مسرح ما بعد الهجرة

بين الاندماج والاعتراف في السياسات الثقافية

محمد العفو


يُمثّل مسرح ما بعد الهجرة (Postmigrantisches Theater) حِراكاً جمالياً وفلسفياً يتجاوز مجرد كونه تعبيراً فنياً للأقليات، ليصبح أداة نقدية تُفكك البنى السياسية والاجتماعية في المجتمعات الغربية المعاصرة. يمكن التفكير في هذه الظاهرة المسرحية بالتركيز جوهرياً على توتر مفاهيمي بين أطروحتين لفيلسوفين ألمانيين معاصرين: ترتكز الأولى على "الاندماج" عند يورغن هابرماس، والثانية على "الاعتراف" عند أكسل هونيث.


جدلية الاندماج والاعتراف في الفضاء الثقافي الألماني:

تنهض رؤية هابرماس للاندماج على فصل تحليلي بين الاندماج السياسي والاندماج الاجتماعي الأكثر كثافة. فأما الأوَّل، فهو عنده بمثابة الرباط الظاهر، والعَقْد الجامع الذي يَسَعُ بَرَّ النَّاسِ وفاجِرَهم، والموافق والمخالف؛ حيث يبغي الطاعة لِـما خُط في الدُّستور الشَّامل. وأما الثاني المسمى الاندماجُ الاجتماعي، هو رِباط أشد كثافة، وأعمق لحْمة؛ يقوم على قرابة الثقافة، وأُلْفةِ العادات التي تَسْري في النفوس. ولقد جَعل هابرماس بين الاثنين فصلا؛ لأن الدولة الصالحة قد تَجْمع المواطنين تحت لِواء سياستها رغباً ورهباً، فيكونون جميعاً في ظلها، بيد أن قلوبهم شتى في دقاق الاجتماع ولطائف الثقافة.

بناء على ذلك؛ فإن هذا النموذج يسعى إلى عزل المحور السياسي الدستوري عن المحور الاجتماعي والعرقي الخاص لضمان التوافق الإجرائي في فضاء عمومي متعدد الثقافات. من هذه الناحية، يقترح هابرماس صيغة للتكامل؛ تقوم على مستويين متوازيين: الأول، هو التكامل الأخلاقي للمجموعات والثقافات الفرعية مع الاحتفاظ بأشكال حياتها الخاصة في البلد المُضيف عبر الدعم الحكومي، والثاني عبارة عن الاندماج السياسي الذي يتطلب التزاماً تاماً بالمبادئ الدستورية الراسخة في الثقافة السياسية المشتركة.

مع ذلك، تواجه أطروحة هابرماس انتقادات بنيوية داخل الفضاء المسرحي، بوصفه فضاء عرف تجارِب مسرحية ولازال كذلك؛ حيث ترى تلك الانتقادات أن أطروحة الاندماج السياسي تختزل التفاعل الاجتماعي في "التمركز حول اللغة"، وعلى القدرة على التواصل اللغوي عبر نظرية الفعل التواصلي. وهذا الاختزال التواصلي يحجب تجارب الظلم والقهر والإذلال الفعلي؛ تلك التجارب التي يعاني منها المهاجرون، وهي تجارب مريرة يرى مسرح ما بعد الهجرة ضرورة تشريحها جمالياً بدلا من تلطيفها إجرائياً لتسهيل الاندماج الشكلي. بتعبير آخر، يقوم البعد الفلسفي والنظري للاندماج عند هابرماس بنيوياً على عزل المحور السياسي الدستوري عن المحور الاجتماعي ذي الطبيعة الثقافية الخاصة من أجل ضمان التوافق. ومن الواضح أنه يقوم بذلك على أساس تقسيم الاندماج إلى تكامل أخلاقي للأقليات واندماج سياسي دستوري في الثقافة السياسية المشتركة؛ لكنه يغفل الطابع الاختزالي العلاقات الاجتماعية في التوافق اللغوي عبر الفعل التواصلي، مما يحجب تجارِب الظلم والقهر الفعلي.

في المقابل، يتخذ أكسل هونيث من "الاعتراف" مدخلا لتشخيص التشوهات النظرية، ومقدمة لإنجاز باثولوجيا اجتماعية حول الممارسات الواقعية. يرى هونيث أن الجودة الأخلاقية للعلاقات الاجتماعية لا تُقاس بالتوزيع المنصف للفضاء العمومي أو بمجرد آليات الاندماج الإجرائية، بل بمدى عمق ممارسات الاعتراف المتبادل ضمن السياسات الثقافية والاجتماعية. وعلينا أن ندرك أن الاعتراف عند هونيث يتأسس عبر ثلاثة أبعاد جوهرية؛ هي: الحب، والاعتراف القانوني، والتضامن الاجتماعي. هذه الأبعاد هي ما سيمنح مسرح ما بعد الهجرة شرعيته الفلسفية، ليغدو أداة لانتزاع الاعتراف وتفكيك "الاحتقار الاجتماعي" الذي يطال الممارسين من ذوي الأصول المهاجرة في ظل التعددية الثقافية المعاصرة. ومن هنا، يتبين تأكيد هونيث على أهمية التجارِب الوجدانية للاحتقار والظلم الاجتماعي بدلا من الاكتفاء بالهياكل القانونية الصورية للاندماج.

التطور التاريخي لمسرح الشتات والسياسات الحكومية الأوروبية:

لم يكن مسرح ما بعد الهجرة وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لصيرورة نضالية طويلة خاضتها أجيال الشتات في أوروبا، لاسيما في فرنسا وألمانيا.

المسار الفرنسي وحركة 'البور Beurs':

في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن العشرين، حمل الجيل الثاني من أبناء المهاجرين العرب في فرنسا آمالا كبيرة في الاندماج، ولذلك، ابتكروا مسرحاً جديداً يحمل أفكاراً تلائم واقعهم وتطلعاتهم. ولقد شكَّل الوعي بالاندماج ومناهضة العنصرية أرضية سياسية لتوحيد هؤلاء الفنانين والشباب، فتكللت هذه المطالب بتبلور "سياسة الاندماج الثقافي" عقب "مسيرة المساواة ومناهضة العنصرية" عام 1983، ونشوء وتطور حركة "البور Beurs'. ورغم الفرص التي أتيحت للفرق المسرحية المعنية بقضايا المهاجرين من شمال أفريقيا، إلا أن تلك المواهب ظلت تفتقر للاعتراف الفعلي الكافي ولم يُسمع صوتها بالقدر المطلوب في المؤسسات الرسمية.

المسار الألماني وتحولات سياسة اللجوء والترحيب:

اتبعت ألمانيا منذ ثمانينيات القرن العشرين سياسة أكثر انفتاحاً نسبياً، حيث أطلقت مؤسسات بلدية عمومية تعاوناً فنياً نقدياً مع فنانين مهاجرين من داخل أوروبا وخارجها، وفي هذا الصدد، يبرز دور 'مسرح الرور Theater an der Ruhr' في مولهايم ومسرح 'بالهاوس نونين شتراس Ballhaus Naunynstraße ' في برلين.

ولقد تضاعف هذا الانفتاح رسمياً إثر أزمة اللاجئين في عامي 2015 و2016، عندما أعلنت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، في مؤتمرها الصحفي الاتحادي بتاريخ 31 أغسطس 2015، أن منح اللجوء لضحايا الشرق الأوسط يعد "واجباً وطنياً"، مطلقة عبارتها الشهيرة "سننجح في المهمة Wir schaffen das".. ورغم أن هذه العبارة وما ارتبط بها من "ثقافة ترحيب جديدة" -والتي واجهت انتقادات واسعة لاحقاً- إلا أنها أسهمت في جعل ألمانيا الدولة الأوروبية الأكثر توفيراً للفرص والموارد لفناني هذه الموجة الجديدة من الهجرة، مما سمح بتبلور وترسيخ مفهوم "مسرح ما بعد الهجرة" في هذا البلد تحديداً.

تأسس مسرح بالهاوس نونين شتراسه في محلة كرويتسبرغ في حاضرة برلين عام 2008، مشكلاً الحاضنة الكبرى لهذا التيار. وفي هذا السياق، إذا فَتّشنا عن حقيقة مصطلح "ما بعد الهجرة" لوجدناه يُعبر عن فضاء التنوع المشترك الذي يتجاوز مفهوم الأصل العرقي، ليمثل مسرحاً يثير إشكالات مجتمع متنوع وهجين؛ أي مسرحاً تتمازج فيه الأخلاط، وتذوب في جنباته الفروق، ليتجاوز المُسرحِيُّ فيه ضيق الأصل العِرقي إلى سعة التنوع المشترك؛ علاوة على أن هذا المسرح قد جُعل مَحكّاً لإثارة الإشكال، وميداناً لتوليد السؤال، تُعرض فيه شؤون مجتمع هجين، بتعبير إدغار موران، مجتمعٍ تباينت منابته وتدانت رغائبه.

ولقد أدت شيرمين لانغوف Shermin Langhoff، المديرة السابقة لبالهاوس نونين شتراسه ومديرة مسرح ماكسيم غوركي لاحقاً، وظيفة محورية في صياغة مفهوم "ما بعد الهجرة" الفني والسياسي، وتثبيته في المسرح الألماني العام. في عام 2016، أعلنت لانغوف عن تأسيس 'فرقة المنفىExil Ensemble ' لمواجهة قضايا انعدام الجنسية وتوفير تدريب وتأهيل احترافي للفنانين والممثلين المنفيين واللاجئين، وبذلك تبين عن تحديها للتصنيفات الهوياتية والحدود التقليدية للثقافة في السياسات الألمانية العامة.

البنية الجمالية والإنتاجية لمسرح ما بعد الهجرة- ممارسات وتجارِب:

تتعدد النماذج والإنتاجات المسرحية التي تعكس رؤية مسرح "ما بعد الهجرة" من الناحيتين الفكرية والجمالية. وفي هذا الصدد، تكشف المقارنة بين أعمال عديدة عن تنوع المرجعيات الفنية والسياسية الحاكمة لمسرح الشتات ما بعد الكولونيالي.

أزمة الهُوية والتنميط في مسرحية "دماء مجنونة":

تُعد مسرحية "دماء مجنونة Verrücktes Blut' التي كتبها نوركان إربولات ويانس هيليي بعد اقتباس حر من الفيلم الفرنسي "يوم التنورةLa Journée de la Jupe ' لجان بول ليليانفيلد، من العلامات الفارقة والمفصلية في تاريخ مسرح ما بعد الهجرة. وتدور أحداث المسرحية حول معلمة في مدرسة ألمانية تواجه فصلاً دراسياً يضم تلاميذ من خلفيات مهاجرة يتسمون بالفوضى والتمرد. وتتحول الأوضاع في المسرحية تماماً، عندما يقع في يدها مسدس أحد الطلاب مصادفة أثناء شجار. حينها، تستغل المعلمة السلاح لفرض النظام بالقوة، مجبرة الطلاب على دراسة نصوص الأديب الألماني فريدريش شيلر ومفهومه المثالي عن التنوير والحرية في المسرح الكلاسيكي الألماني، متقمصة دور الداعية المتطرفة لقيم التنوير والتحرر الإنساني، حتى يذعن الطلاب لتلك "العقلانية" القسرية.

تطرح المسرحية كوميديا سوداء متهكمة وصادمة، وعن طريق ذلك، تفكك الادعاءات الغربية حول التنوير وقيم الاندماج، كاشفة كيف يتحول خطاب "التنوير والتحرر" ذاته إلى أداة عنف وإكراه سلطوي لفرض الهيمنة الثقافية وتدجين الآخر. لقد حظيت المسرحية باهتمام نقدي وإعلامي واسع، واعتبرتها الصحافة الألمانية عملاً يلامس عصب الأزمات الاجتماعية الراهنة، فحققت نجاحاً باهراً مكنها من المشاركة في المهرجانات الكبرى مثل مهرجان برلين المسرحي عام 2011.

ولقد ضم طاقم العمل التمثيلي نخبة من الفنانين ذوي الخلفيات المتعددة والثقافية المزدوجة، من بينهم: سيسيدي تيرزيان، ونورا ريم عبد المقصود، وحسن عكوش، وتامر أرسلان، ومراد ديكينشي، وبينار إرينسين، وسهيل ألتان جي، وباول وولين. مكنت تجارب هذا الطاقم من الكشف عن أزمة حادة تتعلق بالاعتراف؛ حيث يتعرض الفنانون ذوو الأصول المهاجرة للتنميط والاختزال المستمر في هوياتهم "الأصلية" استناداً إلى أسمائهم وملامحهم، رغم نشأتهم الاجتماعية والثقافية الألمانية. في هذا السياق، يعبر الممثل تامر أرسلان بمرارة عن هذه المفارقة عندما سُئل عن تماهيه مع شخصيته وشعوره بالانتماء. وهنا، أوضح أنه يُعرّف نفسه بأنه "برليني من أصل تركي"، لكنه لا يعرّف نفسه أبداً بأنه "ألماني"، نظراً لأن المجتمع لن يصدقه وسيظل يشير إليه باستمرار على أنه تركي، وهذا يبين الكيفية التي تصر بها المؤسسات الثقافية المهيمنة على تصنيف نتاجه الإبداعي في خانة "مسرح مهاجرين" بدلا من الاعتراف به من حيث هو جزء طبيعي وأصيل من المشهد المسرحي الألماني العام.

الجماليات التفكيكية ونزع الطابع الاستعماري:

يركز مسرح ما بعد الهجرة على استبدال السرديات السائدة بصيغ جمالية بديلة تسعى لنزع الطابع الاستعماري ومواجهة المركزية الغربية. من خلال لمحة قصيرة على مشروع "شتات"، سنبين بعد قليل آلية عمله، ورهانه في وسط سياسي غير متكافئ الفرص، وكيف يسمح لنا ذلك بالتفكير في التعددية النقدية.

مشروع "شتات":

يجسد العرض المسرحي المشترك "شتات DIASPORA' توجهاً جمالياً تفكيكياً عابراً للحدود. لقد أُنتج العرض عام 2022 في إطار مشروع الاتحاد الأوروبي المسمى "إعادة الاتصال: الرقص والمسرح في حوار مع الجنوب العالمي Reconnect. Dance and Theatre in Dialogue with the Global South'، وهو ثمرة تعاون مشترك بين فرقة 'أكتيون' لسينوغرافيا المسرح الشارعي (Antagon TheaterAKTion) التي أسسها برنارد بوبا عام 1990 في فرانكفورت، وفرقة "أوندادورتو Ondadurto Teatro' التي تأسست في روما عام 2005 بإشراف مارغو باتشيوتي ولورينزو باسكوالي.

يقدم العرض معالجة معاصرة وتراجيدية لمسرحية "نساء طروادة" الكلاسيكية للكاتب الإغريقي يوريبيدس، مُحوّلا إياها إلى منصة تسعى لتغيير منظور المشاهدة؛ حيث يرى الأحداث والنزاعات العالمية بعيون الضحايا والنساء واللاجئين الأبرياء. يتناول العرض بجرأة مآسي التهجير والنزوح المعاصرة الناتجة عن هياكل الاستغلال الاستعماري والنيوكولونيالي في الجنوب العالمي، والحروب الدائرة في أوكرانيا، فضلا عن المآسي والحروب المستمرة في فلسطين.

اعتمدت الجماليات الإخراجية لـ"شتات" على لغة مسرحية بديلة وجريئة تجمع بين الرقص، والمسرح الجسدي والغناء، وذلك من أجل التعبير عن واحدة من أقسى الصدمات الإنسانية في تجربة الشتات وهي "فقدان اللغة"، وعجز القواميس التقليدية عن احتواء المعاناة. ومن ناحية أخرى، لا تقل جمالية عن الأولى، تسافر الموسيقا الحية بالعرض بين القوة الإيقاعية القديمة والهشاشة العاطفية الوجدانية، ممتزجة بعروض الفيديو والسينوغرافيا المتحركة والأجسام الكبيرة المبتكرة في الهواء الطلق، لتأخذ الجمهور في رحلة حسية تفكك تناقضات العصر الحديث، وتدعو الفرد والمجتمع لتحمل مسؤولياتهم الإنسانية والأخلاقية.

المسرح العابر للحدود ومقاومة التنميط الثقافي الوطني:

تقدم تجربة "مسرح الرور Theater an der Ruhr' في مولهايم نموذجاً متميزاً للمسرح العابر للحدود الوطنية، والذي يرفض التماهي مع الأجندات السياسية والمبادئ التوجيهية الرسمية للثقافة القومية الألمانية Leitkultur التي تهيمن على الخطاب السياسي وصناديق التمويل المشروط. لقد تأسس "مسرح الرور" على فكرة محورية ترى أن الفن يخاطب المبدعين والجمهور بصفاتهم الإنسانية، وليس كأدوات لتنفيذ استراتيجيات الدمج الثقافي الوطني القسري.

وفي تجربة مشتركة، تعاون "مسرح الرور" مع فرق مسرحية كردية، وأطلق مشروعاً فنياً محلياً مخصصاً للاجئين السوريين؛ يحمل اسم "مقهى حلب Aleppo Cafe'، والذي ارتبط بتأسيس "تجمع معلوبة Collective Ma'louba' المعني بتقديم أعمال المسرحيين العرب والشرق أوسطيين في المهجر. في هذا الصدد، نجد مسار الممارس الثقافي عمر محمد، وهو طبيب وكاتب ولد في حلب ودرس إدارة الأعمال فيها، وقدم إلى ألمانيا كلاجئ عام 2015. انخرط محمد بفعالية في المشاريع الإنسانية والفنية في منطقة الرور، وتولى مسؤولية العلاقات العامة وتطوير الجمهور في تجمع معلوبة بمسرح الرور، مجسداً نموذجاً حياً لعبور الحدود الثقافية والمهنية وتحقيق فاعلية المهاجرين واستقلاليتهم الإبداعية داخل المؤسسات الفنية الألمانية الرسمية.

يرتكز هذا التوجه الفني لـ"مسرح الرور" على فهم عميق "لعدم القابلية للترجمة الكاملة" أو الاندماج الكامل، كما يقوم على تفكيك مفهوم الأصالة الزائفة في الفن. لهذا، ترفض إدارة المسرح، بالتعاون مع المبدعين واللاجئين، تحويل المسرح إلى مجرد وسيلة لقص السرديات المأساوية المستهلكة من أجل إرضاء فضول الجمهور الغربي أو خدمة برامج التكامل والتطبيع الثقافي الحكومي. وفي اتجاه بديل لذلك، تعتمد العروض على قوة التعبير الجسدي والتأمل الجمالي الصامت وحرية التعبير غير الخاضعة للوصاية، مُحوّلة الخشبة إلى مساحة للتفاعل المتكافئ، وبناء الخبرة السياسية النقدية والتعددية الفعلية.

العدالة الإبداعية وصياغة الكونية النقدية لتمثيلات الهوية:

يقف مسرح الشتات وما بعد الهجرة اليوم أمام ضرورة المزاوجة بين "الاعتراف"، و"العدالة الإبداعية" للتغلب على الأنماط الفكرية الاستعمارية السائدة والتمثيلات النمطية الجاهزة. ويتطلب هذا الانتقال تبني استراتيجيات فكرية وجمالية واضحة المعالم، يمكن أن نبدأ بلورتها.

إن الدراما أداة لانتزاع العدالة الإبداعية، إذْ ليست هي للعبث الباطل ولا ملهاة لملء الفراغ. وبتعبير آخر، هي أداة شريفة، وآلة لطيفة، تُشهر في وجوه العُتاة، وتُنزع بها "العدالة الإبداعية" نَزعاً من بين أنياب الهيمنة. وعلى هذا النحو، تقتضي العدالة الإبداعية تفعيل أبعاد الاعتراف الثلاثة (الحب، التضامن، والاعتراف القانوني) لمواجهة كافة الممارسات التمييزية؛ مثل احتقار التعبير الجسدي والوجداني للممثلين المهاجرين، وانتهاك حقوقهم الأساسية داخل المؤسسات المسرحية الرسمية، وإصدار أحكام تقييمية مسبقة تقلل من قيمتهم الاجتماعية والجمالية. هكذا، تصبح الدراما شكلا لامتلاك مقومات الاعتراف وتوسيع مساحات الإبداع الحر المستقل.

ثم إن نزع الطابع الاستعماري عن النصوص الكلاسيكية- أي الكتب الغابرة، والآثار المسطورة التي هي بنت أزمانها- وإن لم تكتفِ بصارم السيف وسنان الرمح، فإن في بطونها داء الاستعلاء، وأنها مَظنّة لغمط الحقوق، ومَدرجة لإهانة الشعوب. لهذا، تمثل إعادة كتابة ومسرحة مآسي الاستعمار القديم والجديد، وربطها بهياكل الاستغلال المعاصرة وأزمات التهجير القسري، مواجهةً قوية لجمود الفكر المعاصر وتواطؤ السياسات الدولية، وهو ما قد يظهر جلياً في إعادة قراءة نصوص يوريبيدس وشيلر برؤية نقدية معاصرة.

وأخيراً؛ تخضع سياسات الكونية النقدية وصيرورة الهوية لعلاقة تحويلية متبادلة. وهنا، يؤكد مسرح الشتات أن الهوية الثقافية لا يمكن أن تكون كياناً ثابتاً أو معطى ناجزاً وشفافاً، بل هي إنتاج فني مستمر وصيرورة تاريخية تتشكل من داخل التمثلات والصراعات والخبرات المشتركة. وتنطلق تلك الصيرورة، من ترابط عمليات التمثل بموقع النطق والمنطقة الجغرافية والثقافية والسياسية التي يتحدث منها المسرحي. أما ما تتيحه الكونية النقدية فهو إمكان القيام بعمليات مستمرة من "القص وإعادة القص" ضمن عالم متحول، لتصحيح المسارات المتشعبة للهوية وتجاوز حدود الدولة القومية. هذا التوجه الفني العابر للحدود يسمح بإدراك التشابهات والاختلافات، والانقطاعات والاستمرارات في التجرِبة الإنسانية، ويؤسس لجماليات جديدة تنتزع الاعتراف وتصنع مستقبلاً نقدياً وتعدداً حقيقياً من هوامش الإبداع المعاصر.

أَخْتم، وأقول: إن دراسة ظاهرة "مسرح ما بعد الهجرة" تحتاج إلى تصور يحمل رؤية سوسيولوجية حتى نبلغ منه شأواً، ونجني منه سمراً، وذلك أكثر مما ظهر حتى الآن. وأن نجاح جعل "الاعتراف" معياراً أساساً للعدالة الإبداعية لتُوفَّى بها حقوق القرائح، رهين بتحليل حدود "الاعتراف" والوقوف عند مضايقه، وعزل الممكن منه وما يمتنع في عالم معاصر تضيق فيه فرص التعايش، وتترادف فيه الأزمات وتتسع فجاج التباغض.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها