة معمّرة، جارفاً أشجار السمر والنخيل كما يروي.
من خلال هذا الوصف للكارثة، الذي يضعنا أمام مفارقة هي المحرّك الأساسي لكل أحداث القصّة، ومواقف الشخصيات فيها، بين بطل (سلبي) لا تدفعه الأخطار إلى التفكير والتفكّر في كيفية إخراج القرية منها، والقرية بكلّ ما فيها ومن عليها تواجه المجهول معاً، وإيغالاً في توسيع المفارقة يصر الرّاوي على البقاء خارج الدّائرة ويسخر من أهلها: "أحياناً يطيب لي أن أستمع إلى العبارات المكرورة بسخرية غير مركّزة ...."7، فأحاديث أهل القرية – إننا لم نشهد أمطاراً غزيرة من قبل، أرأيت ارتفاع سيل وادي بدش... إلخ، هذه العبارات تدفع به لإعلان انفصاله عن عالم القرية الإنساني والتوحّد مع عالمها الطبيعي، فاختلاف أهل القرية حول هول الفاجعة التي يتوقّع أن تحل "اشتد اللغط طويلاً ... ولكنه استحال في أذني طنيناً مشوّهاً فارغاً من أي محتوى ... شيء لطيف أن تشعر بالانفصال والتوحّد، حتى وسط هذه المجوعة المتنافرة"8، ولكن تنافر المجموعة، هو في الأساس توحّد ضمن إطار الهمّ الجمعي للحظة المعيشة، وبعد أن يؤكّد انفصاله عن الدّائرة، يذهب لإعلان رؤيته عن الأحداث، التي ستحل بالقرية، ممهداً ليوم الكارثة، من خلال صوت (عيضة دويل) -وبشرهم بعذاب أليم– شيء ما في هذا الصوت الكالح يوحي بنذر وشر مستطير لا أستطيع تحديد ما هو ذلك الشيء9.
فتتوقف حركة الزّمن عند يوم الكارثة، واصفاً حال القوم ومواقفهم والمكان (المركز) في الدائرة (المقهى)، وهي نقطة تجمّع/ وبداية انطلاق لمواجهة الواقع وبحثه ومعالجته، وكأنّه أراد أن يتم الفرز بتحديد من يبقى ليعمل داخل الدّائرة ومن يذهب خارجها دون حركة أو فعل، "تحفّز بعض العجائز لمواجهة الحقيقة المرّة.. وذلك واجبهم –أما هو فلا يشير– ولن يتخلوا عنه طالما أن الصغار متغيّبون في المهجر.."10، وهو ما يزيد الكارثة بؤساً وقتامة في حياة القرية، فإرادة التغيير (الصغار) أخذتهم الغربة وحلم المجهول (خارج الدّائرة)، والرّاوي منفصل عن عالم الصغار حلماً، والعجائز فعلاً، وهنا تكمن غاية الأديب (الكاتب) الذي يتخفّى هنا مستخدماً هذه الحيلة الفنيّة، ليعمد إلى كشف جملة من التناقضات بين الواقع وما يدور فيه، ورؤية الفئة المثقّفة (المُدانة)، التي عزلت نفسها عن الواقع المعيش غير عاملة على تجاوزه، إلا من خلال تغييبه وتكريس السّراب، فبالرغم من توحّد أهل القرية أمام الكارثة والتفافهم حول أكبر الجميع، الذي اندفع للمواجهة وإيقاف الكارثة والتصدّي لها -عبيد السماحي؛ إذ يقول: محدداً بدء العمل واتخاذ القرار: (منطقة خاشيم) حاصرتها السيول ليلة البارحة -أما الريدة- الدّائرة – لقد التهم بنات عبد الكريم الأبكار11.
وهنا أيضاً تبرز أنانية البطل الرّاوي، فهو لا يهتم بكل ما جاء على لسان السماحي، إلا بصوته: "بقيت لقترة أستمرئ وقع صوته على مسامعي دون أن أكلّف نفسي عناء فهم ما يقول"12، فالخصوبة والأمل في حياة القرية (بنات عبد الكريم الأبكار) تغتال، والصغار متغيون – والسرد هنا يتحوّل إلى كشف التفكّك، الذي تصاب به المجتمعات، التي تتطلّع للثراء دون حرص على تغيير الواقع وتزيينه، فالخصوبة تجرفها السيول والأمل (الصغار) تغتاله الغربة، ونلمح في هذا الواقع المرير المأزوم صوتاً وجذوة أمل (عويل الأم وابنها الصغير) الذي سمع فجر اليوم (والفجر)، هو عنفوان الغد وقوته؛ إذْ إن الجذور (الأمهات العجائز) والمستقبل (الصغير) –في داخل الدائرة– يهتزان ولكنهما يتشبثان بالبقاء ومحاولة الفعل بينما الواقع (الحاضر) في مأزق – الصغار غربة، الأبكار التهمهن السيل، المثقّف (الوعي) سلبي الرؤية – وهنا يظهر دور المثقّف الذي يذهب إلى التصدّي لهذا الإنهيار والوقوف أو الحدّ منه من خلال تثوير الوعي الحقيقي وتجذير فلسفة التغيير (الفعل) النابت من التربة والجذور، إلا أنه يقرر حقيقة إدانة هذه الفئة المثقّفة من خلال المفارقة بين ما هو مسكوت عنه وما تتبناه شخصية الراوي عند سماعه تقرير الموقف من العجوز السماحي بجرف السيل للأبكار "ورغم فجاجة الموقف ضحكت من أعماقي"13، لنصل إلى نتيجة: اختلاف القرية توحّد، وتوحّد الرواي خلاف، كيف؟ فأهل القرية يختلفون –كالمعتاد– حول كيفية مواجهة الموقف، فبعد مطالبة السماحي بضرورة البحث عن الجثث وتلكؤ الجميع يأتي صوت مبحوح (إنه عارٌ علينا) فهو صوت الأرض وإمتداد الأعماق، وعدم تحديد هويته هنا دالٌ على ذلك، بينما العجوز حمحوم – اختلاف – يأتي صوته "أوتريدنا أن نتصدّى لقضاء الرّب؟ هذا هو الإلحاد بعينه"14، معلناً موقف شريحة من المجتمع لا عمل لها إلا تخدير الناس بالاستسلام للقضاء والقدر، وقد كان في قوله متنفّس للجميع، مع إدانته (للصوت الأبح) الذي يفرض عليهم المواجهة لتظل الاختلافات في إطار الدّائرة حتى تمّ الحسم بصوت السماحي "قانون القرية المتفق عليه من المجتمع. اسمعوني جيداً ... ألا تسمعون؟ لن نطيل، فالثرثرة لا تجدي في مثل هذه الظروف.. وعيضة دويل محق فيما يقول: صحيح أنتم عجائز.. ولكنكم لستم ضعفاء إلى الحدّ الذي لا تبحثون فيه عن الجثث المفقودة"15.
وموقف البطل (السلبي – الرّاوي) مخالف أيضاً (وبقيت مربوطاً في مقعدي المنزوي احترق من الدّاخل دون أن أقوى على شيء)16، بينما فعل التغيير – المواجهة – قد بدأ، فالسماحي حث الكل على الفعل مبتدئاً بنفسه – انطلق كالسهم – تلقّفه الشاعر الموحل شاباً في السبعين، بينما الفرصة التي سنحت لخروج الرّاوي من سلبيته والإقصاء عن الدّائرة للتوحد في عالمها نجده أيضاً يهملها بسلبيته، لست أدري –أي قوة عجيبة سمّرتني على المقعد– وبالرغم من إدراكه ووعيه بضياع هذه الفرصة "كنت أدرك أنني أفوّت فرصة نادرة لأنني لم ألحق بالسماحي والعجوز حمحوم والثلاثة العجائر الآخرين"17. ما الذي دفعه إلى فقدان هذه الفرصة؟ يكمل الاعتراف: (أنهكني الشعور بالعجز والسلبيّة والفراغ)18، وكلها تؤكّد بقاءه خارج الدّائرة -عجز -فراغ -سلبيّة – ثلاث من كنّ فيه فهو مدان مدان.
على الرغم من خلو المقهى من روّاده، دلالة على التحام أهل القرية معاً لمواجهة المجهول والمصير الواحد إلا لأنه يؤكّد تمسكه بالبقاء خارجها ولو بالمكوث في المقهى، كنت قد صممت على عدم مبارحة المقهى، والذهاب فكراً خارجها والمحيط مبرراً سلبيته وعجزه من خلال تلبّسه حالة الحزن مع صاحب المقهى الذي بدوره داخل الدّائرة عملاً في القمهى – كنقطة التقاء – وخارجها كعالم صغير يتكسب منه دون مشاركة الآخرين الفعل الجمعي، إنه لن يفعل شيئاً ذا قيمة، ليسبح معه في خيالاته "رحت أتفحّص المقاعد الخالية بضجر قاتل وصور الجثث تترى على مخيلتي، وهي تطفو وتغوص في خضم السيل العرم"19، ليوغل في منولوج داخلي (ترى أين قذف السيل بنات عبد الكريم؟ في البحر المضطرب، حيث الأسماك النهمة، أم في مكان آخر حيث تنتفخ جثثهن)20، فالمثقّف (الوصولي-الانتهازي) يذهب إلى تحليل المواقف وفلسفتها، وإن في الخيال، دون إدراك لأهمية ثقافة الواقع وفلسفة التغيير.
ليعلن بعد ذلك ما آلت إليه جهود الآخرين في إيقاف الكارثة والتقليل من أضرارها – يأتي عيضة دويل قادماً نحو المقهى تدلّ هيئته على عدم تحقيق شيء – لكن عودته دون الآخرين تفتح مساحة لاستمرار الفعل والأمل في التغيير، فغيابهم هو استمرار المواجهة، أما السّارد (البطل) فالضحك طريقته في السخرية مما آلت إليه جهود القوم معبراً بالضحك عن رضا النفس الانتهازية وتماهيها فيما تعتنقه من ضرورة البقاء خارج الدّائرة، وعدم الابتعاد عنها كثيراً (قلت ها أنا مرة أخرى لوحدي مع الطبيعة وإن كانت صامتة خرساء...)21، مظهراً قدرته على استنطاق صمتها وامتلاكه نشوة عارمة بالتوحد مع البحر والسكون المطبق بالفضاء اللامتناهي، وهنا نخرج بنهايتين للقصّة إحداهما معلنة وهي نهاية الرّاوي (البطل) الذي يتوحد بالطبيعة وينفصل عن إنسانها، إذْ بدأ القصة منفصلاً وانتهى منفصلاً أيضاً، والثانية غير معلنة لشخوص القرية (أهل الدّائرة) وهم يحاولون الفعل، وهما نهايتان -كما أرى- تنسجمان وحيثيات سرد الحكاية وغاية الرسالة من فعل الحكي.
السرد الموضوعي قصة (سبيت) نموذجاً
أي (الرؤية من الخلف) كما أشار -أيضاً- تودوروف إلى ذلك في مقالته آنفة الذكر، فالرّاوي أكبر من الشخصية الحكائية، إذْ يكون عالماً ومطلعاً على كل خفايا وأحداث الحكي نوايا الشخصيات المحكي عنها، وقصة سبيت تمثل هذا النموذج حيث يعرض القاص سالم العبد - أيضاً - عالم القرية (الريدة) التي تتعرض لمجاعة شديدة ليبدأ السارد العالم بوصف المجاعة وأثرها على القرية وأهلها (أصبح الناس لا يتحدثون إلا عن المجاعة التي حلّت بقرية (الريدة)22، ويبرز هنا الأمل في تجاوز هذه المحنة من خلال انتظار القادم من خارج الدّائرة (وادي حضرموت والقافلة حاملة قليلاً من الأطعمة) ويندمج في وصف الطبيعة والإنسان - الأرض العطشى، النباتات الصحراوية القصيرة التي تنوء بأحمال من الأتربة، صراخ الأطفال الأكثر عرضة وتأثراً بهذه الكارثة (المجاعة) حيث يعمل الوصف إلى رسم الصورة الكارثية لأهل القرية، الأطفال انتفخت بطونهم واصفرّت أبدانهم وخفّت حركتهم، فالأمر جد خطير والمأساة تتفاقم وتتسع، لينتقل الرّاوي إلى تأكيد غضب الطبيعة -عشرة أيا مضت - تأزمت الأحداث وتعمّق التصدّع في القرية، فويطم متزوجة حديثاً ورزقت بطفل تحتضنه ثلاثة أيام بعد موته جوعاً، فالوصف يمهد لضرورة أن يأتي قادم لإنقاذ القرية، ولكن المفارقة إن القادم من خارج الدائرة (القرية) أداة لإدامة الأزمة واستفحال الكارثة عبر تزييف الحقائق وتغييب الوعي فهو من أدوات السلطة (النظام) والوجه الآخر للمثقف الانتهازي، ويعمل الوصف للمتهيد للقادم ودوره (حينما تجاوز ح وسيد – خيمة رضيح من الطرف الآخر من الوادي لكز حماره القوي بشدة)23، فما تفتقده القرية موجود لدى (سويد) الوسيلة (الحمار) - الطعام - السلطة أو الحديث باسمها، لترصد مواقف أهل القرية من هذا القادم.
- مهيلة: أي مصيبة يقذفون بها إلينا يا ترى...؟
- العجوز سعدان: إن صدق حدسي فهو رسول القائم -إن كان هو فأخبروه أن يذهب إلى الشيطان24.
ليكمل السارد (الرّاوي) وصف الشخوص والمكان وتطوّر الأحداث دون تدخّل أو تفسير أو تأويل لما يجري وإن اقترب من صوت مهيلة كمعبر عن صوته، وبالأصح صوت الكاتب المخفي، أي فرية جئت تحملها إلينا هذه المرّة.. مهيلة، ولم يعرها القادم التفاتاً واستنكف أن يرد عليها، فهي التي تعرف مآربه وكاشفة لخفاياه، لتصرخ خلفه: "إنهم لن يصدقوك هذه المرّة فعد من حيث أتيت واعرف نفسك جيداً أيها الكيس"25، هذه ردّة الفعل من أهل القرية تؤكد توحدهم في الموقف والرؤية من القادم، إذنْ لا بُد من قادم آخر من داخل الدّائرة يتصدّى لهذا القادم غير المرغوب فيه.
وهنا يتخفّى (الرّاوي -كموقف- الكتاب - كرسالة) خلف (مهيلية + سبيت) (فكر رافض + إرادة تغيير)، ليبدأ السارد في تهيئة مسرح المواجهة بقوله: (كانت الساحة الواقعة بجانب خيمة الأرملة خليعة مكاناً مناسباً يجتمع فيه الأهالي - وهو أيضاً مركز القرية (المقهى في القصّة الأولى) (سلحة خليعة) تشهد على أفراحهم وتجمعهم فهي الأنسب لتحديد المصير، من هنا تبدأ القصة في المنعطف الأخير، فمن يفرض حجته وإرادته في الساحة ملك مصير القرية، سويد: لقد أمرني القائم بأن أبلغكم ألا تيأسوا من رحمة الله وأن تظل ثقتكم بالقائم كما كانت دائما، إنها محنة وتزول...26.
العجوز سعدان: "أطردوا هذا الكبش اللعين.. ألا ترون أكتافه العريضة"*، هذه المواجهة الأولية تمهد لقدوم (سبيت) عابساً إلى مركز الساحة حيث يقف سويد راكباً حماره، لتحرك المواجهة (الصراع) أحداث القصة من خلال تناقض موقفي سبيت وأهل القرية كإرادة حق، وسويد وحيداً كصوت للسلطة وأداة زيفها لتبدأ المواجهة بإمساك سبيت لجام الحمار بقوة موجهاً نظرات قاسية وباردة نحو سويد كدليل على قوة الحق مخاطباً أهل قريته: إن هذا المأفون يحاول خداعكم أتعرفون27؟ ليظهر صوت الحقيقة بجلاء ووضوح دون مواربة باحثاً فيهم عن إرادة التغيير وإيقاف الزيف ليأتي رد فعل الطرف الآخر (السلطة) عاملة على تغيير تكتيك المواجهة، فيلجأ السارد إلى تتابع الأحداث وتجاوز الزمن، إن الأحداث تتوالى هذه الأيام سراعاً ليتحول (سبيت) إلى أسطورة تكثر حوله الإشاعات (المخلّص)، فلم يعد الجوع هو المشكل الذي تبحث القرية في الخلاص منه؛ وإنما النظام القائم برمته هو ما يجب مواجهته وتغييره، فهو الذي يفاقم مشكلة المجاعة وكتم الحريات فتتسع الأسطورة وتشعّ أملاً من خلال تعدد المنتسبين إليها، (الرّاوي) في تلك الليلة كانت – أربعة أشباح تركض في صمت، إذاً سبيت لم يعد وحده، فلقد اتسعت دائرة القماومة لفرض التغيير الجذري بدءاً بمعالجة مشكلة الجوع الآنية، (كانوا يسوقون أمامهم ثلاث أغنام هزيلة)28، وهزيلة تؤكد صعوبة فعل التغيير لمعالجة المشكلة الصغرى (الجوع) فما بالنا بالكبرى (تغيير الواقع) ولكن سبيتاً لم يعد وحيداً وانداحت شخصيته، ولم تعد تحمل ملامح محددة بل تحولت إلى معانٍ لا بد أن تسود، فتغيرت علاقات أهل القرية بعد أن دبّ فيهم الأمل بقرب التغيير، فالعجوز مهيلة أصبحت تداعب العجوز سعدان، عند إشارته لمصافحة سبيت له بقوة كادت أن تخلع يده فداعبته بقولها:
ليته خلعها وأراحنا من ثرثرتك، فيضحك أهل القرية (جميعاً) وأنظارهم تحدّق باتجاه القمم المرتفعة التي تطلّ على وادي (بدش) تتراقص في جوانحهم آمال عراض باتساع الوادي الكبير29، هذه الخاتمة ونظرتهم جميعاً إلى القمم المرتفعة – المقاومة ورجال التغيير للثورة على الظلم – تعني توحدهم في الدّائرة وخروج صوت الزيف منها وآمالهم باتساع الوادي الكبير تدل على دخول الموجودين في القمم دائرة القرية التي يعمل هؤلاء على تظليلها من هجير وظلم النظام، غازلة آمالاً كبيرة بقرب يوم الخلاص.

نستخلص مما سبق:
◅ إن القاص سالم العبد استفاد من هذين النمطين في السرد، لا لكي يرسم أشكالاً سردية فقط، خالية من الغاية الطموحة؛ وإنما قصد إلى هذه الحيلة (التقنية) في السرد لتوصيل الرسالة (الغاية) إلى المتلقّي لهدفٍ يضمره الكاتب في دواخله، وعلى الرغم من اختلاف النقّاد حول أحقية دارسي الأدب وناقديه للتعرض للنص الأدبي من داخله دون النظر إلى علاقته بشخصة مبدعه أو الواقع أو التاريخ –خارج النص– وهو اختلاف، كما أرى، ليس في طبيعة دور الأديب ورسالته، ولكن في دور الناقد الذي يبحث عن متلقٍ ليس بالضرورة هو متلقي رسالة الأديب؛ وإنما متلقٍ آخر تجاوز بكثير المتلقي المنظور للعمل القصصي خاصة والأدبي عامّة.
◅ إن عالم سالم العبد القصصي عموماً، وفي هاتين القصتين كنموذجين هو (القرية)، وهي بطبيعتها الإنسانية والاجتماعية دائرة مغلقة أو شبه مغلقة، لذلك يظل الأمل في التغيير، إلى قادم أفضل هو من خارج الدّائرة، إلا أن تغيير دائرة القرية من الداخل أكثر ظهوراً وبروزاً وتأثيراً.
◅ نلمح في هاتين القصتين والمجموعة عامة، إدانة لما هو قادم من خارج الدّائرة، سواء كان دخيلاً من خارجها، أم خارجاً من داخلها، وهو ما يخدم الغاية الطموحة التي يعمل على تجذيرها الكاتب المبدع في واقع لا بد له من هواء نقي وسماد صحّي لبذور تروى لكي تعطي ثماراً ناضجة ومفيدة، وهو ما يحاوله قاصنا المبدع سالم العبد حتى اللحظة غير فاقد للغايات النبيلة والطموحة التي نحن على يقين أنها هي التي تدفع به إلى الكتابة وخلق عوالم من التخييل لتجاوز واقع معيش.
الهوامش:
1. د. حميد لحمداني، بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي – المركز الثقافي العربي، ط(3) 2000، ص: 46.
2. المصدر والصفحة نفسها.
3. المصدر نفسه، ص: 47.
4. سالم العبد – من خارج الدائرة – مؤسسة 14 أكتوبر – ص: 7. وباقي الإحالات كلها داخل المجموعة.
* ينظر الصفحة (12 – 14) لتبيان تداعيات الكارثة على المجتمع.
* ينظر من 23 المصدر نفسه.