صوت المرأة في الشعر النبطي الخليجي

تحليل موضوعاتي وجمالي لخمسة دواوين

عبدالنبي عبادي



يقدّم كتاب "ناقة لهجير الصحراء.. قراءات موضوعية في الشعر النبطي النسوي المُعاصر" الصادر حديثاً عن سلسلة كتاب "الرافد الإلكتروني" بالشارقة (يونيو 2025م) سلسلة قراءات نقدية للمنتج الشعري النبطي النسوي المعاصر قدّمتها الكاتبة المصرية ولاء محمد دردير.


الكتاب الذي بين أيدينا هو محاولة نقدية جادة للاقتراب من عالم الشعر النبطي النسائي، ليس بوصف ذلك الشعر خطابًا هامشيًا في جسد الثقافة العربية، بل باعتباره جزءًا نابضا في التكوين الإبداعي والوجداني لشعوب الخليج العربي. هذه القراءة التي تنهض على تحليل خمسة دواوين لخمسة أسماء نسائية في الشعر النبطي، تأتي امتدادًا لرؤية ثقافية مؤمنة بأن الأدب الشعبي، والشعر النبطي تحديدًا، ليس مجرّد كلام منظوم بالعامية، بل هو صوت المجتمع ومخزونه الثقافي والتاريخي، وهو مرآة لمزاجه ووعيه وتحولاته، ويمكن أن نعتبر أن مثل هذه الكتب هي نواة مشروع نقدي كبير.

وقد ذكرت الكاتبة في مقدمة الكتاب أن هذا المشروع النقدي يؤسس موقعه وفق التصوّر الذي يقدّمه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، والذي يرى في العناية بالشعر الشعبي ضرورة ثقافية نابعة من حاجةٍ ملحّة داخل العالم العربي، وليس مجرّد التزام رمزي أو احتفالي. من هنا، لا تبدو هذه المقاربة الشعرية النسوية عملاً معزولًا، بل تأتي في سياق استراتيجية ثقافية أشمل، تسعى إلى ترميم العلاقة بين اللغة واللهجة، بين الفصحى والنبطية، وإعادة الاعتبار للشعر الذي ظل لقرون اللسان الحقيقي للعامة، والوسيط الأول في نقل الموروث والمعنى والمشاعر والانفعالات.

تقول المؤلفة في المقدمة: "يقول صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي: "إن اعتناء الشّارقـة بالشّعـر الشّعبي والنّبطي، لم يأتِ من فراغ، بل هناك حاجة مُلحّة في عالمنا العربي دعتنا لذلك الاهتمام بهذا الرافد الثقافي والتاريخي للأمّـة" ومن هذا المنطلق، لا يُمكن أن ينمو هذا الشعر ويستمر ويزدهر دون عناية نظريّة وتطبيقيّة تقترب من النصوص وتحلّلها في مقاربات جماليّة موضوعيّة ترصد علاقة هذا الشعر بحياة الإنسان العربي في ماضيه وحاضره ومُستقبله.

وقد تكونُ المُصادفة هي التي وضعت بين يَديّ الدواوين الشعريّة النبطيّة، لكن المؤكّد أن الكِتابة عنها لم تكن محض مُصادفة ولا تزجية للوقت، بل جاءت الكِتابة عن هذه الدواوين الشعريّة نابعة من يقين قديم لديّ بأهمية الشّعر اللهجي جنباً إلى جنبٍ مع لغتنا العربيّة، فلا ثقافة دون لُغة ولا لُغة دون لهجة، كلاهما يحمل الدوالّ الثقافية والمعرفيّة المرتبطة بسيرورة هذه الأمّة العفيّة".

إن الشعر النبطي الذي تتناوله هذه الدراسة، يتسع لموضوعات كثيرة، ويعكس همومًا وجدانية وشخصية واجتماعية متنوّعة. من الفروسية إلى الحكمة، ومن الغزل إلى الفخر، ومن الرثاء إلى النقد الاجتماعي، تتعدد أغراض هذا الشعر كما تتنوّع أساليبه وصوره. لكنه، على الرغم من هذا الغنى، ظلّ في كثير من الأحيان حكرًا على الرؤية الذكورية، سواء في التلقي أو في التوثيق أو حتى في الممارسة الإبداعية. وهنا، تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يركّز على التجربة النسوية في هذا اللون الشعري، محاولًا كشف ملامحها، وتميّزها، وربما اختلافها أيضًا عن المنجز الذكوري المهيمن.

إن حضور خمس شاعرات عربيات وهُنّ: نشيرة الجابري، شيخة المقبالي، عائشة بن دوستين، نادية الحرمول، وبشرى الحضرمي، يتيح تنوّعًا في الخلفيات الجغرافية والاجتماعية والثقافية، ويمنح هذه الدراسة القدرة على رسم خريطة أولية لتجربة المرأة في الشعر النبطي الخليجي. وبتحليل هذه النماذج، يمكن تبيّن الكيفية التي تعبّر بها المرأة عن ذاتها، وعن قضاياها، وعن علاقتها بالعالم من حولها. فهل تعبّر المرأة في شعرها النبطي عن ذاتها بصوتها الخاص؟ أم تستعير خطاب الرجل؟ وهل تبني لغتها من تجربتها العاطفية والإنسانية الخاصة، أم تعيد إنتاج الصور التقليدية المألوفة؟

من خلال ما تقدّمه المقدمة، يبدو أن الدراسة تُدرك تمامًا أن اللهجة ليست عائقًا أمام القيمة الجمالية، بل هي وعاءٌ ثقافيّ لا يقل ثراءً عن اللغة الفصيحة، بل ربما يتفوق عليها في التعبير عن اليومي والمعيشي والمشاعر المباشرة. لهذا، تنطلق القراءة من إيمانٍ بأن اللهجة ليست بديلاً للفصحى ولا نقيضًا لها، بل هي شريكٌ في حمل المعنى وفي صوغ هوية الإنسان العربي. ويعني ذلك أن الدفاع عن الشعر النبطي ليس دفاعًا عن الحنين، بل هو دفاع عن التعدد، وعن الاعتراف بكل أصوات الثقافة، لا سيما تلك التي لطالما عانت من التهميش أو الاستبعاد.

ليس من السهل دائمًا الخوض في الشعر النبطي النسائي، فالتجربة ظلت لعقود طويلة حبيسة المحيط الضيق، لم تُنشر أعمال كثير من الشاعرات، ولم تحظَ بالدراسة والتحليل، حتى كادت تُطمس كثير من الأصوات النسائية تحت وقع الرؤية الذكورية للمشهد الشعري. وقد يكون من المفارقات أن المرأة، رغم معاناتها مع القيود الاجتماعية، ظلّت قادرة على التعبير بحرارة وصدق وأصالة من خلال القصيدة النبطية، ربما لأنها وجدت فيها مساحتها الحرّة، التي لا تحتاج إلى تبرير أو وساطة أو تنظير.

إن الدواوين الخمسة المختارة، والتي تتوزع بين الإمارات وسلطنة عمان، تقدّم لوحاتٍ متنوّعة لمضامين الأنثى الخليجية: العاطفة، والهُوية، والانتماء، والمجتمع، والأسرة، والذات. بعض الشاعرات تنحو إلى التعبير الرمزي، وبعضهن يفضلن التعبير المباشر. بعض القصائد تتجه إلى الحكمة والمثل، وبعضها يميل إلى الحنين والرثاء. هذا التنوّع في المضامين والأساليب يمنح الدراسة غنىً نقديًا، ويعكس في الوقت ذاته ثراء التجربة النسوية في الشعر النبطي، ما يؤكد أنها ليست ظاهرة طارئة أو عابرة، بل هي ممارسة أصيلة متجذّرة.

ولا يخلو هذا الكتاب، كما يبدو من مقدمته، من موقفٍ نقدي واضح: إنه لا يقدّم فقط عرضًا للقصائد، بل يسعى إلى بناء خطاب نقدي جديد حول الشعر النبطي، يتجاوز النظرة الفولكلورية التي ترى فيه مجرد تراث شعبي، ويتعامل معه كجنس أدبي متكامل، له لغته وأسلوبه ورؤيته وقضاياه. وهذا ما يمنح هذا الجهد قيمته: فهو لا يكرّس الصورة التقليدية للشعر الشعبي، بل يفتح الباب أمام مقاربات نقدية حديثة، تقرأ النصوص بعيون جمالية ومعرفية وسوسيولوجية.

في المحصلة، يُعدّ كتاب "ناقة لهجير الصحراء" خطوة أولى في طريق مشروع أوسع يأمل أن يعيد للشعر النبطي النسائي مكانته المستحقة، لا بوصفه "ظاهرة نسوية" فقط، بل كجزء لا يتجزأ من الذاكرة الشعرية للخليج والعالم العربي. وإذا ما توافرت إرادة النقد، واستمر الاهتمام المؤسسي والثقافي بهذا اللون من الشعر، فإننا قد نشهد قريبًا إعادة كتابة تاريخ الشعر النبطي برؤية أكثر عدالة وشمولية، تأخذ بعين الاعتبار كل الأصوات، وخاصة تلك التي ظلت لوقت طويل تتحدث من الظل.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها