هاجس الزمن وأثره في المجموعة القصصية

"مقعدان في صالة الانتظار" للكاتب سمير حكيم

عبد الهادي شعلان

الزمن، ذلك الخفي الذي يتسرَّب من بين أيدينا كالماء، ويمر علينا كسحاب دون أن نشعر بمروره، يعبر أعمارنا كطيف رقراق حين نجلس مع من نُحب، ويبدو ثقيلاً كجبل حين تمر بنا حوادث الفقد والحزن. الزمن، تناوله الشعراء، والفقهاء، والفلاسفة، وشغل عقول العلماء، وما يزال الزمن يتفلت منا دون أن ندري أين يذهب.

عن دائرة الثقافة بالشارقة صدرت المجموعة القصصية "مقعدان في صالة الانتظار" للكاتب سمير حكيم، المجموعة معنيَّة بطريقة جلية بهاجس الزمن وأثره على الإنسان، وعلى العلاقات، وتأثير الزمن على الشخص نفسه، وعلى المشاعر.

الزمن هو المحرك الخفي لأحداث القصص وهو الرابط السري بين خلافات الأشخاص وارتباطها في الحياة، الزمن هنا يغيِّر الأشكال والعواطف والقيم والتقاليد ويصيب الأجساد بالوهن، الزمن في القصص بمعنى العمر وليس الفترة الزمنية التي استغرقتها أحداث سرد القصص.

نجد هاجس الزمن يتخلل لروح قصة (قاعة الاجتماعات) فنرى عامل الزمن واضحاً مع وجود مفارقة بين الجيل الحديث والجيل القديم، بحكم فارق المسافة الزمنية بينهما، فالجيل الحديث يخاطب الزملاء باستعلاء، عكس الجيل القديم، نحن أمام زمنين متناقضين في القصة يتعاملان في آن واحد، بما يكشف حدة التغيير للحالة الزمنية.

يقارن الراوي نفسه في مقارنة عفوية داخل قصة (الهدية) بين حاله الآن وحاله من زمن فات، أيامه الحالية التي يبذل فيها جهداً ليسير في الطريق، يحاول أن يسرع، وأيام شبابه التي كان يمضي فيهل بخطى ثابتة لا تهتز، نظراته التي كانت مستقيمة لا ترتجف، مرور الزمن جعله يدرك أن زمن القوة والفتوة مر وذاب، وهو الآن يدرك مع زحف الزمن عليه أنه عندما تكبر سترى الوجه الآخر للعالم، يُخذل فيه الضعفاء، ولا يُرحم المرضى والعجزة، يدرك هذا وقد تبقى لديه بضعة أشهر ليجتاز العقد الخامس من عمره، الزمن يجعله ينظر بحسرة لأيام الشباب وبشفقة لما هو عليه، وأدرك أن الزمن يغيِّر من كل شيء، ونتخيل نهايته مع نهاية الشمعة المحترقة التي وضعتها زوجته في حامل الشمعدان، فذوبان الشمعة يمثل ذوبان العمر واحتراقه، ويكشف تسرب الزمن.

يتجلى هاجس بالزمن بين جيلين في قصة (مقعدان في صالة الانتظار) حين ينتظر الراوي دوره في البنك، يرى فتاة ركبتاها عاريتان تحت بنطلون جينز، شابة وهو كبير السن، تصنع المفارقة الزمنية فارقاً في العادات والتقاليد التي يرفضها الجيل الفائت، هذا التعري الذي يرفضه، لكنه لا ينسى أن الجيل القديم لم يقم بدوره مع الجيل الجديد وأنه السبب في هذا الفارق، ومع مرور الوقت اكتشف أن دوره في البنك قد فات، كان سارحاً، وهي رمزية تكشف أن دور القديم قد فات في إصلاح الجديد، وأن الزمن له تأثيره القوي على الحياة، وهو ما اهتمت به القصة.

في قصة (حلم مسه الضوء) يظهر الزمن جلياً في توالي العبارات، التي تكشف أثر الزمن (أرهقتها سنتان فوق الثمانين عاماً، لن ترجع عقارب الساعة لتصحح الخطأ) وأن الزمن لن يعود، وأن أشياء مثل الفراق والحزن والمرض تبدو بأحجام صغيرة جدّاً عند النظر إليها من فوق قمة جبل الزمن، الزمن يجعل الأشياء صغيرة وتافهة، تلك التي كنت تحسبها كبيرة قبل أن يمر الزمن.

يتبدى الهاجس الزمنى والاهتمام به في قصة (الأرمل وصاحبه) فتبدأ من تعارف صديقين أمام مدخل إحدى الكنائس، بعد أن فرقتهما سبل الحياة لعقدين من الزمن أو يزيد، وصنع الزمن لكل منهما قصة حزينة، الزمن في القصة صنع الندوب والأحزان، الزمن له تأثير واضح وقوي.

تنكشف تأثيرات الزمن على الراوي في قصة (المرآة) حين نظر الراوي لملامحه في المرآة، اكتشف أن ملامحه كانت تتشكل وتتغير على مدار سنوات، الزمن صنع منه شخصاً آخر بملامح لا يعرفها.

أما قصة (أمي نائمة) ينجلي أثر الزمن واضحاً على الأم التي اضطرت لترك الشقة التي عاشت فيها عمرها كله، وابنها متمثلاً في جيل الزمن الحديث يريد بيع الشقة، ينجلي أثر الزمن وهاجسه حين نظرت لصورتها المعلقة، رأت فتاة في مقتبل العمر واقفة بجوار عريسها، فرع من الورد يتدلى بيدها، ينظران للكاميرا ويبتسمان للمجهول، الصورة عادت بأثر الزمن على السيدة العجوز، حولها الزمن من النظارة والشباب للشيخوخة والجفاف، تحول لون الفستان الأبيض للأسود عن طريق الزمن.

نلمح في قصة (غرفة باقية لأمه) العودة للزمن القديم والعيش فيه؛ لقسوة زمنه الآني، يتصور الراوي أن أمه حية، يحدثها ويسمعها، حتى إننا نقتنع من بداية القصة أنها حية، وحين تسمعه زوجته تقول: "أمك الآن في دار ال ..."، فيغلق الباب ويستسلم لبكاء حار، الرغبة في التعايش مع أمه المتوفية جعلته يعود بروحه لزمن فات.

عنوان قصة (ظل الرجل العجوز) ومتنها يلتحم مع أثر الزمن وهاجسه، فالعجوز مر عليه زمان حتى إنه يسير الآن بحرص وتردد كطفل في أعوامه الأولى، يبذل جهداً كي يستقيم ويتوازن في مشيته، كأنه طفل، يعيد الزمن للجسد هزاله وضعفه.

يشكل الزمن بعداً مهماً في قصة (لقاء عابر) في المحاولة للوصول للدفء حين لمس يد المرأة الباردة، وطاف بذهنه سؤال عن الدفء القديم الضائع بينهما، الزمن يمكنه أن يجعل الأشياء الحنونة تنتهي، الزمن يحيل الدفء للبرودة في القصة.

الزمن عصب المجموعة، وروح القصص، وهو ما يجعل معظم القصص تترابط في تلاحم واضح عبر فكرة رئيسية تبحث عن أثر الزمن وهاجسه.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها